![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#505 |
![]() ![]() ![]()
|
وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، والمراد بالفتنة في الآية ضد الخير. فمداولة الأيام وما يحصُل فيها من خيرٍ أو شرٍّ، أو نصرٍ أو هزيمة، فيه أعظم الابتلاء والامتحان للعباد؛ ليتميز المؤمن الصادق من الكافر والمنافق، كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]، وقال تعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 37]. ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾؛ أي: جعل الله تعالى الأيام دولًا بين الناس، وجعل الدولة للكفار عليهم في أُحد؛ ليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم أيها المؤمنون شهداء، أي: يجعل ويختار، ويصطفي منكم شهداءَ؛ أي: أناسًا يستشهدون ويقتلون في سبيله؛ حيث قُتِل في هذه الغزوة سبعون رجلًا منهم، اختارهم الله واصطفاهم للشهادة في سبيله. والشهداء: جمع شهيد، وهو الذي يقتل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، سمي شهيدًا؛ لأن تعريضه نفسه للقتل شهادة فعلية منه على صدق إيمانه، ولأن الملائكة تشهده، وغير ذلك؛ أي: ليعلم الذين آمنوا بصبرهم حالَ الشدة، وشكرهم حال الرخاء، ولكي يختار ويصطفي من المؤمنين شهداءَ. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وقتال المؤمنين، والصد عن دين الله، وقابل قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ بقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، في إشارة إلى فضل الشهادة ومحبة الله للشهداء، وأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار- كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما - [10]، فهو كقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: احتراس من أن يظن ما حصل لهم من الدولة في أحد من محبة الله لهم. وأيضًا: ﴿ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالقعود عن القتال من المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، ولهذا لم يتخذ منهم شهداءَ. و﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ جمع «ظالم»، والظلم النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]، وهو أيضًا: وضع الشيء في غير موضعه على سبيل العدوان. وأظلم الظلم الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. فالظالم مَن اعتدى في حق الله، أو حق عباده، ونقص حق الله، أو حق عباده، فمن أشرك بالله أو عصاه، فقد ظلم واعتدى، ونقص حق الله تعالى، ومن اعتدى على عباد الله تعالى، فقد ظلمهم ونقص حقهم، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، بل يبغضهم بقدر ظلمهم، ومفهوم هذا محبته للمقسطين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42]. قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله داخل ضمن الحكمة في إصابتهم بالقرح، وجعل الأيام دولًا، أي: ولأجل أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾: «التمحيص»: التنقية والتصفية والتخليص؛ أي: يمحص الله الذين آمنوا، أي: ليبتليهم ويُصفيهم بما أصابهم من القرح، وإدالة الكافرين عليهم؛ ليتبين ويتميز المؤمنين الخُلَّص منهم والصفوة، ولينقيهم من ذنوبهم بذلك المصاب؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179]. ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله، و«المحق»: إهلاك الشيء وإذهابه بالكلية، أي: ويهلك الكافرين؛ أي: ومن حكمة الله تعالى في إصابتكم بالقرح ومداولة الأيام، وجعل الدولة لهم عليكم استدراجًا لهم ليَمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا ازدادوا طغيانًا وبغيًا وبطرًا؛ اغترارًا منهم بما حصل لهم من نصر، فيعودون لقتالكم مرة بعد أخرى، فيكون محقُهم ومعاجلتهم بالعقوبة والهلاك في الدنيا الموصول بهلاكهم وعذابهم في الآخرة في النار وبئس القرار. وقد أهلك جميع الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصرُّوا على الكفر، فما أصاب المؤمنين فضيلة وشهادة وتمحيص، وما أصاب الكافرين مَحق وهلاك، وشتان بين الحالين. قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾. ذكر عز وجل أن مِن الحِكَم فيما أصاب المسلمين في أُحد، تمييز المؤمنين وتمحيصهم، واصطفاء شهداء منهم، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية؛ تأكيدًا لما قبلهً، وبيانًا لتحتُّم هذا الابتلاء والتمحيص، فدربُ الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين. قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ﴿ أم ﴾: هي المنقطعة التي بمعنى «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم، والاستفهام للتوبيخ والإنكار والنفي، و﴿ أن ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ«حسب»؛ أي: أحسبتم دخول الجنة، ومعنى «أحسبتم» أي: أظننتم. ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾: الواو: حالية، و«لمَّا»: حرف نفي وجزم، وهي أشدُّ نفيًا من «لم»، وتفيد ترقُّب حصول المنفي، و﴿ يعلم ﴾: مجزوم بها حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والحال أن الله لما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؛ أي: ولم تُبتلوا بالجهاد والشدائد، فتُجاهدوا وتصبروا؛ ويعلم الله ذلك منكم بعد وقوعه، فيجازيكم عليه بدخول الجنة. والمعنى: لا تحسبوا ولا تظنوا ولا يَخطر ببالكم - أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]. وفي الحديث: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات»[11]. قال الشاعر: فدربُ الصاعدين كما علِمتم ![]() به الأشواكُ تَكثُر لا الورود[12] ![]() ![]() ![]() وقال الحسن: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقع في القلب وصدَّقه العمل»[13]، ولهذا يقال: «التمني رأس مال المفاليس». وقال الشاعر: ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكها ![]() إن السفينة لا تجري على اليبس[14] ![]() ![]() ![]() وسلعة الله تعالى غالية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»[15]. قال ابن القيم[16]: يا سلعةَ الرحمن لستِ رخيصةً ![]() بل أنت غاليةٌ على الكَسلان ![]() يا سلعةَ الرحمن ليس ينالها ![]() في الألف إلا واحدٌ لا اثنان ![]() ومعنى ﴿ جَاهَدُوا ﴾: بذلوا جهدهم بأموالهم وأنفسهم في القتال في سبيل الله. ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾؛ أي: الصابرين على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل هذه الأقسام الثلاثة تجتمع في القتال في سبيل الله، ففيه الصبر وحبس النفس على طاعة الله؛ لأن القتال أمرٌ شاقٌّ على النفوس؛ كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، وفيه الصبر عن معصية الله بعدم الفرار وترك القتال، وفيه الصبر على أقدار الله المؤلمة من القتل والجراح والمشقة، ونحو ذلك، وقد كان من أسباب ما أصاب المسلمين في أُحد عدم صبر الرماة؛ فحصل على المسلمين ما حصل. قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: واقعة في جواب القسم، أي: والله لقد كنتم، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، واللام، و«قد». ﴿ تَمَنَّوْنَ ﴾ أصلها تتمنون، والتمني: طلب ما يَصعُب ويتعسَّر حصوله، أو يستحيل، كما في قول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يومًا= فأخبره بما فعل المشيب[17] = وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: إشارة إلى أن ما حصل منهم لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الخروج إلى أُحد، أو البقاء في المدينة والتحصن فيها، أشار عليه الشباب - وبخاصة مَن لم يشهدوا بدرًا - بالخروج، وكانوا يتمنون أن يموتوا ويستشهدوا، كما استشهد بعض إخوانهم في بدر، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: كنتم تمنون الموت بالقتل والاستشهاد مع مَن استُشهد في بدر، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾؛ أي: من قبل هذا اليوم. وها أنتم اليوم في أُحد لقيتموه وجعل لكم ما تمنون، ولهذا قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ رَأَيْتُمُوهُ ﴾: أبصرتُموه وشاهدتُموه بأعينكم فيما بينكم، والضمير يعود إلى الموت؛ أي: رآه مَن استشهد منكم في «أُحد» بنفسه، ورآه مَن لم يستشهد بغيره، وقيل: رأيتم أسبابه في صفوف المقاتلين ولمعان السيوف، وحدِّ الأسنة، واشتباك الرماح. ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الجملة حالية؛ أي: والحال أنكم تنظرون عيانًا بيانًا على أشد ما تكونون إحساسًا، فأين بلاؤكم وصبركم، وكيف جَبنتم وتخاذَلتُم وانهزمتُهم؟! [1] البيت لخالد بن زهير الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي؛ انظر: «ديوان الهذليين» (1/ 155). [2] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80). [3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 84)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 771). [4] انظر: «ديوانها» (ص84). [5] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2804)، ومسلم في الجهاد والسير (1393)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه. [6] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 510). [7] البيت لنمر بن تولب؛ انظر: «ديوانه» (ص347). [8] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43). [9] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2999)، من حديث صهيب رضي الله عنه. [10] سبق تخريجه قريبًا. [11] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559)، من حديث أنس رضي الله عنه. [12] البيت لوليد الأعظمي - شاعر عراقي - في ديوانه «الزوابع»؛ انظر: «الأعمال الشعرية الكاملة» (ص85). [13] أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 163)، وفي «الإيمان» ص(92)، وأحمد في الزهد ص(263)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 65). [14] البيت لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص194). [15] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق (2450)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: «حديث حسن غريب». [16] «النونية» (ص354). [17] البيت لأبي العتاهية. انظر: «ديوانه» (ص32). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#506 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾[آل عمران: 137 - 143]. 1- تذكير الله تعالى هذه الأمة بسنن الله تعالى الخالية في الأمم الماضية؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾. 2- الحث على السير في الأرض والنظر فيها والاعتبار بالأمم السابقة وديارهم، وما آلت إليه أحوالهم، وعاقبة المكذبين منهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾؛ أي: سيروا في الأرض وانظروا فيها مُعتبرين متعظين، لا متفرجين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يُصيبكم مثل ما أصابهم»[1]. 3- أن للمسير في الأرض ومشاهدة آثار الغابرين أثرًا في الاعتبار أقوى من أثر السماع. 4- أن ما حصل للمؤمنين من الابتلاء في أُحد بسبب المخالفة، هو من سنن الله تعالى مع أتباع الأنبياء؛ مما يوجب الحذر من مخالفة أمر الله ورسوله. 5- سوء عاقبة المكذبين لله تعالى ورسله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ مما يوجب الحذر من مسالكهم. 6- أن القرآن الكريم بيان لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ﴾ بحذف المتعلق؛ أي: بيان لكل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]. 7- أن القرآن الكريم بيان وإرشاد وهدى لجميع الناس المؤمن والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ للناس ﴾. 8- أن القرن الكريم هدى وموعظة للمتقين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. 9- أن كثيرًا من الناس لا ينتفع بالقرآن، ولهذا خصَّ الله تعالى من بين الناس المتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فيهتدون به ويتعظون. 10- فضيلة التقوى، وأن مَن لم يهتد بالقرآن ولم يتَّعظ به فليس من المتقين. 11- نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن الوهن والضعف فيما يستقبلهم من الأحداث والنوائب، وعن الحزن على ما فاتهم فيما مضى، وما وقع لهم من المصائب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾. 12- وضوح الحكمة التشريعية في النهي عن الوهن وعن الحزن؛ لأن الوهن ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وبخاصة المؤمن من الحزم والعزم في جميع أموره، كما أن الحزن على ما مضى لا يرد فائتًا، بل قد يكون سببًا لفتور العزيمة وضعف الإرادة. 13- تقوية عزائم المؤمنين، وتثبيت قلوبهم، وتشجيعهم للمضي قدمًا والتغلب على ما يلاقيهم من الصعاب والنوائب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾، وكما قيل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ![]() وتأتي على قدر الكرام المكارم2] ![]() ![]() ![]() 14- أن المؤمنين هم الأعلون في كل حال؛ في حال النصر وعدمه، لأنهم يحيون ويقاتلون لهدف نبيل، وهو إعلاء كلمة الله تعالى ونُصرة دينه، فهم الأعلون في كل حال، والعقبى لهم في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾. وكما قيل: علو في الحياة وفي الممات ![]() .........................[3] ![]() ![]() ![]() 15- أن من شرط الإيمان ألا يُهين المؤمن ولا يضعف أمام الأعداء، وما يلاقيه من الصعاب؛ لأنه قوي بالله تعالى والله معه، ومُعينه وناصرُه، وألا يحزن على ما مضى وفات، فلن يُفيده ذلك، ومن الله تعالى عوضٌ عن كل فائت، وما كان في الله تلفه كان على الله خلفه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. 16- ينبغي أن يكون المؤمن قويًّا بالله تعالى في أي حال؛ من شدة أو رخاء، أو غنى أو فقرٍ، أو صحة أو مرضٍ، أو نصرٍ أو عدمه؛ لأن العزة لله تعالى ولرسوله والمؤمنين، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141]. 17- أن الوهن والضعف تجاه العدو والنوائب، والحزن على ما مضى، نقص وضعف في الإيمان، وليس من صفات المؤمنين، وإذا كان الله - عز وجل - قد نهى المؤمنين عن الوهن والضعف أمام الأعداء وفي طلبهم وقتالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾ [النساء: 104] - فإن مما يَحز في النفس، ويُحزن القلب، وَيندى له الجبين، أن تجد الوهن والضعف قد دبَّ، بل واستشرى بين كثير من المسلمين أمام أنفسهم، فضعفوا عن القيام بكثير من حقوق الله تعالى، وحقوق الأمة، حتى أصابهم الوهن والضعف في أعظم حقوق الله تعالى بعد الشهادتين، وهي الصلاة، التي هي عمود الإسلام وقاعدته التي تدور عليها رَحاه، فمنهم من تركها بالكلية، ومنهم من يصليها حينًا ويتركها أحيانًا، ومنهم من لا يُقيمها كما شرعها الله، ولا يصليها مع جماعة المسلمين في المساجد، كما أصابهم الوهن والضعف في القيام بحقوق الأمة ومصالحها، وتحمُّل مسؤولياتها؛ كالأذان والإمامة في المساجد، والتدريس والتعليم في شتى المراحل، والأعمال الوظيفية على اختلافها وتنوعها، وغير ذلك من مسؤوليات الأمة، بسبب ضعف الاحتساب وعدم استحضار النية، وعدم الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى في الحفاظ على مصالح الأمة ومكانتها. وضعفت بسبب ذلك العزائم وتحطَّمت المعنويات، وتقاعست الهمم، فالقائمون على المساجد من المؤذنين والأئمة، لسان حال فريق منهم ومقالهم يقول: ربطني المسجد وقيَّد حريَّتي، ولسان حال كثير من المدرسين ومقالهم يقول: النصاب كثير، ولسان حال كثير من الموظفين ومقالهم يقول: الدوام طويل، وهكذا وكما قيل: كل من لقيت يشكو دهره ![]() ليت شعري هذه الدنيا لمن[4] ![]() ![]() ![]() وكل هذا وذاك مما جعل الأمة في مؤخرة الركب، تتقدم الأمم وتنتظم فيها الحياة كما تنتظم دقات عقارب الساعة، بينما يراوح المسلمون مكانهم ويعيشون حياة التخلف والفوضى والجهل والفقر والمرض، ولن يعود للأمة عزُّها ومجدها وكرامتها، ولن تنهض من كبوتها وتتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم إلا بالعودة حقًّا إلى دينها، وتحمل المسلمين جميعًا؛ دولًا ومؤسسات وأفرادًا مسؤولياتهم، وقيام كل منهم بواجبه المنوط به في عمله، وبهذا تنتظم حياة الأمة دينًا ودنيا، وتأخذ مكانها بين الأمم، وما ذلك على الله بعزيز. 18- تسلية المؤمنين وتعزيتهم والتخفيف عليهم بأن ما أصابهم مِن قرحٍ يوم أُحد، فقد أصاب القوم قرح مثله في بدر، والأيام دول، فيوم لهم ويوم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]. 19- أن مما يهون المصيبة على المصاب تذكيره بأن ما أصابه قد أصاب غيره مثله أو أشد، وأن المصائب جمَّة، وليست حكرًا على أحد، وأعظم مصيبة المصيبة في الدين، وأعظم مصيبة أُصيبت بها الخليقة فقدُ محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال حسان رضي الله عنه[5]: وما فقَد الماضون مثل محمد ![]() ولا مثله حتى القيامة يفقد ![]() ![]() ![]() 20- أن الأيام دول بين الناس، تكون فيها الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ولهؤلاء على هؤلاء، وتتقلب فيها الأحوال بالنسبة للأفراد والجماعات والدول، فمن عزٍّ إلى ذلٍّ، ومن ذل إلى عزٍّ، ومِن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، إلى غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]. 21- تمام ربوبية الله تعالى وسلطانه في خلقه؛ خلقًا وملكًا وتدبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾. 22- أن ما حصل على المؤمنين في أُحد من قرح بقتل سبعين رجلًا منهم، وجعل الدولة لعدوِّهم عليهم؛ لحِكمٍ وأسرار عظيمة، منها: أن يظهر في علم الله الذين آمنوا، ويتخذ منهم شهداءَ، ويُمحِّصهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾، وقوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُو ﴾ [آل عمران: 141]. 23- أن في الابتلاء بالمصائب ونحوها تميزَ المؤمنين وتمحيص الصفوة منهم وتنقيتهم من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾. 24- أن الله - عز وجل - لا يحاسب العباد على ما في علمه الأزلي عنهم، وإنما يحاسبهم على ما وجد وظهَر منهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾. 25- فضيلة الشهادة ومكانة الشهداء عند الله؛ لأن الله يتخذهم ويصطفيهم لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169]. 26- فضل شهداء أُحد - رضي الله عنهم - لأن الله اتَّخذهم شهداءَ، وشَهِدَ لهم بالشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾. 27- نفي محبة الله للظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾. 28- إثبات المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه يحب العادلين؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾. 29- التحذير من الظلم؛ سواء كان في حق الله تعالى، أو في حق الخلق، في دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم؛ لأن الله تعالى لا يحب الظالمين، بل يبغضهم وينتقم منهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 30- أن من حكمة الله تعالى في إدالة الكافرين على المؤمنين كما حصل في أُحد، وفي جعل الأيام دولًا بين أهل الحق وأهل الباطل؛ ليغتر أهل الباطل ويستمروا في عنادهم واستكبارهم، فيَمحقهم الله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾. 31- أن نهاية أهل الكفر المحق والهلاك والدمار، والخُسران والبَوار. 32- الإنكار على مَن يَطمَع في دخول الجنة بلا جهادٍ ولا صبر، ولا ابتلاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾، والمعنى: لا تحسبوا ذلك فإن حسبتم دخول الجنة بغير جهاد، فأنتم جاهلون، كما أنكم إن لم تحسبوا ذلك، ولم تقوموا بالجهاد، وتصبروا عليه، فأنتم مفرطون. 33- أن سلعة الله الجنة غالية الثمن لا تُنال بالتمني، وإنما تنال بالجهاد والصبر والعمل. 34- أن الجهاد والصبر من أسباب دخول الجنة؛ الجهاد بالنفس والمال والعلم والعمل، والصبر بأنواعه الثلاثة؛ الصبر على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. 35- إقامة الحجة على مَن كانوا يتمنون الموت من قبل أن يَلقوه، بجعْلهم يرونه وهم ينظرون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. 36- لا ينبغي أن يتمنَّى الإنسان المكروه وما قد يَعجِز عنه، وإنما يسأل الله تعالى العافية، فإذا ابتُلي فعليه الصبر؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»[6]. وليس في الآية دليلُ كراهية تمني الشهادة، بل فيها دليل على عدم كراهية ذلك؛ لأن الله تعالى أقرَّهم على أمنيتهم ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها. وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، وَدِدت أن أُقاتل في سبيل الله فأُقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل»[7]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك»[8]. وقد أجاب الله دعاءه فقُتل وهو يصلي بالمسلمين بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عبدالله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ![]() وضربة ذات فرع تقذف الزبدا ![]() حتى يقولوا إذا مرُّوا على جدثي ![]() أرشدك الله من غاز وقد رشدا[9] ![]() 37- ينبغي ألا يعتمد الإنسان على نفسه وقوته وجهده، بل يجب أن يعتمد على ربه - عز وجل - ويسأله العون والتوفيق، مع فعل السبب، ويخاف من شؤم نفسه وذنوبه، وكما قال علي رضي الله عنه[10]: إذا لم يكن عون من الله للفتى ![]() فأول ما يجني عليه اجتهاده ![]() ![]() ![]() [1] أخرجه البخاري في التفسير، قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الحجر: 80]، (4702)، ومسلم في الزهد والرقائق، «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين» (2980)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [2] البيت للمتنبي؛ انظر: «ديوانه» (2/ 272). [3] من شطر بيت لابن الأنباري؛ انظر: «ديوان المعاني» (2/ 179). [4] البيت للمعري؛ انظر: «روض الأخبار» (ص141). [5] انظر: «ديوانه» (ص63). [6] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- لا تتمنوا لقاء العدو (2966)، ومسلم في الجهاد والسير- كراهة تمني لقاء العدو (1742)، وأبو داود في الجهاد (2631)، من حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه. [7] أخرجه البخاري في التمني (7227)، ومسلم في الإمارة (1876)، والنسائي في الجهاد (3152)، وابن ماجه في الجهاد (2753)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [8] أخرجه البخاري في الحج (1890)، من حديث سالم عن أبيه عن عمر رضي الله عنهما. [9] انظر: «حلية الأولياء» (1/ 191). [10] انظر: «ديوانه» (ص37)، «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (1/ 177)، «محاضرات الأدباء» (1/ 532). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#507 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148]. قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. قال ابن كثير[1]: «لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، وجوَّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء - عليهم السلام - فحصل وهن وضعف وتأخُّرٌ عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه». وعن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾[2]. ورُوي أن أناسًا من أهل النفاق قالوا: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: «إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه»[3]. وفي رواية أنه قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنَع هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أُحد، فمضى فقُتِل»[4]. قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و﴿ مُحَمَّدٌ ﴾: هو نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة حصر؛ أي: ما هو إلا رسول من عند الله، مهمته تبليغ رسالة ربِّه، وليس بدعًا من الرسل، بل هو من جنس الرسل قبله؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9]. ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: صفة لـ﴿ رَسُولٌ ﴾، وهي محط القصر؛ أي: ما هو إلا رسول موصوف بخلوِّ الرسل قبله، أي: مُضيهم، وانقراضهم قبله، وسيخلو ويمضي مثلهم، و﴿ قد ﴾: للتحقيق ﴿ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: مضت؛ كقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]؛ أي: قد مضت وسبقت من قبله الرسل، فمنهم من مات ومنهم من قُتل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]. و«أل» في ﴿ الرُّسُلُ ﴾ للعموم؛ أي: قد خلت من قبله جميع الرسل، فهو خاتمهم، وفي هذا توطئة لقوله بعده: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} الآية، والهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ والإنكار والنهي، والفاء للتعقيب. و«إن»: شرطية، و﴿ مَاتَ ﴾: فعل الشرط, ﴿ انْقَلَبْتُمْ ﴾: جواب الشرط، والخطاب لمن شهدوا بدرًا وغيرهم من المؤمنين. ﴿ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾: «أعقاب» جمع «عقب»، وهو: «العرقوب» مؤخر القدم. وفي الحديث: «ويل للأعقاب من النار»[5]؛ أي: مؤخرة الأقدام. والانقلاب على العقب: الرجوع على الوراء، ورجوع القهقرى، والسير على غير هُدى، وأصل الانقلاب التحوُّل من حالٍ إلى حال. والمعنى: أفإن مات أو قُتل كغيره من الرسل، ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: رجعتم وارتددتُم عن دينكم؛ أي: أتنقلبون على أعقابكم وترجعون عن دينكم، وتتركون الجهاد إن مات أو قُتل رسولكم، والمراد: اثبُتوا على دينكم، ولا ترتدُّوا عنه، وإن مات رسولكم أو قُتل، كما ثبتت الأمم قبلكم على أديانهم، ولم يرجعوا ويرتدوا بعد أنبيائهم. وكنى بالرجوع والارتداد عن الدين بالانقلاب والرجوع على الأعقاب تقبيحًا له وذمًّا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22]. ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: انتقل الكلام من صيغة الخطاب إلى صيغة العموم والغيبة، فلم يقل: «وإن انقلبتم على أعقابكم، فلن يضر الله شيئًا»؛ ليكون الحكم عامًّا لكل مَن رجع وارتدَّ عن دينه منهم ومن غيرهم، كما أن فيه عدمَ مواجهتهم بالخطاب بهذا بعد أن وبَّخهم وحذَّرهم من ذلك، إضافةً إلى ما في تنويع التعبير من لفت الانتباه، والواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَنْقَلِبْ ﴾: فعل الشرط. ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: جواب الشرط، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«لن» و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: فمن يرجع على عقبيه ويرتد عن دينه، فلن يضر الله أيَّ شيء، وإنما يضرُّ نفسه؛ لأن الله تعالى لا تضره طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»[6]. ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: أنكر عز وجل ووبَّخ مَن انقلب على عقبيه، ثم أثنى وامتدح الشاكرين ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا أمره، ولم يرتدوا عن دينه، والسين في قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي ﴾ للتنفيس، وهي تحوُّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال معًا إلى كونه خالصًا للاستقبال. والجزاء: الثواب والمكافأة على العمل، و﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾: جمع «شاكر»، وهم الذين شكروا الله تعالى على نعمه، واستعانوا بها على طاعته والثبات على العبودية له، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليهم - الذين ثبتوا على دينه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وارتداد مَن ارتد من العرب. فهم سادات الشاكرين وفي مقدمتهم أميرهم أبو بكر - رضي الله عنه - كما قال علي رضي الله عنه: «﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: الثابتين على دينهم، منهم أبو بكر وأصحابه، فكان علي - رضي الله عنه - يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين، وأمير أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله»[7]. قال ابن القيم[8]: «فظهَر أثرُ هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد مَن ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم». و«الشكر» يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، كما قال الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ![]() يدي ولساني والضمير المحجبا[9] ![]() ![]() ![]() وشكر الله تعالى بالقلب بالاعتراف باطنًا بنعم الله تعالى، واستشعار أنها من الله تعالى وبفضله، لا بحول الإنسان وقوته. والشكر باللسان يكون بالثناء على الله تعالى بلسان المقال بحمده تعالى على نعمه؛ من نعمة الإسلام والإيمان والخلق، والرزق وغير ذلك، والاعتراف بها، ونسبتها إلى الله تعالى، والتحدث بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]. وشكر الله تعالى بالجوارح يكون باستعمالها في طاعته، والثبات على دينه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويكون بظهور أثر نعمة الله تعالى على العبد في مأكله ومشربه وملبسه، ومسكنه ومَركبه، ونحو ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»[10]. ولم يذكر أو يحدد جزاءهم، ليُدلل على عظمته وكثرته؛ لأنه على قدر من جازاهم به وهو العظيم سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، وأيضًا فإن جزاءهم متفاوت ومختلف؛ لأنه على قدر شكرهم، والمعنى: وسيجزي الشاكرين بمغفرة ذنوبهم، ورِفعة درجاتهم، وبالثواب العظيم والفضل الواسع والجزاء الحسن؛ كما قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160]. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»[11]. قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾. بيَّن في الآية السابقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيمضي كما مضى غيره من الرسل، إما بموت أو قتل، وحذَّر من الرجوع عن دينه بعد ذَهابه، ثم بيَّن في هذه الآية أنه ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله تعالى في أجلها المكتوب المحدد، وفي هذا تسليةٌ للأمة بموته، وأنه لا عذر في الرجوع عن دينه، كما أن فيه حضًّا على الجهاد، ولومًا على تركه خشية القتل. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، تدل على نفي هذا الشيء وامتناعه قدرًا وكونًا. ﴿ لِنَفْسٍ ﴾: «نفس»: نكرة في سياق النفي، فتعم كلَّ نفسٍ من أنفس الآدميين وغيرهم من جن وحيوان. و«أن» والفعل بعدها في قوله: ﴿ أَنْ تَمُوتَ ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان، و«إلا» في قوله: ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: أداة حصر. و«إذن الله» ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وهو المراد هنا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾. وإذن شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39]، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21]. والفرق بينهما: أن ما أذن الله به كونًا لابد من وقوعه، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، وما أذن الله به شرعًا فلا يلزم وقوعه، ولابد أن يكون محبوبًا لله تعالى. فمعنى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾؛ أي: إلا بقضائه وقدره؛ أي: لا يمكن أن تموت نفس أيُّ نفس إلا بإذن الله تعالى وقضائه وقدره الكوني، فمهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا، فلن يستطيعوا ما لم يأذن الله تعالى بذلك قدرًا وكونًا. وهذه العقيدة الراسخة هي سرُّ بطولات وتضحيات المجاهدين في الإسلام؛ كما قال سيف الله المسلول، خالد بن الوليد رضي الله عنه: «لقد خُضت أكثر من مائة معركة، وما في جسدي شبرًا إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، أو رَمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء[12]. وكما قال الشاعر: سأَعيش رغم الداء والأعداء ![]() كالنسر فوق القمة الشمَّاء ![]() النور في جنبي وبين جوانحي ![]() فعلامَ أخشى السيرَ في الظَّلماء[13] ![]() و«الموت»: خروج الروح من البدن ومفارقتها له، وفي الحديث: «يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبِب ما شئت فإنك مفارقه»[14]. ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، ﴿ كِتَابًا ﴾: مصدر مؤكد للجملة التي قبله؛ أي: أن الموت مكتوب ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38]. ومعنى ﴿ كِتَابًا ﴾؛ أي: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ الذي فيه مقاديرُ كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر: 11]. ومكتوب عند نفخ الروح في الإنسان في بطن أمه؛ كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -: إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيَكتب رزقه وأجلَه، ثُمَّ يُكْتَبُ شقيٌّ أو سعيد»[15]. ومكتوب أيضًا فيما يُقدَّر ويُقضى كلَّ سنة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4]. ولا يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليَصل رحمه»[16]. فإن معنى الحديث أن صلة الرحم سببٌ لسَعة الرزق وطول العمر- في المقدر والمكتوب في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، بمعنى أن الله قدَّر وكتب سَعة رزق هذا وطول عمره بسبب صلته لرحمه - وكل ذلك مكتوب عند الله تعالى، كما أن صلة الرحم سببٌ للبركة في الرزق والعمر، والذكر الحسن بعد الموت. ...................... ![]() والذكر للإنسان عمر ثان[17] ![]() ![]() ![]() ﴿ مؤجلًا ﴾؛ أي: محددًا بأجل، أي: بوقت معلوم لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر. فكتب لكل نفس متى تموت وكيف تموت كتابًا مؤجلًا محددًا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون: 11]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح: 4]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ [الحجر: 24]. ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾: الواو: عاطفة، و«من»: شرطية، ﴿ يُرد ﴾: فعل الشرط، ﴿ نُؤته ﴾: جواب الشرط، مجزوم وعلامة جزمه حذف الياء؛ أي: ومن يقصد بعمله جزاء الدنيا دون الآخرة، وفي هذا تعريضٌ بمن يحضر القتال لأجل الغنيمة. ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: نُعطه جزاء عمله في الدنيا، من الدنيا حسب ما قدر له، وليس له في الآخرة من نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 18]. ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: ومَن يقصد بعمله جزاء الآخرة، ويعمل لها، نُعطه منها مع ما قُسِم له في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19]. وفرق ما بين الإرادتين والمرادَين، وشتان ما بين العطاءين. شتان بين الحالتين فإن تُرد ![]() جمعًا فما الضدانِ يجتمعان[18] ![]() ![]() ![]() فعطاء الدنيا، بل الدنيا بما فيها متاع قليل، متاع غرور، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وعطاء الآخرة أعظم وأجزل وأدومُ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]، وقال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 20، 21]. ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: وسنجزي ونثيب، ونكافئ الشاكرين على شكرهم بالاعتراف بنعم الله تعالى بقلوبهم، والثناء عليه بها بألسنتهم، وظهور أثرها عليهم، والاستعانة بها بجوارحهم على طاعة الله تعالى بالمغفرة والجزاء العظيم، والثواب الجزيل والفضل الواسع، وهم الذين أرادوا ثواب الآخرة دون من أراد الدنيا وحدها؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22]. قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾. في هذه الآية تشجيعٌ، وحفزٌ لهِمَم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت لهم - وهم خير الأصحاب - بذكر ما جرى لكثير من الأنبياء وأتباعهم من قتال وقتلٍ، وما كان عليه أتباع الأنبياء قبلهم من القوة، وتحمُّل ما يصيبهم في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وقوة الصبر، وفيها تسليةٌ للمسلمين عما أصابهم يوم أُحد، وعما وقع في نفوسهم بسبب الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، وتوبيخ لمن جزَعوا وضعُفوا بسبب ما أصابهم. قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة «وكآئن»، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مشددة: ﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾، وهي كلمة مبنية على السكون على القراءتين في محل رفع مبتدأ، تفيد التكثير مثل «كم» الخبرية. ﴿ مِنْ نَبِيٍّ ﴾: جار ومجرور مميز «كأين»؛ لأنها لفظة مبهمة، والمعنى: وكم من نبي، أي: وكثير من النبيين. ﴿ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب بضم الكاف وكسر التاء من غير ألف: «قُتِل» بصيغة المبني للمجهول، وقرأ الباقون بفتح الكاف والتاء وألف بينهما ﴿ قاتَل ﴾ بصيغة المفاعلة من القتل، وهي المدافعة بالقتل بين فريقين. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#508 |
![]() ![]() ![]()
|
والفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة (قُتل)، ضمير مستتر يعود إلى (نبي)، والتقدير: وكأين من نبي قاتل هو، أو كأين من نبي قُتل هو. وتكون جملة ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ جملة تامة مستقلة، والوقف على ﴿ قاتَل ﴾، وعلى (قُتل) في القراءة الأخرى. وعلى هذا تكون جملة ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: مستأنفة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه معه ربيُّون كثير، و(مع): ظرف مكان متعلق بـ«قاتل» أو «قُتل»، والهاء مضاف إليه، وهو في محل رفع خبر مقدم، و﴿ ربيُّون ﴾: مبتدأ مؤخر. ويكون المعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتَل، أو قُتِل حال كونه معه ربيُّون كثير، فالقتال واقع من النبيين، والقتل واقع عليهم، وفي الحالين معهم ربيون كثير من أصحابهم مقاتلون. ويجوز أن يكون الفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة «قُتل»: (ربيون): والوقف على قوله (كثير)، والمعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتل ربيون كثيرون معه، أو قُتل ربيون كثيرون معه من أتباعه، وعلى هذا فالقتال واقع من الربيين والقتل واقع عليهم. وعلى تقدير أخصر يجوز أن يكون الفاعل على قراءة «قاتل» ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم و(ربيون)؛ أي: وكأين من نبي قاتل وقاتَل معه ربيون كثير. وعلى قراءة (قُتل) يجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، و(ربيون) أي: وكأين من نبي قُتل وقُتل معه ربيون كثير، ويكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ كثير ﴾، والقراءتان بمثابة آيتين، فالقتال واقع من الجميع الأنبياء والربيين، والقتل واقع عليهم جميعًا. ﴿ ربيُّون ﴾: جمع «ربي؛ مثل: «الربانيين»: جمع «رباني»، وكلاهما منسوب إلى «الرب»، لكن ﴿ ربيُّون ﴾ كسرت راؤه عند النسب، وهم المتبعون شريعة الرب، أو منسوب إلى «الرِّبة» بكسر الراء، وهي الطائفة والجماعة، فـ«ربيون»، أي: طوائف وجموع كثيرة من الأتباع الذين تربَّوا على الإيمان وطاعة الله تعالى وعبادته، رباهم الله تعالى واختارهم لربوبيته الخاصة. ﴿ كثير ﴾: صفة لـ﴿ ربيُّون ﴾ أي: ربيون كثيرون. ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «وهَنوا»، وما بعده يعود إلى الربيين» على القراءتين (قاتَل)، و«قُتل». ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾؛ أي: فما عجزوا، أو جبنوا وما خارت عزائمهم. ﴿ لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾: اللام: تعليلية، و«ما»: موصولة؛ أي: بسبب الذي أصابهم ﴿ في سبيل الله ﴾؛ أي: في طريقه ونصرة دينه؛ أي: في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»[19]. والمعنى: فما وهَنوا بسبب الذي أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، بل زادهم ذلك شجاعةً وعزيمة وإقدامًا، لقوة إيمانهم ويقينهم أن ما يُصيبهم في سبيل الله مغنم، وليس بمغرم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، ولما دميت إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال: هل أنت إلا إصبع دميت ![]() وفي سبيل الله ما لقيت»[20] ![]() ![]() ![]() وقال عمير بن حمام رضي الله عنه: «بخ بخ، لئن بقيت إلى أن آكلَ هذه التمرات، إنها لحياة طويلة»[21]. ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾؛ أي: في مقاومة العدو، بل كانوا أقوياءَ بقلوبهم وأبدانهم. ﴿ وما استكانوا ﴾: «الاستكانة»: الذل والخضوع ضد العز؛ أي: وما ذلُّوا وما ضَعُفوا لعدوِّهم، مع أنه قُتل كثيرٌ منهم، أو قُتل أنبياؤهم، بل كانوا أعزاءَ شامخي الرؤوس؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، وأن قتلاهم في الجنة وقتلى عدوهم في النار. ويدخل في الوصف بقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ من قُتل منهم ومن لم يُقتل؛ أي: فما وهن مَن بقي منهم؛ لما أصابهم من قتل أصحابهم وغير ذلك، وما ضعفوا وما استكانوا. وما وهَن مَن قُتل منهم عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مُدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزَّةً كرامًا مقبلين غير مدبرين. ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ بعد أن نفى عنهم الوهن في سبيل الله والضعف والاستكانة، ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ في إشارة واضحة إلى وصفهم بالصبر؛ أي: والله يحب الصابرين على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل ذلك متحقق بمن قاتل في سبيل الله من غير وهن ولا ضعف ولا استكانة. قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾. نفى عز وجل في الآية السابقة عن هؤلاء الربيين الصفات السلبية في قتالهم مع أنبيائهم، وهي: الوهن والضعف والاستكانة؛ مما يدل على حسن فعلهم وثبات قلوبهم ورباطة جأشهم، وعظيم صبرهم، ثم أتبع ذلك بما يدل على حُسن قولهم بدعائهم ربهم بالمغفرة والتثبيت والنصر، وعظيم رجائهم بنصر الله تعالى، فجمعوا بين فعل السبب قولًا وفعلًا، وبين الاعتماد على الله عز وجل. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و﴿ كان ﴾: فعل ماض ناقص، و﴿ قَوْلَهُمْ ﴾ خبرها مقدم، قُدِّم؛ لأنه خبر عن مبتدأ محصور. ﴿ إلا ﴾: أداة حصر، ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾: «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر، أي: وما كان قولهم إلا هذا القول ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية؛ أي: وما كان قولهم في قتالهم، وتجاه ما أصابهم في سبيل الله مِن قتل كثيرٍ منهم، أو قتل أنبيائهم، إلا هذا القول؛ أي: طلب مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين. ﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي: يا ربنا، حُذفت منه «يا» تخفيفًا، وتبركًا بالبداءة باسمه - عز وجل - ونادوه وتوسَّلوا إليه باسم أو وصف الربوبية الذي معناه: الخلق والملك والتدبير، فكأنهم يقولون: يا من له التصرف وإجابة الدعاء: ﴿ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ أي: استر ذنوبنا وتجاوز عنها. ﴿ وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾؛ أي: واغفر لنا إسرافنا في أمرنا، وتجاوَز عنه، أي: اغفر لنا صغائر الذنوب وكبائرها، وما حصل منا من تقصيرٍ أو إفراط؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو بسبب ذنوبهم وإسرافهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]. فعلموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن ما أصابهم بسبب ذلك، فسألوا الله المغفرة، والاعتراف بالذنب توبة. و«الإسراف»: مجاوزة الحد، و«الأمر» واحد الأمور، وهو الشأن، أي: وإسرافنا في أمورنا وشؤوننا، والإسراف في الأمر قسمان: القسم الأول: الإسراف ومجاوزة الحد في الغلو، كما في قصة النفر الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[22]. والقسم الثاني: الإسراف ومجاوزة الحد في التقصير، وهو نوعان: النوع الأول: إسراف في تعدي حدود الله تعالى بترك واجبٍ أو الإخلال به، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229]. والنوع الثاني: إسراف في قُربان حدود الله تعالى؛ أي: محارمه، بفعل محرم؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187]. والإسراف يكون في المأمور واجبًا أو مندوبًا، ويكون في المنهي محرمًا كان أو مكروها، كما يكون في المباح كالإسراف في النفقة ونحو ذلك؛ قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يَستزلهم ويهزمهم، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحدٍّ، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾، فوفَّوْا المقامين حقَّهما؛ مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف»[23]. ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: سألوا ربهم أولًا مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم؛ تطهيرًا وتزكية لهم، ثم سألوه تثبيت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين؛ تقديمًا للتخلية على التحلية. ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: الواو: عاطفة، أي: اجعل أقدامنا ثابتة راسخة عند ملاقاة الأعداء، فلا تزل بنا أقدامنا، فنَفِرَّ عند اللقاء، وثبِّت أقدامنا عند ورود الشبهات، وأمام الشهوات. وتثبيت الأقدام يكون حسيًّا كما في مواطن القتال والنزال، وبه يحفظ الله المؤمن من الفرار من الزحف. ويكون معنويًّا، وبه يحفظ الله المؤمن من الزيغ عند ورود الشبهات، ومن الوقوع في حبائل الشهوات. وتثبيت الأقدام علامة ظاهرة على ثبات القلوب، والذي هو سبب ثبات الأقدام. ﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: أي: واجعل النصر والغلبة والظهور لنا على القوم الكافرين؛ أي: على أعدائنا، وهذا اعترافٌ منهم أنه لا ناصرَ لهم سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]. وهذا يدل على عِظم رجائهم بالله تعالى، وثقتهم بوعده ونصره، فلم يصدهم ما أصابهم عن رجاء نصره، وفي الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي»[24]. قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: الفاء: استئنافية، و«آتاهم »: أعطاهم، وهي تنصب مفعولين، الأول: ضمير الهاء، والثاني: ﴿ ثواب ﴾. و﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: جزاءها وأجرها بالنصر على أعدائهم، والظفر بهم، وكون العزة والغلبة لهم في الدنيا، وتيسير أمورهم فيها، هذا جزاؤهم المعجل، وخير من ذلك وأفضل، وأعظم منه وأجزل، ثوابُهم المؤجَّل في الآخرة، ولهذا وصفه بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: وحسن جزاء الآخرة، أي: والجزاء الحسن في الآخرة، بالمغفرة، ورفعة الدرجات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»[25]. وبمضاعفة الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأحسن ذلك وأعظمه وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، فالحسنى الجنة والثواب الحسن، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم. ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الشورى: 36]، بل ولا مقارنة بين الدنيا كلها وما فيها، وبين الآخرة وثوابها؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء»[26]، وثواب الدنيا وإن كان فيه حسنٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]، فهو حسن نسبي مشوب بالمنغصات؛ لأن الدنيا دار شقاء وعناء، لا تصفو، ونعيمها مشوب بالكدر، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]. وكما قيل: ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى ![]() من العيش ما يصفو وما يتكدر[27] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: هي الحياة فلا يَغْرُرْك ما فيها ![]() من الزخارف واحذر من دواهيها ![]() ![]() ![]() ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في ختم الآية بهذا إشارة إلى أن المذكورين محسنون، فأحبهم الله؛ ولهذا أثابهم بهذا الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ أي: والله يحب المحسنين في عبادة الله تعالى إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والمحسنين إلى عباده. ولم يقل: والله يحبهم لأنهم محسنون لبيان محبته - عز وجل - المحسنين منهم ومن غيرهم، وأن من عمل مثلهم فهو محسن يستحق الثواب. ومن أحبه الله وفَّقه لكل خير، وحفظه من كل شر، ويسَّر له أمور دينه ودنياه وأخراه، وألقى في قلوب الخلق محبته، نسأل الله تعالى من فضله؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»[28]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأَحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهلُ السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض»[29]. [1] في «تفسيره» (2/ 108). [2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102)، وذكره ابن كثير (2/ 109)، ونَسَبه إلى البيهقي في دلائل النبوة. [3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102) مختصرًا عن أنس رضي الله عنه، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 83). [4] أخرجه البخاري في المغازي (4048)، من حديث أنس رضي الله عنه. [5] سيأتي تخريجُه برواياته عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6]. [6] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، والترمذي في صفة القيامة (2495)، وابن ماجه في الزهد (4257)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه. [7] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 97-98). [8] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 55). [9] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344). [10] أخرجه الترمذي في الأدب (2819)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهما - وقال: «حديث حسن». [11] أخرجه مسلم في الصيام (1151)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [12] أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/ 273)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 441). [13] البيتان لأبي القاسم الشابي؛ انظر: «ديوانه» (ص11). [14] سبق تخريجه. [15] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76). [16] سبق تخريجه. [17] سطر بيت لأحمد شوقي؛ انظر: «الشوقيات» (1/ 63). [18] البيت لابن القيم؛ انظر: «النونية» (ص148). [19] سبق تخريجه. [20] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- من ينكب في سبيل الله (2802)، ومسلم في الجهاد والسير- ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى (1796)، والترمذي في التفسير (3345)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. [21] أخرجه مسلم في الإمارة (1901)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. [22] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في النكاح (1401)، والنسائي في النكاح (3267). [23] «بدائع التفسير» (1/ 516)؛ بتصرف واختصار. [24] أخرجه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، وأبو داود في الصلاة (1484)، والترمذي في الدعوات (3387)، وابن ماجه في الدعاء (3853)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [25] سبق تخريجه. [26] سبق تخريجه. [27] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43). [28] أخرجه البخاري في الرقاق (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [29] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3209)، ومسلم في البر والصلة (2637)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#509 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148]. 1- بيان أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، سيمضي ويفارق الحياة كما مضى من قبله من الرسل، إما بموت أو قتل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾، وفي هذا مقدمة وإرهاص بين يدي موت الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- الرد على الذين يغلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويرفعونه إلى مقام الربوبية أو الألوهية، فهو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ورسول لا يكذب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ الآية. 3- في التذكير بمضي الرسل عليهم السلام قبل محمد صلى الله عليه وسلم تهيئة للأمة وإعداد لها؛ ليخف عليها مصابها به وتسلية لها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ الآية. 4- أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾، و(أل) للعموم، أي: قد خلت من قبله جميع الرسل. 5- في قوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ﴾: إشارةً إلى جواز أن تكون مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا؛ إما بسبب الموت أو القتل، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ إلى قوله: ﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾، وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها». قال عمر - رضي الله عنه -: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات»[1]. وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أقبل أبو بكر- رضي الله عنه - على فرسه من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُسَجًّى ببُرد، أو مُغَشًّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبَّله، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي، يا نبي الله، لا يجمع الله عليك مَوْتَتَين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها»[2]. ومع أنه صلى الله عليه وسلم مات على فراشه إلا أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري»[3]. وذلك حين أكل من الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية، فقد تكون وفاته صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا قتله اليهود. وهو صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل أكمل حياة في البرزخ من الشهداء، وإن ماتوا على فرشهم، ولهذا فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم لما قالوا له: كيف نسلم عليك وقد أرمت؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام»[4]. 6- التحذير من الانقلاب على الأعقاب والردة عن الإسلام بموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، والتهديد والوعيد لمن فعل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. 7- بلاغة القرآن الكريم وبلوغه الغاية في التنفير، فيما يريد التنفير منه بوصفه الردة عن الإسلام بالانقلاب على الأعقاب، ففي هذا أبلغ وأشد التنفير من ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22]، وذلك أن الارتداد على العقب عَلَمٌ في انتكاس الأمر، ومَثَلٌ للحور بعد الكور. 8- أن الإسلام دين التقدم والرقي؛ لمفهوم قوله: ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ لأنه إذا كانت الردة عن الإسلام رجوع إلى الوراء، فالتمسك به هو عين التقدم والرقي بلا شك. وإذا كان الله - عز وجل - وبَّخ الأمة وأنكر عليهم ارتداد مَن ارتد منهم بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، مع أنه رسول الأمة، وبموته انقطاع الوحي من السماء، كما قالت أم أيمن لما جاء إليها أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما - يزورانها فبكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها»[5]. ومع أن مصيبة الأمة به صلى الله عليه وسلم لا تعدلها مصيبة؛ كما قال حسان رضي الله عنه: فما فقَد الماضون مثلَ محمدٍ ![]() ولا مثلُه حتى القيامة يُفقد[6] ![]() ![]() ![]() فيجب ألا يَفُت في عَضُدِ الأمة أو يُزعزع إيمانها، أو بعض لوازمه - فقدُ مَن هو دونه صلى الله عليه وسلم من العظماء في الأمة؛ كالحاكم العادل، والعالم الرباني، والجواد الكريم، ونحوهم، وينبغي للأمة أن تستعد في كل أمر من مهماتها من أمور الولاية والدين بعدة أناس من أهل الكفاءات في ذلك إذا فقد أحدهم قام غيره مقامه؛ لأن في الآية إشارة للأمة ألا تكون بحال يُزعزها عن إيمانها، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيس أو عظيم، وما ذاك إلا بالاستعداد لكل طارئ! 9- أن من انقلب على عقبيه وارتد عن الإسلام، لن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾. 10- أن الله - عز وجل - لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تَضُرُّه معصية العاصين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾. 11- وعد الله تعالى لا يخلف وعده بالجزاء العظيم للشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾، وفي هذا تفضل منه - عز وجل - عليهم من وجهين: مدحهم بوصفهم بالشاكرين، مع أن القيام بطاعته واجب عليهم، ووعده لهم بالجزاء وتكفله لهم بذلك، مع أنه لا يجب عليه شيء لخلقه. 12- أنه لا يمكن أن تموت نفس إلا بإذن الله تعالى وقدره الكوني؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. 13- أن آجال الأنفس وغيرها محددة لا تتقدَّم ولا تتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49]. 14- إثبات الإرادة والاختيار للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾، وفي هذا الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله لا اختيار له. 15- أن لكل من الناس وجهة هو موليها، فمن مريد ثواب الدنيا، ومن مريد ثواب الآخرة، وشتان ما بين الإرادتين والمرادين، والله غالب على أمره، وصدق الله العظيم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وصدق المصطفى الكريم؛ حيث قال: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمُعتقها أو موبقها»[7]. 16- ليس في الإخبار بإعطاء كل من مريد الآخرة ومريد الدنيا منهما، والمقابلة بينهما - ما يدل على جواز إرادة الدنيا دون الآخرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، فهذا لا يدل على جواز فعل الشر، كما أنه ليس فيه ما يدل على منع مريد الآخرة من ذكر نصيبه من الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77]. 17- أن الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، فمن أراد بعمله ثواب الآخرة أعطاه الله منها، ومن أراد بعمله ثواب الدنيا أعطاه الله منها، ولكل امرئٍ ما نوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[8]. 18- تفضيل الآخرة وثوابها على الدنيا وثوابها، ولهذا قدم إرادة ثواب الآخرة على إرادة ثواب الدنيا؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، ولهذا سميت دنيا، والآخرة هي الحيوان. 19- عدل الله - عز وجل - في إيتاء كل مريد من مراده، سواء من الآخرة، أو من الدنيا ومجازاة كلٍّ بما عمِل. 20- أن فضل الله - عز وجل - واسع يسع البر والفاجر والمؤمن والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20]. 21- أن من أراد بعمله ثواب الآخرة، فهو من الشاكرين الذين وعدهم الله تعالى بالجزاء؛ لأن الله ختم الآية بقوله: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: الذين شكروا نعم الله تعالى عليهم بطاعته واجتناب معصيته، رجاء ثوابه والدار الآخرة. 22- فضيلة الشكر والترغيب فيه والحث عليه؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، وقوله في هذه الآية: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾. 23- أن كثيرًا من الأنبياء السابقين وكثيرًا من أتباعهم، قاتلوا أو قتلوا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾. 24- الثناء على الأنبياء السابقين وأتباعهم بالتضحية والصبر، وتحمل القتال والقتل في سبيل الله، بلا وهنٍ ولا ضعفٍ ولا استكانة؛ لقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾. 25- إغراء المؤمنين وحثهم على القتال مع نبيهم، والتضحية والصبر على القتال والقتل في سبيل الله، دون وهن أو ضعف أو استكانة؛ كما هو حال أتباع الأنبياء قبلهم، فعن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله، فقعد وهو محمَّر وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمٍ أو عصبٍ، ما يَصرِفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه عن دينه، وليُتمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه»[9]. 26- أن القتال في سبيل الله والجهاد مشروع في الملل السابقة. 27- محبة الله تعالى للصابرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وهذا يدل على علو مكانتهم عنده، وعظم ما أعد لهم من الأجر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]. 28- إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي من الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. 29- الترغيب في الصبر والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾. 30- بيان ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الشجاعة والقوة والعزيمة والعزة وعدم الذل والاستكانة إلا لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾. 31- الثناء على هؤلاء الربيين بجمعهم بين الجهاد بالفعل بالصبر على القتال والقتل وعدم الوهن في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وبين الجهاد بالقول بالتوسل إلى ربهم بطلب مغفرة ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾. وبهذا جمعوا بين فعل السبب والتوكل على الله، والاستعانة به ودعائه، وهكذا ينبغي للمؤمنين في حربهم وسلمهم وجميع أحوالهم. 32- فضيلة هذا الدعاء ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾... إلخ، والترغيب فيه؛ لما فيه من تعظيم الرب وسؤاله المغفرة، والاعتراف بالذنب والإسراف؛ لأن الاعتراف بذلك توبة، ولما فيه من الافتقار إلى الله تعالى، وطلب التثبيت والعون منه، والنصر على القوم الكافرين، وهذا من جوامع الدعاء. 33- ينبغي الحذر من الذنوب ومن الإسراف في الأمور، وسؤال الله تعالى المغفرة، والتثبيت والعون والنصر؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير، وليس في غنى عن الله تعالى طرفة عين، ولا أقل من ذلك. 34- امتنان الله تعالى على المذكورين بسبب قتالهم مع أنبيائهم ودعائهم، بإعطائهم ثواب الدنيا بالنصر، وحسن ثواب الآخرة بالجنة وعظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾. 35- أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، حيث يجمع تفضلًا منه للعبد بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، بخلاف العقوبة، فإن من عوقب في الدنيا لا يعاقب في الآخرة، فلا يجمع له بين عقوبتين، عدل منه عز وجل. 36- شتان بين الدنيا وثوابها والآخرة وثوابها؛ ولهذا وصف الله - عز وجل - ثواب الآخرة بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾. 37- إثبات الآخرة والبعث والحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾. 38- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ومفهوم هذا أنه لا يحب المسيئين. 39- في ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: ثناء على المذكورين بوصفهم بالمحسنين. 40- الترغيب في الإحسان والحث عليه؛ الإحسان في عبادة الله تعالى إخلاصًا له، ومتابعة لرسله، والإحسان إلى عباد الله؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين ومَن أحبه الله تعالى أثابه وأكرَمه. [1] أخرجه البخاري في المغازي (4454). [2] أخرجه البخاري في الجنائز (1242)، وفي المغازي (4454). [3] أخرجه أبو داود في الديات (4512)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه أبو داود في الصلاة (1047)، والنسائي في الجمعة (1374)، وابن ماجه في الجنائز (1636)، من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه. [5] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2454)، من حديث أنس رضي الله عنه. [6] انظر: «ديوانه» (ص63). [7] أخرجه الترمذي في الدعوات (3517)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (280)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [8] أخرجه البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والنسائي في الطهارة (75)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، وابن ماجه في الزهد (4227)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. [9] أخرجه البخاري في المناقب (3852)، وأبو داود في الجهاد (2649). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#510 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 152]. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾. وبَّخ عز وجل المؤمنين في الآيات السابقة، وأنكر عليهم أن ينقلبوا على أعقابهم بموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو قتله، ثم حذَّرهم في هذه الآية من طاعة الكافرين مبينًا لهم أن مراد الكافرين هو ردُّهم على أعقابهم. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: سبق الكلام عليه. ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا ﴾ ﴿ إن ﴾: شرطية، و﴿ تُطِيعُوا ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ يَرُدُّوكُمْ ﴾، وكل منهما علامة جزمه حذف النون؛ أي: إن تطيعوا الذين كفروا من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، فيما يأمرونكم به أو ينهونكم عنه؛ لأن الطاعة امتثال الطلب بفعل المأمور أو ترك المنهي. ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: يُرجعوكم على أعقابكم، وعلى أدباركم، والمراد: يردوكم ويرجعوكم عن دينكم إلى أول أمركم من الكفر والشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]؛ أي: إن تطيعوا فريقًا من أهل الكتاب وهم الكفار منهم. ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، ﴿ خَاسِرِينَ ﴾: حال، والانقلاب: التحول من حال إلى حال، والمعنى: فترجعوا بطاعتكم لهم والارتداد عن دينكم حال كونكم خاسرين دينكم ودنياكم وأخراكم، وذلك هو الخسران المبين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 21]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15]، وقال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]. قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾: لما كان الحامل على طاعة الكفار غالبًا؛ إما رجاء نصر أو عون منهم، أو خوفًا منهم ومداراة لهم؛ أي: رجاء جلب خير أو دفع ضرٍّ منهم - أتبع عز وجل النهي عن طاعتهم بقوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾، وفي ضمن ذلك أمرهم بطاعته - عز وجل - وموالاته وحده. قوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ ﴿ بل ﴾ للإضراب الإبطالي، أي: لا تطيعوا الكافرين ولا تتولوهم طمعًا في نفعهم أو خوفًا منهم، بل أطيعوا الله ووالوه، واستعينوا به وتوكلوا عليه؛ فهو مولاكم وحده الذي بيده جلب الخير ودفع الضر، ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾. وولاية الله تعالى للخلق نوعان: ولاية عامة لجميع الخلق، فهو - عز وجل - متولي أمورهم، لا يخرجون عن تدبيره وقدره؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 61، 62]. وولاية خاصة بالمؤمنين؛ بتوفيقهم وحفظهم ونصرهم، ونحو ذلك، كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب»[1]. و«المولى»: الذي يتولى غيره بجلب النفع والخير له، و«الناصر» الذي يدفع الضر والشر عنه. والله عز وجل ﴿ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾؛ أي: أعظمهم وأقدرهم وأقواهم نصرًا، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]، وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78]. ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾؛ أي: أعدلهم في نصره؛ لأنه سبحانه ينصر الحق وأهله. قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾. رُويَ أن المشركين بعدما انصرفوا من وقعة «أُحد»، تشاوروا فيما بينهم، وقالوا كيف ننصرف بعد أن قتلنا منهم مَن قتلنا، وهزمناهم، ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك فألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا خائبين. قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾: تكلم عز وجل عن نفسه بما يدل على عظمته، أي: «سنلقي نحن»؛ لأنه العظيم سبحانه، كما يتكلم عن نفسه - عز وجل - بصيغة الإفراد للدلالة على وحدانيته؛ كما قال تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [الأنفال: 12]. والسين في قوله: ﴿ سَنُلْقِي ﴾ للتنفيس، تفيد التحقيق والقرب. ﴿ الرعب ﴾: قرأ ابن عامر والكسائي بضم العين: «الرُّعُب»، وقرأ الباقون: ﴿ الرُّعْب ﴾ بإسكان العين. و﴿ الرعب ﴾: الفزع وأشد الخوف، وإذا وقع الرعب في القلب انهزم المقاتل من الداخل، وعجز عن المقاومة، وانهزم في الظاهر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴾ [الأحزاب: 26]، كما قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحشر: 2]. وقال صلى الله عليه وسلم: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»[2]، وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر، يقذفه في قلوب أعدائي»[3]. ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ الباء: للسببية، و«ما»: مصدرية، أي: بسبب شركهم بالله، والشرك بالله: دعوة غير الله وعبادته مع الله. ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ «ما»: موصولة، أي: الذي لم ينزل به سلطانًا ويجوز أن تكون نكرة موصوفة؛ أي: شيئًا لم ينزل به سلطانًا. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بتخفيف الزاي مع سكون النون: «يُنْزِل». وقرأ الباقون: ﴿ يُنْزِّل ﴾ بالتشديد، مع فتح النون. ﴿ سُلْطَانًا ﴾؛ أي: حجة وبرهانًا، أي: ما لم ينزل به حجة وبرهانًا، ولم يقم عليه دليل ولا حجة. والقيد في قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾؛ لبيان الواقع، ولتسفيه عقول المشركين، وليس للاحتراز؛ لأن الواقع أنه لا يمكن أن يقوم دليل أو حجة على أن لله شركاءَ، بل الأدلة والحجج النقلية والعقلية وغيرها قائمة على نفي ذلك، ولهذا كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم شركهم بالله، لخواء قلوبهم وخلوها من الإيمان بالله وتوحيده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾؛ أي: ومرجعهم ومصيرهم في الآخرة النار، وفي تعريف «النار» دلالة على وجودها؛ أي: النار المعلومة. ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ «بئس»: فعل جامد؛ لإنشاء الذم، أي: وقبح وساء مثوى الظالمين هي، أو النار. و«المثوى» المستقر الذي يثوي إليه الإنسان، ويستقر فيه؛ أي: وقبح وساء مستقر الظالمين ومسكنهم النار. قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ الواو: استئنافية، واللام: واقعة في جواب قسم مقدر، والله لقد صدقكم الله وعده، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، والقسم المقدر، و«قد» التي للتحقيق. ﴿ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ يقال: صَدَقَه؛ أي: أخبره بالصدق، أي: أخبر المتكلم المخاطب بالصدق، ويقال: صَدَّقه، أي: صَدَّق المخاطبُ المتكلم فيما أخبر به. و«صدق الوعد»: تحقيقه والوفاء به، ولا أحد أوفى بعهده ووعده من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111]، وقال تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 6]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الحج: 47]، وقال تعالى: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ [البقرة: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴾ [الزمر: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 9]. ومعنى ﴿ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾؛ أي: وفى لكم بوعده وأنجزه لكم، فصار ما أخبركم به واقعًا صدقًا. و﴿ وَعْدَهُ ﴾: منصوب بنزع الخافض، أي: صدقكم الله في وعده، أي: فيما وعدكم به من النصر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]. ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ ﴿ إذ ﴾: ظرف بمعنى «حين» متعلق بـ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾؛ أي: صدقكم الله وعده حين تحسونهم؛ أي: وقت حسهم، وعبر عن الماضي بصيغة المضارع، أي: بحكاية الحال، لاستحضار الصورة في الذهن. ومعنى ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾: تقتلونهم، والحس: أشد القتل. قال الشاعر[4]: ومنا الذي لاقى بسيف محمد ![]() فحس به الأعداء عرض العساكر ![]() ![]() ![]() وقال أيضًا: ونحسهم بالبيض حتى كأننا ![]() نفلق منهم بالجماجم حنظلا[5] ![]() ![]() ![]() ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾؛ أي: بإذن الله تعالى الكوني والشرعي. والمعنى: إذ تقتلونه أشد القتل بإذن الله - عز وجل - الكوني والشرعي، وتسليطه إياكم عليهم، حيث قتلوا منهم تسعة عشر أو سبعة عشر رجلًا، وانهزم المشركون، وفروا هاربين، وكان النصر والغلبة للمؤمنين، وذلك أول النهار. ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾، ﴿ حتى ﴾: للغاية، وإذا: ظرفية غير شرطية، والتقدير: إذ تحسونهم بإذنه إلى وقت فشلكم. والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده حين تقتلونهم بإذنه إلى وقت فشلكم وتنازعكم في الأمر. ويجوز كون ﴿ حتى ﴾ ابتدائية، والجملة مستأنفة، و﴿ إذا ﴾: شرطية، و﴿ فشِلتم ﴾: فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ ليذهب فيه الذهن كل مذهب؛ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فاتكم النصر، أو خذلتم، أو انقسمتم إلى قسمين، ونحو ذلك. و«الفشل»: الجبن والضعف والخور. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الفشل: الجبن»[6]. ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ المنازعة: المخاصمة والتجاذب؛ لأن كل واحد من المتخاصمين ينزع حجة الآخر؛ ليكون الحق معه، والمعنى: وتخاصمتم واختلفتم في الأمر. و﴿ الْأَمْرِ ﴾: الشأن؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [الأنفال: 43]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ﴾ [الحج: 67]، والأمر أيضًا: واحد الأوامر؛ أي: وتنازعتم في أمركم، أي: في شأنكم، وفي الأمر الذي أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم. والخطاب على هذا للرماة الذين أمَّر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جبير، وكانوا خمسين رجلًا، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم، ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا»، لكنهم لما انتصر المسلمون في بادئ الأمر وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم، طمِعوا في مشاركة المسلمين في جمع الغنائم، فأرادوا النزول من الجبل، وحاول أميرهم أن يمنعهم، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «لا تبرحوا مكانكم..»، وتنازعوا في ذلك، فمنهم من قال: نبقى امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة[7]. والنزاع والخلاف شر، وهو أعظم أسباب الفشل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]. وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - لما أتم الصلاة خلف عثمان - رضي الله عنه - وسُئل في ذلك وهو ممن لا يرى الإتمام في السفر، قال: «الخلاف شر»، وصدق رضـي الله عنـه وأرضاه[8]. ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾، «المعصية»: مخالفة الطلب، بترك المأمور، أو ارتكاب المحظور، أي: وخالفتم الرسول فيما أمركم به من البقاء على الجبل، أي: وعصيتم الله والرسول؛ لأن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم معصية لله تعالى، والمراد بهذا: ما حصل من الرماة. وترتيب الأمور الثلاثة في الآية حسب ترتيبها في الحصول؛ الفشل، فالتنازع، فالعصيان والمخالفة. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾، ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ مَا أَرَاكُمْ ﴾: مصدرية، وفي قوله: ﴿ مَا تُحِبُّونَ ﴾: موصولة، أي: من بعد ما أراكم الذي تحبون من نصركم وهزيمة أعدائكم وانخذالهم وتوليتهم الأدبار وغنم ما معهم. ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ تفصيل لـ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾، وتبيين لـ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾، وأن المراد به الذين يريدون الدنيا، و«من» في قوله: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ في الموضعين تبعيضية، و﴿ من ﴾ في الموضعين موصولة، أي: بعضكم يريد الدنيا، وهم الذين رغبوا في المغنم لما رأوا هزيمة العدو، وليس المراد بإرادة الدنيا هنا ما ينافي إرادة الآخرة، كما هو حال الكفار الذين يريدون الدنيا فقط، ولا حظ لهم في الآخرة ولا نصيب، بل ليس لهم فيها إلا النار؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16]. بل هذا كما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67]. ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾؛ أي: وبعضكم الذي يريد الآخرة، كالذين ثبتوا على الجبل، والذين نالوا شرف الشهادة وغيرهم. ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾؛ أي: ثم بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم الذي تحبون من نصركم وهزيمتهم، ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾؛ أي: ردكم ودفعكم عنهم، وأدالهم عليكم بسبب ما حصل منكم من الفشل والتنازع والمعصية، أي: بسبب ما أصابكم من أنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79]. والتعبير بقوله: ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ يفيد إقبال المسلمين الشديد وشدة رغبتهم على القضاء عليهم، وتوقعهم اكتمال النصر لهم، وهزيمة عدوهم، لكنه بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم، وقع عليهم ما ليس بالحسبان، فصرفهم وكفهم عنهم. قال ابن كثير[9]: «فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة، تأخر الدعم الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة». عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: «لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبدالله بن جبير، وقال: «لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتمونا ظهروا علينا فلا تعينونا»، فلما لقيناهم هربوا حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، وقد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبدالله: عهد إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يحزنك، فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم»، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني»[10]. وفي رواية عن البراء - رضي الله عنه - قال: «جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجَّالة يوم أُحد - وكانوا سبعين رجلًا - عبدالله بن جبير، فقال: «وإن رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم، وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب ابن جبير: الغنيمة؛ أي: قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله، لنأتينَّ الناس فلنُصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه، قال: كذبت، والله، يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك، قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمُر بها، ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعلُ هُبَلْ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟»، قالوا: يا رسول الله: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟»، قال: قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»[11]. ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ اللام: للتعليل، أي: لأجل أن يبتليكم، أي: ليختبركم ويمتحنكم في صرفكم عنهم، والابتلاء يكون في الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، وقال سليمان - عليه السلام -: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16]. قال الشاعر: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ![]() ويبتلي الله بعض القوم بالنعم[12] ![]() ![]() ![]() فيبتلي الله بعض القوم بالخير والنعم؛ ليتبين هل يشكر أم يكفر، ويبتلي بعض الناس بالشر والنقم؛ ليتبين هل يصبر أم يجزع. ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾؛ أي: والله لقد عفا الله عنكم، والجملة كسابقتها مؤكدة باللام والقسم المقدر، و«قد». وأقسم عز وجل على عفوه عنهم وأكده؛ لأنه قد يتبادر إلى أذهانهم أن الله كما ابتلاهم بسبب ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية، سوف يعاقبهم أيضًا على ذلك. كما أقسم في أول الآية على صدق وعده لهم لئلا يتبادر إلى أذهانهم بسبب ما أصابهم أن الله لم يصدقهم وعده. والمعنى: ولقد تجاوز الله عنكم، فلم يعاقبكم على ما حصل منكم من فشل وتنازع وعصيان، ولذلك صرف عدوكم، فلم يستأصلكم. ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: والله صاحب فضل وزيادة عليهم، ومن أعظم ذلك هدايتهم للإيمان وتوفيقهم للإسلام، وشمولهم برحمته وعفوه، ولهذا عفا عنكم. وأظهر في مقام الإضمار، فلم يقل: والله ذو فضل عليكم، وفي ذلك عدة فوائد؛ منها: وصف المذكورين بالإيمان، وتعميم فضله عز وجل لجميع المؤمنين، وبيان علة تفضُّله عليهم وهي الإيمان، إضافة إلى مراعاة فواصل الآيات. [1] أخرجه البخاري في الرقاق- التواضع (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد (521)، والنسائي في الغسل و التيمم (432)، من حديث جابر رضي الله عنه. [3] أخرجه أحمد (5/ 248)، والترمذي في السير (1553)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [4] ينسب هذا البيت لعتبة الليثي، وينسب أيضًا لحسان رضي الله عنه وليس في ديوانه؛ انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (10/ 216). [5] البيت لعتبة الليثي؛ انظر: «مجمع الزوائد» (6/ 309). [6] أخرجه الطبري في جامع البيان (6/ 138). [7] سيأتي تخريجه قريبًا بتمامه ولفظه. [8] أخرجه أبوداود في المناسك (1960)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. [9] في «تفسيره» (5/ 113). [10] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4043)، وأحمد (4/ 293). [11] أخرجها البخاري في الجهاد والسير- ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (3039). [12] البيت لأبي تمام؛ انظر: «ديوانه» (ص577). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | ملتقى الكتب الإسلامية | 596 | 05-25-2026 06:10 PM |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 1509 | 05-24-2026 08:07 PM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 32 | 05-08-2026 02:24 PM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|