
من روائع القرآن الكريم
- (قسط) و(أقسط) في التعبير القرآني -
د. صالح بن عبد الله التركي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. يقول الله-جَلَّ شأنه- في التنزيل: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)[الجن: 14، 15]. وقال الله عزَّ وجل في آيةٍ أخرى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الحجرات: 9]. فقال في الآية الأولى: (الْقَاسِطُونَ)[الجن: 15]، وقال في الآية الثانية: (الْمُقْسِطِينَ)[الحجرات: 9]،
فهل تتساوى هذه الكلمات في التعبير القُرْآني؟
لاشك أن بينهما بَونًا شاسعًا في المعنى. فـ(القاسِط): من قَسَطَ إذا ظلم وجار وبخس الناس حقوقهم وظلم نفسه في جنب الله عزَّ وجل؛ تقول الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ)[الجن: 14]، أي: الذين أسلموا لله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- والذين انقادوا لله عزَّ وجل ، (وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)[الجن: 14]، الذين ظلموا وجاروا في جنب الله عزَّ وجل.
وأما (المُقْسِط): من أقسط، والفعل أقسط فيه همزة تسمى عند أهل العربية "همزة الإزاحة" أي: إزاحة هذا الظلم، فـ(أقسط) يَعْنِي: أزاح هذا الظلم ونفى هذا الظلم، والله عزَّ وجل يثني على عباده ويقول: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الحجرات: 9]، والمقسطين: هم العادلون، هم الذين أقاموا العدل ونَفَوا الجور.
ونظيرٌ لهذا المعنى يقول الله عزَّ وجل في سورة إِبْرَاهِيمَ على لسان الشيطان: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ)[إبراهيم: 22]، فمن جرَّاء هذا العذاب في النار للشيطان ولأتباعه وهم يصطرخون فيها في النار يقول الشيطان: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ)[إبراهيم: 22]، و(مُصْرِخ) :من أصرخ أي لا أستطيع إزاحة هذا الصراخ عنكم ولا أنتم أَيْضًا تستطيعون إزاحة هذا الصراخ عني، فأصرخ مثل أقسط في المعنى.
إِذًا كما ترون هذه الكلمات لها تعبيرٌ خاصٌ في نظم كتاب الله عزَّ وجل ، فتختلف هذه الكلمات باختلاف السياق القُرْآني، لكل كلمة شخصيتها في البيان القُرْآني، وهذا من بديع وروائع هذا الكتاب العظيم
اسلاميات