استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي
ملتقى التاريخ الإسلامي يهتم بالتاريخ الإسلامي ، والدراسات والمخطوطات والاثار الاسلاميه .
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-08-2026, 07:55 PM   #37

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ
(35) التدابير التي اتخذها يزيد ضد ابن الزبير


كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

حملة عمرو بن الزبير:

فقد ذكرنا في المقال السابق محاولات يزيد للسيطرة على عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، وقد أصر ابن الزبير على موقفه؛ فلقد علم أن رفضه لمطالب يزيد وبسط لسانه وتنقصه والنيل منه، سيعقبه شدة وقسوة مِن يزيد؛ لا سيما بعد ما تفوه به على رؤوس أشراف أهل الشام، فقام ابن الزبير بجمع مواليه ومَن تألف معه مِن أهل مكة وغيرهم، وكان يقال لهم الزبيرية (أخبار مكة للأزرقي، بسندٍ كل رجاله ثقات).

وهنا رأى يزيد أنه لابد مِن القيام بعملٍ عسكري، يكون الهدف منه القبض أو القضاء على ابن الزبير أو حمله على الامتثال لقَسَم يزيد، ووضع الأغلال في عنقه، ولما حج عمرو بن سعيد بن العاص والي المدينة في تلك السنة -والمرجح سنة إحدى وستين- حج ابن الزبير معه، فلم يصلِّ بصلاة عمرو، ولا أفاض بإفاضته (أنساب الأشراف للبلاذري).

وهذا العمل مِن ابن الزبير يعني المفارقة الواضحة لسلطة دولة يزيد وعدم الاعتراف بها، وخصوصًا أن إقامة الحج تمثـِّل الدليل الأقوى على شرعية الدولة وقوة سلطانها، مثله مثل إقامته الجهاد في سبيل الله، ثم منع ابن الزبير الحارث بن خالد المخزومي مِن أن يصلي بأهل مكة وكان الحارث بن خالد المخزومي نائبًا لعمرو بن سعيد على أهل مكة (البداية والنهاية لابن كثير)، وكان ابن الزبير يتصرف وكأنه مستقل عن الدولة، وكان لا يقطع أمرًا دون المسور بن مخرمة -المسور بن مخرمة بن نوفل له ولأبيه صحبة-، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وجبير بن شيبة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وكان يريهم أن الأمر شورى فيما بينهم، وكان يلي بهم الصلوات والجمع، ويحج بهم (تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة ابن الزبير).

فكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد بن العاص واليه على المدينة أن يوجِّه له جُندًا؛ فعيَّن عمرو بن سعيد بن العاص على قيادة هذه الحملة عمرو بن الزبير بن العوام أخو عبد الله بن الزبير، وكان عمرو بن الزبير قد ولي شرطة المدينة لعمرو بن سعيد، وكان شديد العداوة لأخيه عبد الله، وقام بضرب كل مَن كان يتعاطف مع ابن الزبير، واتجه جيش عمرو بن الزبير إلى مكة وكان قوامه ألف رجل، وجعل على مقدمته: أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة من الجند (تاريخ الرسل والملوك للطبري)، فسار أنيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طوى، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح، وأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله يطلب منه الامتثال ليمين يزيد بن معاوية وحذره مِن القتال في البلد الحرام (تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام للذهبي).

وكان عمرو بن الزبير يخرج مِن معسكره فيصلي بالناس خلال المفاوضات مع أخيه عبد الله، وكان عبد الله يسير معه ويلين له، ويقول: إني سامع مطيع وأنت عامل يزيد، وأنا أصلي خلفك، وما عندي خلاف؛ فأما أن تجعل في عنقي جامعة -الجَامِعَةُ: الغُلُّ يجمع اليدين إِلى العُنُق-، ثم أٌقاد إلى الشام، فإني نظرت في ذلك، فرأيتُ أنه لا يحل لي أن أحله بنفسي فراجع صاحبك واكتب إليه، ولكن عمرو بن الزبير اعتذر من الكتابة ليزيد، وذلك لأنه جاء في مهمة محددة مطلوب منه تنفيذها.

وكان عبد الله بن الزبير قد أرسل عبد الله بن صفوان الجمحي ومعه بعض الجند، وأخذوا أسفل مكة، وأحاطوا بأنيس بن عمرو الأسلمي، ولم يشعر بهم أنيس إلا وقد أحاطوا به، فقتل أنيس وانهزم أصحابه، وفي الوقت الذي قتل فيه وانهزم جيش أنيس بن عمرو الأسلمي، كان مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، يقود طائفة أخرى من الجند نحو عمرو بن الزبير، الذي كان معسكرًا في الأبطح، فانهزم عمرو بن الزبير، ودخل دار رجل يقال له علقمة، فجاءه أخوه عبيدة بن الزبير فأجاره، فأخذه إلى عبد الله، وذكر له أنه أجاره، فقال عبد الله: أما حقي فنعم، وأما حق الناس فلأقتص منه لمن آذاه في المدينة (الطبقات لابن سعد، وأنساب الأشراف للبلاذري)، وأقام عبد الله عمرو بن الزبير ليقتص الناس منه، فكل مَن ادعى على عمرو بأنه فعل به كذا وكذا وكذا قال له عبد الله بن الزبير افعل به مثلما فعل بك. وتذكر المصادر أن عمرو بن الزبير تعرض لتعذيبٍ شديدٍ مِن جراء ذلك، ومات تحت الضرب (تاريخ الإسلام للذهبي).

لقد أثبت ابن الزبير -رضي الله عنه- أنه يملك ذكاءً ودهاءً بارزين، الأمر الذي مكّنه مِن تحويل القضية لصالحه، بعد ما كانت في يد يزيد بن معاوية (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني)، وكان ابن الزبير في بداية معارضته يعتمد على أن البيعة التي تمتْ ليزيد بن معاوية لم تكن بموافقة الناس، ولابد مِن مشاركة الناس، وكان يدعو إلى الشورى ولم تحقق معارضة ابن الزبير أي نجاح يُذكر؛ فخلال سنتين أو أكثر مِن معارضته ليزيد لم يحدث أي تغيير بشأن هيمنة الدولة على الحجاز؛ فضلاً عن غيره مِن الأقطار.

ولقد ارتكب يزيد خطأً فادحًا عندما أقسم أن يأتيه ابن الزبير إلى دمشق في جامعة، فكيف يعقل مِن صحابي جليل تجاوز الستين مِن عمره أن يرضخ لطلب يزيد بن معاوية؟!

ولقد استطاع ابن الزبير أن يظهر يزيد أمام أهل الحجاز بأنه شخص متسلط، ليس أهلاً لولاية المسلمين، وجعلتْ هذه الحادثة من ابن الزبير في نظر الكثير مِن المترددين في موقفهم مِن ابن الزبير، على أنه طالب حق يواجه خليفة يحمل الظلم في أحكامه والتعسف في قراراته، والذي مكّن ابن الزبير وأكسبه الكثير مِن التعاطف هو موقف أمير المدينة -عمرو بن سعيد- فكان هذا الأمير -كما تذكر الروايات- شديدًا على أهل المدينة معرضًا عن نصحهم، متكبرًا عليهم، ثم ذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه عمرو بن الزبير الذي تذكره الروايات أيضًا بأنه عظيم الكبر، شديد العجب، ظلومًا قد أساء السيرة، وكان يضرب بالسياط، فكان ممن ضرب: المنذر بْن الزبير، ومحمد بْن المنذر، وعثمان بْن عبد اللَّه بْن حكيم بْن حزام، وخبيب بْن عبد اللَّه بْن الزبير، ومحمد بْن عمار بْن ياسر، وغيرهم، وكان يُقال: عمرو لا يُكلم، مَن يكلمه يندم! (أنساب الأشراف للبلاذري).

ومِن الأخطاء التي وقع فيها يزيد بن معاوية، وعمرو بن سعيد بن العاص والي المدينة، واستطاع ابن الزبير أن يوظفها لصالحه: "غزو مكة بجيش"؛ فمكة لها حرمتها وخصوصيتها في الجاهلية ثم جاء الإسلام فزادها مكانة وقداسة على مكانتها تلك التي كانت في الجاهلية، وقام عمرو بن سعيد يتحدى مشاعر المسلمين في المدينة حين رقي المنبر في أول يوم مِن ولايته على المدينة، فقال عن ابن الزبير: تعوذ بمكة، فوالله لنغزونه، ثم والله لئن دخل الكعبة لنحرقنها عليه، على رغم أنف مَن رغم (تاريخ خليفة لابن خياط).

ولما جهّز الحملة التي سيوجهها لابن الزبير في مكة، نصحه بعض الصحابة وحذّروه، وذكّروه بحرمة الكعبة، وبحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان حرمتها، ولكنه رفض السماع لنصحهم (أنساب الأشراف للبلاذري)، وكان مروان بن الحكم وهو الأمير المحنك والسياسي الداهية قد حذّر عمرو بن سعيد مِن غزو البيت، وقال له: لا تغزو مكة، واتقِ الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر؛ هذا له بضع وستون سنة، وهو رجل لجوج -كثير الإلحاح-، والله لئن لم تقتلوه ليموتن، فقال له عمرو: والله لنقاتلنّه، ولنغزونّه في جوف الكعبة على رغم أنف مَن رغم، فقال مروان: والله إن ذلك يسوؤني (البداية والنهاية).

وكان عبد الله بن الزبير قد اختار لقبًا مؤثرًا حين أطلق على نفسه: "العائذ بالله"، فأصبح المساس بحرمة مكة أمر لا يوافق عليه الصحابة والتابعون، وكان لا بد مِن الدفاع عن مكة، في وجه جيشٍ يريد استحلال حرمتها!

وحتى الذي لا يستطيع أن يدافع عن مكة فسوف يكون متعاطفًا مع ابن الزبير بصفته يدافع عن بيت الله، وتدافع الناس نحو ابن الزبير مِن نواحي الطائف يعاونونه ويدافعون عن الحرم (أنساب الأشراف للبلاذري).


وهذه القضايا المعنوية والحسية كان لها الأثر البالغ في تعاظم مكانة ابن الزبير لدى أهل الحجاز؛ الأمر الذي جعله يحقق نصرًا ساحقًا وسهلًا على جيش عمرو بن الزبير، ومِن الأمور التي انتقدها يزيد على عمرو بن سعيد، كيف أنه لم يبادر بطلب جندٍ مِن أهل الشام حين جهز حملة عمرو بن الزبير؟! (أنساب الأشراف للبلاذري).

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2026, 11:47 PM   #38

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ
(36) التدابير التي اتخذها يزيد ضد ابن الزبير


كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
"حملة الحصين بن نمير - وحصار ابن الزبير - وحريق الكعبة":
ذكرنا في المقال السابق تفاصيل حملة عمرو بن الزبير، ونستكمل في هذا المقال محاولات يزيد للسيطرة على عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-.
لم يقم مسلم بن عقبة في المدينة أكثر مِن ثلاثة أيام بعد موقعة الحرة، ومات في السابع مِن شهر المحرم وهو في طريقه لابن الزبير، وتولى القيادة مِن بعده الحصين بن نمير السكوني، ووصل إلى مكة قبْل انقضاء شهر المحرم بأربع ليالي تقريبًا، وعسكر الحصين بن نمير بالحجون -الجبل المشرف حذاء مسجد البيعة بينه وبيْن الحرم ميل ونصف- إلى بئر ميمون -حفرها ميمون بن الحضرمي، وهي في طريق منى-، وبذلك فقد عمل الحصين بن نمير على نشر جيشه على مسافة واسعة، والذي دفعه إلى ذلك طبيعة الحرب التي ستدور في مكة.
وقام ابن الزبير -رضي الله عنهما- يحثُّ الناس على قتال جيش أهل الشام، وانضم المنهزمون مِن معركة الحرّة إلى ابن الزبير، وقدِم على ابن الزبير أيضًا نجدة بن عامر الحنفي في ناسٍ مِن الخوارج، وذلك لمنع البيت مِن أهل الشام (تاريخ الرسل والملوك للطبري).
وقيل: إن النجاشي -لقب لكل مَن حكم الحبشة- أرسل جماعة مِن جيشه للدفاع عن الكعبة (أنساب الأشراف للبلاذري)، وكان عدد المقاتلين الذين اشتركوا مع ابن الزبير أقل بكثيرٍ مِن المقاتلين الذين اشتركوا في معركة الحرّة، ولم تكن القوات متكافئة، وعرض الحصين بن نمير الصلح والتسليم على عبد الله بن صفوان أحد أمراء عبد الله بن الزبير، فرفض ابن صفوان وأصر على الحرب والقتال ووافقه مَن معه (المحن لأبي العرب ص 203).
وكان مسلم بن عقبة عند موته قد أوصى الحصين، فقال: "فاحفظ عني ما أقول لك: لا تطيلنّ المقام بمكة، فإنها أرضٍ جردية لا تحتمل الدواب، ولا تمنع أهل الشام مِن الحملة، ولا تمكن قريشًا مِن أذنك فإنهم قوم خدع، وليكن أمرك الْوِقَافُ، ثُمَّ الثِّقَافُ -أي الخصام والجلاد، يريد المناجزة بالسيف- ثم الانصراف، أفهمت يا حصين؟ قَال: نعم. قَال: واعلم أنك تقدم على قوم لا منعة لهم ولا عدة ولا سلاح، ولهم جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المجانيق فإن عاذوا بالبيت فارمه فما أقدرك على بنائه" (الطبقات لابن سعد).
وفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت مِن صفر، نشب القتال شديدًا بيْن الطرفين، ويبدو أن ابن الزبير قد حقق في البداية شيئًا مِن التكافؤ مع جيش الحصين (الطبقات لابن سعد)، لكن سرعان ما تحول الوضع لصالح الحصين بن نمير، بعد أن ابتلي ابن الزبير بفقد خيرة أصحابه، مثل أخويه: المنذر وأبي بكر ابني الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن، وحذافة بن عبد الرحمن بن العوام، وعمرو بن عروة بن الزبير (جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار).
وبعد ثلاثة أيام مِن ربيع الأول سنة 64 هـ - 683م: قام الحصين بن نمير بنصب المنجنيق على جبل أبي قبيس -هو أحد أخشبي مكة، وهو جبل مطل على الصفا- وجبل قعيقعان -جبل بمكة مقابل لأبي قبيس-، وفقد ابن الزبير أهم مستشاريه ومناصريه، وهو المسور بن مخرمة بعد أن أصابه بعض أحجار المنجنيق، وانكشفت مواقع ابن الزبير أمام الحصين بن نمير، ولم يبقَ مأمن لابن الزبير مِن أحجار المنجنيق سوى الحِجر (المحن لأبي العرب)، وحوصر ابن الزبير حصارًا شديدًا، ولم يعد يملك إلا المسجد الحرام فقط بعد أن فقد مواقعه المتقدمة في الأبطح (تاريخ خليفة لابن خياط).
وقد عمد ابن الزبير إلى وضع ألواحٍ حول البيت وعلى المسجد، وألقى عليها الفرش؛ حتى توفر لهم غطاءً مِن كثرة الحجارة المنهمرة عليهم مِن أعالي الجبال، وحتى يتمكنوا مِن أداء الصلاة والطواف حول الكعبة، وقد جعل ابن الزبير فسطاطًا في المسجد فيه نساء يسقين الجرحى ويطعمن الجائع (تاريخ دمشق لابن عساكر).
وفي أثناء احتدام االمعارك بيْن ابن الزبير والحصين بن نمير احترقت الكعبة، وهذه مصيبة أضيفت إلى مصائب المسلمين التي نتجت عن استحلال القتال في البلد الحرام الذي حرَّم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- القتال فيه، وكان يزيد بن معاوية قد مات في منتصف شهر ربيع الأول (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة للحافظ ابن حجر)، ولم يعلم أحدٌ بموته؛ نظرًا لبعد المسافة بيْن مكة ودمشق، وقد جاء الخبر بموت يزيد إلى مكة لهلال شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين.
ولم تكن الكعبة مقصودة في ذاتها بالإحراق، بل كان نتيجة حريق في الخيام المحيطة بها، والدليل على ذلك: ما أحدثه حريق الكعبة مِن ذهولٍ وخوفٍ مِن الله في كلا الطائفتين: جيش الحصين بن نمير، وجيش ابن الزبير؛ فقد نادى رجل مِن أهل الشام بعد أن احترقت الكعبة، وقال: "هلك الفريقان! والذي نفس محمد بيده" (تاريخ خليفة لابن خياط).
وأما أصحاب ابن الزبير، فقد خرجوا كلهم في جنازة امرأة ماتت في صبيحة ليلة الحريق خوفًا مِن أن ينزل العذاب بهم، وأصبح ابن الزبير ساجدًا، ويقول: "اللهم إني لم أتعمد ما جرى؛ فلا تهلك عبادك بذنبي، وهذه ناصيتي بيْن يديك" (مواقف المعارضة للشيباني).
ولا شك أن أحدًا مِن أهل الشام لم يقصد إهانة الكعبة، بل كل المسلمين معظمين لها، وإنما كان مقصودهم حصار ابن الزبير، والضرب بالمنجنيق كان لابن الزبير لا للكعبة، ويزيد لم يهدم الكعبة، ولم يقصد إحراقها لا هو ولا نوابه باتفاق المسلمين (منهاج السنة لابن تيمية)، ولكن يُؤخذ على أهل الشام أنهم يعلمون جيدًا أن إحتمالية وقوع الضرر بالكعبة قائمة، ومع ذلك لم يراعوا هذا الأمر.
وهناك بعض الروايات التى تشير إلى أن الحصين بن نمير قد عرض على ابن الزبير بعد موت يزيد أن يتولى الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، ولكن بشرط أن يتوجه معه إلى بلاد الشام؛ فرفض ابن الزبير هذا العرض وطلب المقام في مكة(تاريخ الرسل والملوك للطبري).
ثم انسحب جيش الشام بعد ذلك، وحينما نحاول أن نقوِّم حركة ابن الزبير، ومدى تأثيرها على المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، فإننا نجد أن نتيجة الحرب التي دارت بيْن الحصين وابن الزبير، لم تصل إلى نتيجةٍ واضحةٍ بسبب وفاة يزيد بن معاوية وانسحاب جيش الشام، ولكننا نشير إلى عدم رضا كثيرٍ مِن الصحابة عن معارضة ابن الزبير وموقفه، وهذا يظهر جليًّا في موقف ابن عمر -رضي الله عنهما-، وهو أفضل وأفقه أهل زمانه حيث إن يزيد بن معاوية -في نظره- يمثِّل الخليفة الشرعي للمسلمين، وأنه قد أعطي البيعة؛ ولذا لا يجوّز الخروج عليه.
وقد كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يعلم نتائج معارضة ابن الزبير، حيث سيكون هناك حربٌ و قتالٌ بيْن المسلمين، ويُقتل الناس تبتلى الأمة، وتُعَطّل الثغور ويتوقف الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مِن المفاسد التي يعتقد ابن عمر أنها ستحدث لا محالة إذا استمر ابن الزبير في معارضته.
ولكي يصرف ابن عمر الناس عن مناصرة ابن الزبير فقد قال بأن قتال ابن الزبير إنما هو لأجل الدنيا (المصنف لابن أبي شيبة بسندٍ صحيح)، وأخذ يخبر الناس ويحذرهم أن قتالهم ومناصرتهم لابن الزبير إنما هو قتال على الملك فقط (البخاري مع الفتح (4513) كتاب التفسير، وأحمد المسند (5690) وصحح إسناده أحمد شاكر)، ولم يكتفِ ابن عمر بذلك، بل كان دائم المناصحة لابن الزبير و يحذِّره مِن عواقب الفتن، وكان يعرّفه بأن نهاية هذه المعارضة ستكون بائسة له (شرح النووي على مسلم).
ولا شك أن كلام ابن عمر وموقفه في الفتن يستحق التوقف والتدبر للخروج بحصيلةٍ علميةٍ راسخةٍ نستفيد منها في واقعنا المعاصر.
وهكذا كان موقف ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو فقيه عالمٌ مفسّرٌ للقرآن، مِن أشد المعارضين لموقف ابن الزبير، فلم يُنقل عنه أنه كان راضيًا عن ابن الزبير أو أنه تعاطف مع معارضته، بل إنه لم يبايعه بعد وفاة يزيد بن معاوية، وكان يصرِّح بأنه إذا كان تحت حكم بني أمية خيرٌ له مِن حكم ابن الزبير (البخاري مع الفتح 8/ 177)، ولم يكن راضيًا عن شخص ابن الزبير، ويفضِّل عليه معاوية بن أبي سفيان (المعجم الكبير للطبراني، والمصنف لعبد الرزاق)، بل وكان يحمِّله جزءًا مِن المسؤولية عن إحلال القتال ببيت الله (البخاري مع الفتح 8/ 177).
وهكذا كان موقف أبي برزة الأسلمي وجندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنهما-، و قولهم جميعًا بأن قتاله مِن أجل الدنيا إنما كان بسبب النظرة إلى الفتن التي تجري بيْن المسلمين في ذلك الحين، ويهدفون إلى تحذير كل مَن يلتحق، أو ينوي لانضمام لأيٍ مِن الطائفتين.
ومراد هؤلاء الصحابة الذين نقلنا عنهم رأيهم في قتال ابن الزبير وأنه كان مِن أجل الدنيا، هو تثبيط الناس عن الاشتراك معه، ومعرفتهم بأن النتائج التي ستترتب على أي قتالٍ يحدث هي أعظم مِن المنفعة المرجوة بعده؛ فهذا ابن عمر يترحم على ابن الزبير بعد أن قتله الحَجّاج، ويقول: "لقد كنتَ صوّامًا قوّامًا تصِل الرّحم". و يقول أيضًا: "رحمك الله، لقد سَعِدَتْ أمة أنت شرُّها!" (مسلم بشرح النووي 16/ 99).
ولا شك أن هؤلاء الصحابة قد آلمهم تعريض ابن الزبير الحرم للقتال والحرب؛ لما له مِن مكانةٍ وحرمةٍ، فهذا عمر -رضي الله عنه- يقول عن الحرم: "لو وجدتُ فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه!" (المصنف لابن أبي شيبة).
وبالرغم مِن القتال الذي دار بسببه؛ إلا أن القتل الذي أصاب إخوته وأصحابه وأصابه هو نفسه، فإنه مكفِّرٌ -بإذن الله- عما اقترف مِن الذنوب، ولذا قال ابن عمر -رضي الله عنهما- مخاطبًا ابن الزبير وهو مصلوب: "أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما قد عملت مِن الذنوب ألا يعذبك الله" (أخرجه الحاكم في المستدرك).
ثم إن بعض الذين قاموا مع ابن الزبير -رضي الله عنهما- همْ مِن الصحابة الأجلاء، فمعاذ الله أنهم قاموا وقاتلوا وقٌتِلوا مِن أجل الدنيا، بل لقد كان مقصدهم -رضي الله عنهم- هو تغيير الواقع بالسيف، لمّا رأوا تحول الخلافة إلى وراثة وملك، ولقد كان ابن الزبير -رضي الله عنهما-يهدف مِن وراء المعارضة أن تعود الأمة إلى حياة الشورى، ويتولى الأمة أفضلها، وكان يخشى مِن تحول الخلافة إلى مُلك.
وكان يرى -رضي الله عنه- أنه باستعماله للسيف وتغييره للمنكر بالقوة يتقرب إلى الله ويضع حدًّا لانتقال الخلافة إلى ملك ووراثة، ولهذا لم يدعو لنفسه حتى توفي يزيد بن معاوية (الطبقات لابن سعد).
فهو وإن أخطأ؛ فإنه مجتهد مأجور بلا أدنى شك.
ومع ذلك فإن التمسك بنصوص الكتاب والسُّنة بلزوم الجماعة، والتي تحذر مِن شق عصا الطاعة، هو أولى مِن الذي أقدم عليه ابن الزبير وأهل المدينة؛ فكم مِن دمٍ أريق وامرأة ترمَّلت وطفلٍ تيتَّم، ومالٍ نُهِب وأضيع، وغير ذلك مِن المفاسد، وبما أن كل طرفٍ يقاتل ويرى أنه على حق؛ فلهذا سمَّى السلف معارضة ابن الزبير فتنة (التاريخ الكبير للبخاري، وتاريخ دمشق لابن عساكر).
وذلك لأنه قتال بيْن المسلمين لا نفع مِن وراءه ولا خير، فالكل يقاتل عن تأويل، ومع ذلك نقول كما قال الذهبي: "فليته -أي ابن الزبير- كفَّ عن القتال لمّا رأى الغلبة، بل ليته ما التجأ إلى البيت. نعوذ بالله مِن الفتنة الصَّـمَّـاء" (سير أعلام النبلاء للذهبي).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 10:34 PM   #39

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (37)

قراءة حول الملك والخلافة










كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه نبذة مختصرة نريد أن نلقي الضوء مِن خلالها على بعض المسائل الخاصة بالملك والخلافة، وذلك بعد عرضنا لبعض أحداث الفتن السياسية التي وقعتْ في عصر الصحابة -رضي الله عنهم-؛ لا سيما فتنة عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، ورفضه بيعة يزيد، ومِن ثَمَّ رفضه لخلافته.

فهناك عدة مسائل نلخصها في عدة نقاط لتخرج القراءة بصورةٍ بنائية متكاملة.

أولًا: شروط يجب توافرها في الإمام أو الخليفة:

ذكر أهل العلم شروطًا معينة يجب توافرها في الخليفة ليصلح لتولي أمر الأمة، ومنها: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعلم، والعدالة، والقرشية، وغير ذلك مِن الشروط، لكننا نريد أن نسلِّط الضوء على شرطي العلم والعدالة؛ فلابد أن يكون الخليفة عدلًا أمينًا، والعدالة هي عبارة عن الالتزام بالفرائض والفضائل، وتجنب الفواحش والرذائل.

وقد ذكر أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن أن في قوله -تعالى- لإبراهيم -عليه السلام-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، إجابة لسؤاله أن يجعل مِن ذريته أئمة، وتعريفًا له بذلك، وبأن الظالمين منهم لا يكونون أئمة.

ثم قال: "فلا يجوز أن يكون الظالم نبيٍّا ولا خليفة لنبي ولا قاضيًا، ولا مَن يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين مِن مفتٍ أو شاهد أو مخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرًا، فقد أفادت الآية أن شرط جميع مَن كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح" (انتهى).

وذكر القاضي البيضاوي أن الجملة تفيد إجابة إبراهيم إلى ملتمسه، وأن الظالمين مِن ذريته لا ينالون الإمامة؛ لأنها أمانة مِن الله وعهد، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة.

والمراد: أن إمامة غير العدل لا تصح؛ فلا يكون إمامًا شرعيٍّا، لا أنها لا تقع، وقد نقل الجصاص وغيره عن ابن عباس -رضي لله عنهما- أنه قال: لا يلزم الوفاء بعهد الظالم، فإن عقد عليك في ظلم فانقضه، هذا بالنسبة لشرط العدالة، علمًا بأن يزيد كانت تلاحقه الإشاعات التي تقدح في عدالته.

وقد كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يقول بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه-: "أما والله، ما كان يبدّل بالقرآن الغناء ولا البكاء مِن خشية الله الحداء -صوت الغناء للإبل-، ولا بالصيام شراب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر -الركض في طلب الصيد- يعرّض بيزيد -فسوف يلقون غيًّا" (أنساب الأشراف للبلاذري)، ثم يدعو إلى الشورى وينال مِن يزيد ويشتمه (أنساب الأشراف للبلاذري)، ويذكر شربه للخمر، ويثبط الناس عنه، وأخذ الناس يجتمعون إليه فيقوم فيهم، فيذكر مساوئ بني أمية (أخبار مكة وما جاء فيها مِن الآثار للأرزقي).

وقد كان بعض الناس في المدينة أيضًا يذكرون هذا الكلام، ولعل هذه الاتهامات التي تقدح في العدالة كانت مِن الأسباب التي جعلت عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يرفض بيعة يزيد بالإضافة إلى السبب الرئيسي، وهو طريقة ترشيح يزيد وتوليه الخلافة.

وأما بالنسبة لشرط العلم، فيعنون به العلم بأمور الدين ومصالح الأمة وسياستها.

ومِن الآثار في ذلك: سيرة عمر -رضي الله عنه- في أمرائه الذين كان يؤمِّرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع فيها؛ فلأجل ذلك أَمَّرَ معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاصم مع وجود مَن هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم: كأبي الدرداء في الشام، وابن مسعود في الكوفة.

جاء في الموسوعة الفقهية في بيان المقصد الأساس للدولة: "هُوَ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: الإْمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلاَفَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَالإْمَامُ هُوَ مَنْ تَصْدُرُ عَنْهُ جَمِيعُ الْوِلاَيَاتِ فِي الدَّوْلَةِ. وَيَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَالْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلاَيَاتِ إِصْلاَحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلاَحُ مَا لاَ يَقُومُ الدِّينُ إِلاَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. وَيَقُول ابْنُ الأْزْرَقِ: إِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ يَعْنِي وُجُوبَ نَصْبِ الإْمَامِ رَاجِعَةٌ إِلَى النِّيَابَةِ عَنِ الشَّارِعِ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ، وَسُمِّيَ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ النِّيَابَةِ خِلاَفَةً وَإِمَامَةً وَذَلِكَ لأِنَّ الدِّينَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي إِيجَادِ الْخَلْقِ لاَ الدُّنْيَا فَقَطْ" (انتهى).

إذن فلا بد مِن وجود العلم للحفاظ على أمري الدين والدنيا؛ لأن جهل الخليفة أو الإمام سيعود بلا شك بالضرر البالغ على العباد والبلاد، وأما مَن كان مستجمعًا لأكثر الشروط ولم يجمعها كلها؛ فيجوز مبايعته، مع الاجتهاد والسعي لاستجماعها كلها.

ومثال ذلك: مَن تغلب وهو جاهل، يفقد شرط العلم مثلًا، وكان صرفه ومنابذته فتنة وفساد؛ حكمنا بانعقاد إمامته حفاظًا على وحدة الكلمة، وكيان الأمة؛ فلقد قُتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وقد كان أميرًا للمؤمنين، ودخلت في طاعته ومبايعته: "الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام -معقل الأمويين-"، ولم يبقَ سوى الأردن في عهد عبد الملك بن مروان، وقد قتله الحجاج؛ فماذا كان موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؟!

عن نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَتَاهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: "يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي"، فَقَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) (الأنفال:39)، فَقَالَ: "قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ" (رواه البخاري).

وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: "لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَصَلَبَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ يُغَايِظُ بِهِ قُرَيْشَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، ثَلاثًا، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولاً لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ" (رواه مسلم).

بل كان -رضي الله عنه- يصلي خلف الحجاج، بل وحج معه، وبايع عبد الملك بن مروان، ولم يخرج على الحاكم أو يأمر بالخروج عليه؛ لأنه كان يكره اللجوء إلى العنف والاقتتال؛ لما في ذلك مِن سفك الدماء، وإضعاف لوحدة الجماعة المسلمة، فلما أجمع الناس على البيعة لعبد الملك بن مروان كتب إليه ابن عمر: "أما بعد, فإني قد بايعت لعبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت, وإن بنيّ قد أقروا بذلك" (الطبقات لابن سعد).

فالعلة ليست في ثبوت الولاية الشرعية مِن عدمها، ولكن العلة هي سفك الدماء، علمًا بأننا لا نثبت الولاية الشرعية في النظام الجمهوري الحديث؛ فانتبه، ولقد قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية على يد أبي العباس السفاح الذي قضى على الدولة الأموية، وقتل عشرات الآلاف مِن المسلمين.

وهنا سؤال: ماذا فعل العلماء في عصره؟!

لقد بايعوه ولم يأمروا بقتاله؛ نظرًا لعدم القدرة على ذلك، وللمفاسد المحتملة، بل وربما المفاسد المحققة.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح العقيدة السفارينية: "(وشرطه): أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين -وعدد شروطًا-... ومنها: (الإسلام): وهذا لابد منه، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبدًا، بل لابد أن يكون مسلمًا؛ فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه مِن الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أنه يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد مِن شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى؛ فليصبروا حتى يفتح الله لهم بابًا؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها... ثم قال: ولابد أن يكون على دراية ومعرفة بالسياسة، ومعرفة بالأحوال حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة، وتقتضيه المصالح".

وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-.
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-2026, 10:27 PM   #40

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (37)

قراءة حول الملك والخلافة










كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه نبذة مختصرة نريد أن نلقي الضوء مِن خلالها على بعض المسائل الخاصة بالملك والخلافة، وذلك بعد عرضنا لبعض أحداث الفتن السياسية التي وقعتْ في عصر الصحابة -رضي الله عنهم-؛ لا سيما فتنة عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، ورفضه بيعة يزيد، ومِن ثَمَّ رفضه لخلافته.

فهناك عدة مسائل نلخصها في عدة نقاط لتخرج القراءة بصورةٍ بنائية متكاملة.

أولًا: شروط يجب توافرها في الإمام أو الخليفة:

ذكر أهل العلم شروطًا معينة يجب توافرها في الخليفة ليصلح لتولي أمر الأمة، ومنها: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعلم، والعدالة، والقرشية، وغير ذلك مِن الشروط، لكننا نريد أن نسلِّط الضوء على شرطي العلم والعدالة؛ فلابد أن يكون الخليفة عدلًا أمينًا، والعدالة هي عبارة عن الالتزام بالفرائض والفضائل، وتجنب الفواحش والرذائل.

وقد ذكر أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن أن في قوله -تعالى- لإبراهيم -عليه السلام-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، إجابة لسؤاله أن يجعل مِن ذريته أئمة، وتعريفًا له بذلك، وبأن الظالمين منهم لا يكونون أئمة.

ثم قال: "فلا يجوز أن يكون الظالم نبيٍّا ولا خليفة لنبي ولا قاضيًا، ولا مَن يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين مِن مفتٍ أو شاهد أو مخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرًا، فقد أفادت الآية أن شرط جميع مَن كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح" (انتهى).

وذكر القاضي البيضاوي أن الجملة تفيد إجابة إبراهيم إلى ملتمسه، وأن الظالمين مِن ذريته لا ينالون الإمامة؛ لأنها أمانة مِن الله وعهد، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة.

والمراد: أن إمامة غير العدل لا تصح؛ فلا يكون إمامًا شرعيٍّا، لا أنها لا تقع، وقد نقل الجصاص وغيره عن ابن عباس -رضي لله عنهما- أنه قال: لا يلزم الوفاء بعهد الظالم، فإن عقد عليك في ظلم فانقضه، هذا بالنسبة لشرط العدالة، علمًا بأن يزيد كانت تلاحقه الإشاعات التي تقدح في عدالته.

وقد كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يقول بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه-: "أما والله، ما كان يبدّل بالقرآن الغناء ولا البكاء مِن خشية الله الحداء -صوت الغناء للإبل-، ولا بالصيام شراب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر -الركض في طلب الصيد- يعرّض بيزيد -فسوف يلقون غيًّا" (أنساب الأشراف للبلاذري)، ثم يدعو إلى الشورى وينال مِن يزيد ويشتمه (أنساب الأشراف للبلاذري)، ويذكر شربه للخمر، ويثبط الناس عنه، وأخذ الناس يجتمعون إليه فيقوم فيهم، فيذكر مساوئ بني أمية (أخبار مكة وما جاء فيها مِن الآثار للأرزقي).

وقد كان بعض الناس في المدينة أيضًا يذكرون هذا الكلام، ولعل هذه الاتهامات التي تقدح في العدالة كانت مِن الأسباب التي جعلت عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يرفض بيعة يزيد بالإضافة إلى السبب الرئيسي، وهو طريقة ترشيح يزيد وتوليه الخلافة.

وأما بالنسبة لشرط العلم، فيعنون به العلم بأمور الدين ومصالح الأمة وسياستها.

ومِن الآثار في ذلك: سيرة عمر -رضي الله عنه- في أمرائه الذين كان يؤمِّرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع فيها؛ فلأجل ذلك أَمَّرَ معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاصم مع وجود مَن هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم: كأبي الدرداء في الشام، وابن مسعود في الكوفة.

جاء في الموسوعة الفقهية في بيان المقصد الأساس للدولة: "هُوَ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: الإْمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلاَفَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَالإْمَامُ هُوَ مَنْ تَصْدُرُ عَنْهُ جَمِيعُ الْوِلاَيَاتِ فِي الدَّوْلَةِ. وَيَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَالْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلاَيَاتِ إِصْلاَحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلاَحُ مَا لاَ يَقُومُ الدِّينُ إِلاَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. وَيَقُول ابْنُ الأْزْرَقِ: إِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ يَعْنِي وُجُوبَ نَصْبِ الإْمَامِ رَاجِعَةٌ إِلَى النِّيَابَةِ عَنِ الشَّارِعِ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ، وَسُمِّيَ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ النِّيَابَةِ خِلاَفَةً وَإِمَامَةً وَذَلِكَ لأِنَّ الدِّينَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي إِيجَادِ الْخَلْقِ لاَ الدُّنْيَا فَقَطْ" (انتهى).

إذن فلا بد مِن وجود العلم للحفاظ على أمري الدين والدنيا؛ لأن جهل الخليفة أو الإمام سيعود بلا شك بالضرر البالغ على العباد والبلاد، وأما مَن كان مستجمعًا لأكثر الشروط ولم يجمعها كلها؛ فيجوز مبايعته، مع الاجتهاد والسعي لاستجماعها كلها.

ومثال ذلك: مَن تغلب وهو جاهل، يفقد شرط العلم مثلًا، وكان صرفه ومنابذته فتنة وفساد؛ حكمنا بانعقاد إمامته حفاظًا على وحدة الكلمة، وكيان الأمة؛ فلقد قُتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وقد كان أميرًا للمؤمنين، ودخلت في طاعته ومبايعته: "الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام -معقل الأمويين-"، ولم يبقَ سوى الأردن في عهد عبد الملك بن مروان، وقد قتله الحجاج؛ فماذا كان موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؟!

عن نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَتَاهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: "يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي"، فَقَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) (الأنفال:39)، فَقَالَ: "قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ" (رواه البخاري).

وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: "لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَصَلَبَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ يُغَايِظُ بِهِ قُرَيْشَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، ثَلاثًا، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولاً لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ" (رواه مسلم).

بل كان -رضي الله عنه- يصلي خلف الحجاج، بل وحج معه، وبايع عبد الملك بن مروان، ولم يخرج على الحاكم أو يأمر بالخروج عليه؛ لأنه كان يكره اللجوء إلى العنف والاقتتال؛ لما في ذلك مِن سفك الدماء، وإضعاف لوحدة الجماعة المسلمة، فلما أجمع الناس على البيعة لعبد الملك بن مروان كتب إليه ابن عمر: "أما بعد, فإني قد بايعت لعبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت, وإن بنيّ قد أقروا بذلك" (الطبقات لابن سعد).

فالعلة ليست في ثبوت الولاية الشرعية مِن عدمها، ولكن العلة هي سفك الدماء، علمًا بأننا لا نثبت الولاية الشرعية في النظام الجمهوري الحديث؛ فانتبه، ولقد قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية على يد أبي العباس السفاح الذي قضى على الدولة الأموية، وقتل عشرات الآلاف مِن المسلمين.

وهنا سؤال: ماذا فعل العلماء في عصره؟!

لقد بايعوه ولم يأمروا بقتاله؛ نظرًا لعدم القدرة على ذلك، وللمفاسد المحتملة، بل وربما المفاسد المحققة.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح العقيدة السفارينية: "(وشرطه): أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين -وعدد شروطًا-... ومنها: (الإسلام): وهذا لابد منه، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبدًا، بل لابد أن يكون مسلمًا؛ فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه مِن الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أنه يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد مِن شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى؛ فليصبروا حتى يفتح الله لهم بابًا؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها... ثم قال: ولابد أن يكون على دراية ومعرفة بالسياسة، ومعرفة بالأحوال حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة، وتقتضيه المصالح".

وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-13-2026, 10:14 PM   #41

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (38)

قراءة حول الملك والخلافة

كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نلقي الضوء على بعض المسائل الخاصة بالملك والخلافة، وذلك بعد عرضنا لبعض أحداث الفتن السياسية التي وقعتْ في عصر الصحابة -رضي الله عنهم-.

ثانيًا: مَن يرشح الخليفة ويوليه وينصبه؟

يرشح الخليفة "أهل الحل والعقد" عن طريق الشورى، وأهل الحل والعقد هم أهل العلم وأولو المكانة، ووجوه الناس وزعماؤهم، وموضع الثقة بالنسبة للناس؛ فالأمة تتبعهم في طاعة مَن يولونه، ولا يلزم اجتماعهم جميعًا، بل ما يتيسر اجتماعهم منهم، وهذا هو المأخوذ مِن عمل الصحابة -رضي لله عنهم- في تولية الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر -رضي الله عنه- عدَّ البدء في بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- فلتة؛ لأنه وقع قبْل أن يتم التشاور بيْن جميع أهل الحل والعقد؛ إذ لم يكن في سقيفة بني ساعدة أحد مِن بني هاشم.

وتضافرت الروايات بأن أبا بكر -رضي لله عنه- أطال التشاور مع كبراء الصحابة في ترشيح عمر -رضي الله عنه-، ولما طُعن عمر -رضي الله عنه- رأى حصر الشورى الواجبة في الستة الزعماء الذين مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ؛ لعلمه بأنه لا يتقدم عليهم أحدٌ، ولا يخالفهم فيما يتفقون عليه أحد.

وإذا تأملنا حال أولئك الستة نرى أنه لم يكن في أهل الإسلام أحد له مِن المنزلة في الدين، والهجرة والسابقة، والعقل والعلم، والمعرفة بالسياسة، ما للستة الذين جعل عمر -رضي الله عنه- الأمر شورى بينهم.

وقد صح أن عمر -رضي الله عنه- أنكر على مَن زعم أن البيعة تنعقد بواحدٍ مِن غير مشاورة الجماعة؛ فلقد قال على منبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "بلغني أن قائلًا منكم يقول: ولله لو مات عمر لبايعت فلانًا، فلا يغترنَّ امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم مَن تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر".

وقد أقرت جماعة الصحابة عمر -رضي الله عنه- على ذلك، فكان إجماعًا؛ فتحرر بهذا: أن الأصل في المبايعة أن تكون بعد استشارة جمهور المسلمين، واختيار أهل الحل والعقد، ولا نعتبر مبايعة غيرهم إلا أن تكون تبعًا لهم، وإمامة عثمان -رضي الله عنه- لم تكن بمبايعة عبد الرحمن بن عوف وحده، بل كانت عامة لا خاصة به، وكان يملك تفويضًا بذلك، وكذلك مبايعة عمر لأبي بكر -رضي الله عنهما-.

ثالثًا: الأمة تابعة لأولي الأمر:

وقد أمر الله بطاعة أولي الأمر، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59).

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ): "يعني أهل الفقه والدين". وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) يعني: العلماء. وقال ابن كيسان: "هُمْ أُولُو الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ أَمْرَ النَّاسِ". وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "هم الأمراء".

وقال ابن كثير -رحمه الله- بعد أن ساق أقوال مِن قال هم العلماء، وأقوال مَن قال هم الأمراء: "والظاهر -والله أعلم- أن الآية في جميع أولي الأمر مِن الأمراء والعلماء".

وإذا تأملنا نجد أن ولي الأمر واحد منهم، وإنما يطاع بتأييد جماعة المسلمين الذين بايعوه وجعلوا ثقتهم به، ويدل على هذا المعنى ما ورد مِن الأحاديث الصحيحة في التزام الجماعة، وقد جاء في الحديث: (مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) (متفق عليه)، فقد أجمع أهل العلم على وجوب طاعة خليفة المسلمين إذا كان عادلًا، وحرمة خلعه والخروج عليه؛ لقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).

وفي الصحيحين -وغيرهما- عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "دَعَانَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ". والكفر البواح هو الظاهر الذي لا يحتمل تأويلًا.

وعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) (رواه مسلم).

وللأمة خلع الإمام وعزله بسببٍ يوجبه، فإذا ثبت كفر الخليفة فقد سقطت بيعته شرعًا، وفى حال بغيه وجوره فإن حكم الخروج عليه وخلعه يدور مع المصلحة وجودًا وعدمًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع".

وقال الدسوقي المالكي: "يحرم الخروج على الإمام الجائر؛ لأنه لا يُعزل السلطان بالظلم والفسق، وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه، وعدم الخروج عليه، إنما هو تقديم أخف المفسدتين؛ إلا أن يقوم إمام عادل فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم".

والخلع يعني تنحية الإمام عن الحكم فتسقط طاعته وتنحل بيعته، ولا تكون له حقوق عند الرعية زائدة عن حقوق المسلم على المسلم.

وأضرب مثالين في هذة المسألة:

أولهما: موقعة "الحرة"؛ فلا شك أن موقعة الحرة مِن الفتن التي حدثت بيْن المسلمين، وقد ظن أهل المدينة أن المصلحة ستتحقق بما فعلوا، وستعود الشورى مرة أخرى، وللأسف فقد ازدات المفسدة؛ فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا!

والمثال الثاني: هو مقتل الملك المعز "عز الدين أيبك"، ثم قُتلت بعده زوجته "شجرة الدر"، ثم تولى الحكم السلطان الطفل "المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك"، ثم تولى "سيف الدين قطز" الوصاية على السلطان الصغير، وإن كان "قطز" يدير الأمور فعليًّا في مصر؛ إلا أن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا يضعف مِن هيبة الحكم في مصر، ويزعزع مِن ثقة الناس بملكهم، ويقوي مِن عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلًا!

وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشكلات الداخلية الطاحنة، وثورات بعض المماليك، وأطماع بعض الأمراء لم يجد "قطز" أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل "نور الدين علي" على كرسي أهم دولة في المنطقة "وهي مصر"، والتي لم يعد هناك أمل في صد التتار إلا فيها؛ فتم مبايعة "قطز" ليتولى الأمر في مصر، وتم عزل السلطان الطفل، وقد تم ذلك في اجتماع حضره كبار أهل الرأي مِن العلماء والقضاة.

وقد أجرى "قطز" بعض التعديلات في المناصب القيادية، وولَّى أصحاب الخبرة والكفاءة والأمانة، وقام ببعض الإصلاحات الداخلية لتستقر الأمور في مصر، ثم كانت الوحدة بيْن مصر والشام.


قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام". يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين.

وتحرك قطز بجيوش المسلمين وانتصر على التتار، وانتهت أسطورة الجيش الذي أرهب العالم، وسيطر على نصف الكرة الأرضية تقريبًا؛ لذا نقول: إن الأمة تابعة لأهل الحل والعقد، وعدم الطاعة يترتب عليها مفاسد كبرى، وقد ظهر ذلك جليًّا في عدم مبايعة معاوية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، وما ترتب على ذلك مِن قتالٍ وفسادٍ وشرٍّ.

وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-.
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2026, 09:54 PM   #42

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (39)

قراءة حول الملك والخلافة

كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نلقي الضوء على بعض المسائل الخاصة بالمُلك والخلافة، وذلك بعد عرضنا لبعض أحداث الفتن السياسية التي وقعتْ في عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، فقد تحدثنا سابقًا عن بعض الشروط التي يجب توافرها في الخليفة، ثم تحدثنا عن أهل الحل والعقد، وأن الأمة تابعة لأولي الأمر، ونطوف الآن حول قضية مِن أهم القضايا في مسألة الملك؛ ألا وهي مسألة توريث الحكم.

رابعًا: مسألة توريث الحكم:

إن مسألة توريث الحكم مِن الأمور التي انتشرت واستمرت في العصور المختلفة، فقد بدأت في عصر معاوية -رضي الله عنه- وترشيحه لابنه يزيد، ثم استمرت في عصر الدولة الأموية، وكذلك في عصر الدولة العباسية، ثم في عصر الدولة العثمانية.

ولا شك أن مسألة التوريث كان لها أثر سلبي على الأمة في كثيرٍ مِن المواطن والأزمنة.

قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه: "الإسلام والمناهج الاشتراكية": "إن الإسلام الذي أقر مبدأ التوارث المالي رفض بشدة مبدأ توارث الزعامات الروحية أو المدنية أو غيرها، فعندما اختار الله إبراهيم -عليه السلام- نبيًّا، طلب منه هذا النبي الكريم أن تنتقل نعمة الاختيار في بنيه فأبى الله عليه ذلك (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124). فتعاليم الإسلام تقطع دابر هذا التوريث ولا ترشح للزعامة إلا الذين يدركونها عن جدارة وكفاية" (انتهى).

لذا امتنع بعض الصحابة -رضي الله عنهم- عن مبايعة يزيد في عصر معاوية -رضي الله عنه-، وكان موقف الحسين -رضي الله عنه- مِن بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارض، وشاركه في المعارضة عبد الله بن الزبير، والسبب في ذلك: حرصهما على مبدأ الشورى، وأن يتولى الأمة أصلحها، كما عبَّر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- عن اعتراضه بقوله: "يا معشر بني أمية اختاروا منها بيْن ثلاثة: بيْن سنة رسول الله، أو سنة أبي بكر أو سنة عمر؛ ألا وإنما أردتم أن تجعلوها قيصرية، كلما مات قيصر كان قيصر!".

وكم عانى المسلمون مِن أمر التوريث في الحكم خلال العصر العباسي، وقد بدأت الفتن بما حدث بيْن الأمين وأخيه المأمون بسبب ولاية العهد، فولاية العهد كانت مِن الكوارث التي حلت بنظام الحكم، وكانت تؤدي في كثيرٍ مِن الأحيان إلى فساد العلاقات ووقوع القتال بيْن أفراد الأسرة الواحدة، وكم قامتْ ثورات مسلحة بيْن أبناء البيت الواحد بسبب ولاية العهد وتوريث الحكم؛ فضلًا عن توريث الحكم أحيانًا لبعض الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بعد!

ويكفي أن نعلم أن الخليفة العباسي المقتدر بالله بويع له بالخلافة عند موت أخيه المكتفي وعمره ثلاث عشرة سنة! وكان عصره مِن أشد العصور وبالًا على المسلمين؛ نظرًا للصراعات العنيفة التي وقعت بيْن النظام الحاكم المتمثل في الخليفة الضعيف والتيارات السياسية المختلفة التي تمثلت في القصر ونسائه، والخدم والحاشية، وبيْن القيادات العسكرية مِن جهة أخرى.

وقد اشتهر عصر المقتدر بالله، بعصر نفوذ النساء، ولكَ أن تتخيل أن فترة حكمه استمرت ربع قرن مِن الزمان، مِن عام 295هـ، وحتى 320هـ، وحدث في عهده للمرة الأولى في التاريخ أن تولت امرأة منصب القضاء، وهي ثمل القهرمانة إحدى نساء القصر، فكانت تقضي في الخصومات والنزاعات ويحضر مجلسها الوزراء والقضاة وكبار رجال الدولة! فكانت تشبه الآن مجلس الدولة والمحاكم الإدارية العليا، وكانت شٌغب أم الخليفة هي المسيطرة على المسرح السياسي في الدولة، إلى غير ذلك مِن التدهور الذي حدث في عصر المقتدر بالله في النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك.

وحدث مثل هذا في عصر الدولة العثمانية؛ فقد تولى السلطان "محمد الرابع" المسؤولية وهو ابن سبع سنين، وهنا رأت أوروبا أن الوقت قد حان للنيل مِن الدولة العثمانية؛ فبعد عصر الفتوحات والانتصارات التي تمثلت في فتح القسطنطينية وبلجراد، والبلقان وبلغاريا، وغاليبول بإيطاليا، والمجر، وفتح جزيرتي قبرص ورودس باليونان، وغير ذلك مِن الفتوحات التي سطرتها صفحات التاريخ المشرقة للدولة العثمانية؛ لك أن تتخيل أن يتولى صبي مقاليد الحكم وهو في السابعة مِن عمره!

وكذا تولى "عثمان الثاني" وهو في الثالثة عشرة مِن عمره، وتولى السلطان أحمد الأول وهو في الرابعة عشرة من عمره، و هذا يعد من أسباب ضعف الدولة وتدهور أحوالها على كافة المستويات والنواحي والمختلفة؛ لذا نقول كان عبد الله بن الزبير وغيره مِن الصحابة -رضي الله عنهم- على حق عندما رفضوا مبدأ التوريث في الحكم، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- "يتعوذ مِن إمارة الصبيان والسفهاء" (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني).

وعلى الشق الآخر: لقد عاشتْ الأمة أزهى عصورها يوم تخلت عن توريث الحكم للأبناء؛ فإذا تأملنا حال سليمان بن عبد الملك -رحمه الله-، نرى أنه مِن أفضل خلفاء بني أمية؛ فلقد حرص والده على تربيته تربية عالية، وتعليمه أصول الحكم، كما كانت أخلاقه مضربًا للأمثال؛ ولذلك كانت بطانته مِن العلماء والحكماء والصالحين، أمثال رجاء بن حيوة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما.

توفي سليمان بن عبد الملك في مرج دابق مرابطًا في سبيل الله في شهر صَفَر سنة 99هـ، وبُويِعَ في اليوم نفسه لابن عمه عمر بن عبد العزيز الذي عهد له مِن بعده.

وكان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك، ويقول: "افتتح خلافته بخير وختمها بخير؛ افتتحها بإجابة الصلاة لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز".


فلقد توج سليمان بن عبد الملك أعماله بما يدل على حرصه على مصلحة المسلمين؛ فاختار عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قبْل موته ليكون وليًّا للعهد ويخلفه مِن بعده، ولم يعهد لأحد ممَن هم أقرب إليه مِن عمر بن عبد العزيز.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
* التربية بالنقاش والحوار
* مفهوم النصر يا بنى
* نصائح تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال
* إستراتيجية الحفظ والتلقين
* خطر الاختلاط في المدارس
* (6) قصص في دبلوماسية المرأة وذكائها

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
متجدد, مِن, التاريخ, ذاكرة, صفحات, _____
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
غزة في ذاكرة التاريخ ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 16 03-17-2026 06:11 PM
معركة كوسوفا – ذاكرة الصليب ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-26-2026 06:55 PM
من ذاكرة فلسطين ام هُمام ملتقى التاريخ الإسلامي 4 12-26-2017 06:49 PM
4 مصحف توفيق النوري برواية ورش كاملة مقسم سور و اجزاء و احزاب و صفحات _____ لاول مرة الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 10-06-2016 05:17 PM
مصطفى بن مالك مصحف رواية ورش كاملا 114 سورة _____ لاول مرة الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 09-21-2016 05:56 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009