استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم يوم أمس, 11:48 PM   #1
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 63

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي يعلمنا القرآن

      


يعلمنا القرآن (1)

لماذا كان "فرارًا" إلى الله؟

يقول جل في علاه في سورة الذاريات:
﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 41 - 51].
يقول الطبري في تفسيره: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 50]؛ يقول تعالى ذكره: فاهربوا - أيها الناس - من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته، ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ ﴾ [الذاريات: 50] يقول: إني لكم من الله نذير أنذركم عقابه، وأخوِّفكم عذابه الذي أحلَّه بهؤلاء الأمم الذي قصَّ عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة، وقوله ﴿ مُبِينٌ ﴾ يقول: يبين لكم نذارته"؛ [انتهى الطبري].
والفرار مفهوم مرتبط بالخوف والرهبة، والهلع والقلق، فالإنسان لا يهرُب أو يفِرُّ إلا من خطر داهم، أو عرض مُهْلِكٍ أو موقف صعب، أما الالتجاء أو التوجُّه، فقد يكون في جوٍّ من القلق، دون خوف أو رهبة.

وبالنظر إلى سياق الآيات، نجد عرضًا لِما أنزله الله بالأقوام الغابرة من عذاب ونكال، عندما عَصَوا وتمردوا على أوامر الله ورسالاته التي جاءتهم بها رسله، فكانت مصيبتهم الشرك أولًا، ومن ثَمَّ اختص كل قوم بنوع معين من المعصية، أضافت إلى شركهم آثامًا ومفاسدَ ضاقت بها الأرض.

فكان التعقيب القرآني عليها في أمرين:
1- تذكير الناس بالنعم الإلهية التي حفَّهم الله بها، مع استخلافهم في الأرض.

2- وثانيًا: الفرار إلى الله من الآثام والمعاصي التي قد تُورِدهم مواردَ تلك الأمم التي عَصَتْ واستكبرت في عصيانها، وتمردت وتجبرت، فالفرار الذي يأمر الله به عباده المؤمنين هو فرار من خطر الوقوع بما وقع به أولئك الأقوام، فتكون العاقبة مهالك دنيوية، وفي الآخرة عذاب عظيم.


لكن كيف يكون الفرار إلى الله؟
الفرار مفهوم يستغرق وجهتين وطريقًا: الوجهة التي تفر منها، والوجهة التي تفر إليها، والطريق بينهما، أما الوجهة التي نفِرُّ منها فهي المعاصي والآثام والمفاسد، ونحن نفر منها لعِظَم خطرها على المسلم، وما تجره إليه من نهاية مخيفة قد تفاجئه قبل أن يتوب.

ومشكلة الإنسان مع المعاصي استصغارها وتحقير شأنها، وهو لا يعلم أن الصغيرة مع التعوُّد تُحاط بصغائر مثلها لتنتهي إلى كبيرة، والكبيرة تجرُّ إلى كبيرة أخرى، فلا يجد الإنسان نفسه إلا وقد دخل في دائرة الخطر المهلك.
يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكِتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقِل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلوَ قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكر الله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]))؛ [صحيح الترمذي عن أبي هريرة].
فكثرة الذنوب والمعاصي تُحَوِّل القلب إلى السواد الخالص، والتوبة تُطهِّر القلب، وتَجْلُوه من أثر الذنوب والمعاصي.
والمواطن التي يتوجب علينا الفرار منها هي مواطن الشبهات، ومواطن الشهوات؛ فأما مواطن الشبهات، فأكثرها اليوم ازدحامًا مواطنُ المال والأعمال؛ حيث يجد المسلم نفسه محاطًا بأساليب الانغماس في المال الحرام، كما يحيط السِّوار بالْمِعْصم والعياذ بالله، سواء كان كسبًا أو إنفاقًا، فيجد نفسه وكأنه يسير في حقل ألغام.
أمَّا التكسُّب فحدِّث ولا حرج عن أساليب الغش والخداع، والمكر والاحتكار، والمتاجرة بأرزاق البشر، لا بل بالبشر أنفسهم، فلدينا اليوم متاجرة بالأشياء، ومتاجرة بالإنسان، وما أكثر المتاجرين بالإنسان سواء عقليًّا أم جسديًّا؛ تجار الفكر والصحة!


أولئك الذين استسلعوا الإنسان - جعلوا منه سلعة - فما عادوا مؤتمنين لا على علم، ولا على فِكْرٍ، ولا على صحة، ولا على شفاء قد يُرتجى من الالتجاء إليهم، ولله المشتكى.

ناهيك عن أكل الحرام من طريق الربا بأشكاله وأسمائه المعاصرة التي يجتهد في تحليلها والتلبيس فيها، وأما مواطن الشهوات، فهي أوضح من أن يحيط بها كلام، نحن نعيش عصر فساد الفطرة وفتنة الشهوات، كل شيء متاح ومفتوح على مصراعيه للدخول إلى كل ما هو محرَّم، وكلنا يعلم ولا حاجة للشرح والتفصيل.
وأما الجهة التي نفِرُّ إليها؛ فهي الله عز وجل، وأما الطريق؛ طريق الفرار، فهو شرعه جل في علاه، نسير وفق منهجه الذي رسمه لنا في قرآنه العظيم، وسُنَّة نبيه الكريم، نُحلِّل حلاله، ونُحرِّم حرامه، نتقي الله حق تقاته.
نحن اليوم واقعون في شِرْكِ قوم نوح، وفي كفر واستكبار قوم عاد، واستكبار وتمرد ثمود قوم صالح، وفاحشة قوم لوط، وجرائم قوم شعيب الاقتصادية والاجتماعية، وتحلَّينا بأخلاق اليهود وصفاتهم.

جمعنا كل المنكرات والمعاصي التي أوردت كل الأمم الغابرة موارد الهلاك، فهل من خلاص إلا بالفرار إلى الله؟!

اللهم فرارًا إليك لا نشقى بعده.




يعلمنا القرآن (2)

الرابط بين معيَّة الله والتسليم بحكمته في تصريف الأمور، مشفوعة بالأخذ بالأسباب

تتفرد سورة القصص برواية قصة موسى منذ ولادته؛ قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص: 7 - 13].

أحد الدروس المستفادة من هذه الحلقة من قصة موسى عليه السلام هو:
الرابط بين معيَّة الله والتسليم بحكمته في تصريف الأمور، مشفوعة بالأخذ بالأسباب:

1- ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ: أمر من الله إلى أم موسى، وأم موسى تستجيب تسليمًا لأمر الله ليقينها بحكمة الله في تصريف الأمور، فلا بد من وجود حكمة من وراء أمر الإرضاع.

2- ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ: الأمر الثاني الذي ألقاه الله إلى أم موسى أمر ظاهره الهلاك وباطنه النجاة؛ لكنها استجابت هنا أيضًا تسليمًا ويقينًا بحكمة الله، فمن يلقي فلذة كبده في البحر إلا موقن بحكمة الله؟!

3- ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي: الطمأنينةالتي ترافق المعية والتسليم الكامل لحكمة الله من أمره ونهيه.

4- وكانتثمرة الطاعة والتسليموعدًا ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
﴿ رَادُّوهُ إِلَيْكِ: وعد مُعجَّل.
﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ: وعد مُؤجَّل.

5- ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ: تصريف ظاهرهُ الخوف وباطنه الأمان، وهنا تتجلى معيَّة الله. الرضيع لم يغرق، أمر مفرح، لكنه وقع بيد أعداء الله، أمر محزن!


6- ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ: قذف محبته في قلب امرأة فرعون، فكانت نجاته من القتل، معيَّة مطلقة!

7- ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:ظهور العنصر البشري بقوة في قلب مسيرة المعيَّة هذه، فكان التثبيت الإلهي معيّة مطلقة!


8- ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ: كل ما سبق عاشته أم موسى وهي موقنة بحكمة الله وصدق وعده، لكنها لم تقعد عن الأخذ بالأسباب،فطلبت من أخته ملاحقته وتسقُّط أخباره، أخذ بالأسباب.

9- ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ: وكذلك الفتاة، لم تكن معية الله، التي عرفت أنها تحيط بهم وبأخيها، سببًا في قيامها بتصرف غير مسؤول أو تخليها عن حذرها، بل كانت تتحرك بحذر وتأخذ بالحيطة، فبصرت به عن جنب، وهم لا يشعرون، أخذ بالأسباب.

10- ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ:هنا تتجلى الحكمة من الأمر الإلهي الأول: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7]، فالرضيع الآن يطلب ما تذوقه أول مرة،معيّة مطلقة ترتبت على التسليم المطلق لأمر الله والإذعان له.

11- ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ: وهنا تتجلى فطنة الفتاة، أخذ بالأسباب.

12- ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ:تحقق وعد الله الأول الذي قطعه إلى أمِّ موسى.

تخبرنا هذه القصة أن المعية الإلهية تتحقق بكامل صورتها، عندما يتسلح العبد باليقين المطلق بحكمة الله من وراء أوامره ونواهيه، ولا يقعد عن الأخذ بالأسباب.


يعلمنا القرآن (3)

المتكبر بالأنا!

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

﴿ قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ص: 75 - 77].

والكبر هو ذاك المرض الذي يصيب الإنسان في ذكائه وفطنته، فينخر فيها حتى تستحيل إلى حمق وغباء وانعدام بصيرة.

وجذر الكبر "الأنا"، تتعاظم في النفس إلى أن يضيق بها صدر المتكبر، فتخرج منه في ظرف من الظروف لتصبغ حياته أقوالًا وسلوكًا، فتنتهي به إلى مخلوق متخبط لا يعرف الحق والاتزان له سبيلًا.
وهذا واقع نشهده في حياتنا كل يوم، يبقى الإنسان - رجلًا كان أو امرأةً - يتمتع بقدر من الذكاء والفطنة وربما الدهاء، إلى أن يستحكم فيه الكبر، فيستحيل إلى إنسان أحمق بأقوال وسلوكيات لا تمتُّ إلى ما كان عليه من اتزان بصلة.
وعناصر الكبر، باختصار، تلخِّصها لنا قصة إبليس، شيخ المتكبرين، في عصيانه أمر الله للسجود لآدم: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

التكبر بما ليس للمتكبر فيه فضل: فإبليس يعترف بادئ ذي بدء، أن سبب كبره، وهو ما يراه من الفوقية الخلقية على آدم، ليس أمرًا من صنيعه هو، بل هو من صنع الله الذي خلقه على هذه الهيئة: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾ [الأعراف: 12]، فبماذا يتكبَّر؟! وكذا أمر كل مخلوق، بماذا يتكبَّر؟ بقوَّته، بجماله، بماله، بعلمه، بجبروته، بسلطته ونفوذه؟ يتكبر بما لا فضل له فيه؛ بل هو عطايا ونعم من خالقه! وكيف به لو ذهب الله بكل ما لديه في طرفة عين؟


التقوُّل على الله بغير علم: ثم إن إبليس لما استعظم الكبر في نفسه تقوَّل على الله بغير علم، تكلم بما لا يعرف، فقاس النار والطين بمنظوره الكِبْريّ، ليقرر أن النار أفضل من الطين، وما أدراه؟ هنا كان المتكبر قد وصل إلى مرحلة التذاكي - والعياذ بالله - على خالقه، فرأى في نفسه عالمًا حكمًا، يفوق خالقه علمًا، ويقرر، ويصدر أحكامًا نيابة عنه، وهذا بعينه ما يكون من أمر البشريِّ عندما يضع القوانين نيابةً عن الله، ويقرر ويصدر أحكام زمانه نيابة عن خالق الزمان والمكان.

الأفضلية المطلقة:وهذا ما كان من إبليس، فكان سبب عصيان إبليس لأمر الله أنه افترض في نفسه الأفضلية والخيرية، "أنا خيرٌ منه"،فامتنع من الطاعة، لأنه -حسب رأي إبليس -لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ وهكذا المتكبرون دائمًا هم أفضل من غيرهم، أو بالأحرى هم الأفضل بالمطلق، لا يقبلون حقًّا، فالحق عندهم ما يقولون وما يفعلون، وتراهم في ازدراء دائم لمن حولهم، ومهما تحَلَّوا "بالدبلوماسية" تفضحهم زلَّات ألسنتهم! وصدق الصادق المصدوق: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".

الرأي في مواجهة أمر الله: وأخطأ اللعين عندما وضع رأيه في مواجهة أمر الله، فجعله سببًا مبررًا للعصيان!


فقد قاس إبليس برأيه، فوضع رأيه في كفة وأمر الله له بالسجود في كفة، فرجَّح كفة رأيه على أمر الله، "قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس"، قال ابن سيرين: "ما عبدت الشمس إلا بالقياس"، واليوم حدِّث في هذا ولا حرج، مع الأسف الشديد أصبح شرع الله "مرتعًا" والعياذ بالله للأهواء والآراء والتأويل والتفسير بما لا يمتُّ للحق بصلة!


والكبر يورث الزلل وعمى البصيرة، ولعظم كبر إبليس بنى معصيته على قياس خاطئ أصلًا، فقرَّر أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين؛ لعلوِّ النار على الطين وصعودها، بل وجعله مبررًا لعدم سجوده لآدم، يقول القرطبي: "وقالت الحكماء: أخطأ عدوُّ الله من حيث فضل النار على الطين، فإن الطين أفضل من النار من عدة أوجه:أن من جوهر الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة والحلم، والحياء، والصبر؛ وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية.

ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب؛ وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء؛ قاله القفَّال.
الثاني: أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارًا، وأن في النار ترابًا.
الثالث: أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببًا للعذاب.
الرابع: أن الطين مستغنٍ عن النار، والنار محتاجة إلى المكان، ومكانها التراب.
قلت: ويحتمل قولًا خامسًا، وهو أن التراب مسجد وطهور؛ كما جاء في صحيح الحديث، والنار تخويف وعذاب؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ [الزمر: 16]، وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربَّه، وهو أول من قاس برأيه"؛ انتهى.

وهل يصيب من يقيس بالهوى؟!

فيا أيها المسلم، اعرض نفسك على عناصر الكبر التي أودت بإبليس إلى الجحيم خالدًا مخلدًا، وتلَمَّس مكانك منها.

رحم الله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزَنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ"، قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: "إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ"؛ صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود.

هذا باختصار والله أعلم، والله من وراء القصد.




يُعلِّمنا القرآن (4):
ولنا في قصة أصحاب السبت عِبرة

(الناهون عن المنكر والصامتون)

يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 164، 165].

فمن الذي نجا في قصة أصحاب السبت؟


تُصرِّح الآيات بأن الذين نجَوا هم الذين كانوا ينهون عن السوء، في قوله تعالى: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ [الأعراف: 165]، وهؤلاء هم الذين مضَوا في إنكار المنكر رغم تثبيط المثبطين، فهم كانوا يعلمون أن العمل على إنكار المنكر فيه المعذرة إلى الله والتبرؤ إليه من تلك المعصية، كما أنه تذكرة للقوم حتى يُقلعوا عن المعصية، وبهذا ردوا على الذين عاتبوهم على إنكارهم المنكر: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164].

ومن الذي هلك؟

الذين ظلموا، وهؤلاء كان ظلمهم بنصب لواء التحدي لأمر الله وعصيانه، فعتَوا عن أمر الله في نهيه لهم عن الصيد في السبت، فاحتالوا على ربهم سبحانه، واصطادوا.

والصامتون أو الكارهون المثبطون؟

هؤلاء هم الذين لم ينهوا عن السوء لكنهم كرهوا الفعلة، وهؤلاء الذين قالوا للمنكرين: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، وهؤلاء يمثلون كل من يكره المواجهة مع العصاة فلا ينهونهم عن المعصية، ولا يوجهون لهم النصح، مع علمهم أنهم قوم معرَّضون لعذاب الله والهلاك، بل ويثبطون الناهين عن المنكر، وعباراتهم المشهورة: "دعهم وشأنهم، منهم لربهم، لا علاقة لك بهم".

ماذا كان مصيرهم؟

هؤلاء لم يأتِ السياق على ذكرهم، فكان المفسرون فيهم على أحد قولين: إما أنهم نجوا لاختصاص الآيات "الظالمين" بالهلاك.

أو أنهم اعتبروا مع الظالمين، فهلكوا مع من هلك.

لكننا إذا تأملنا الآيات نجد أن هناك عنصرًا ثالثًا قد يوضح مصير الكارهين؛ وهو "الاعتزال"، فالناهون عن السوء، الذين أنكروا على القوم صيدهم يوم السبت، وعنَّفوهم وذكَّروهم بمعصيتهم وعذاب الله، كانوا قد اعتزلوا القوم وخرجوا من المدينة، عندما يئسوا من توبة القوم وإقلاعهم عن المعصية، وقالوا: "فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتُكم الليلة في مدينتكم"؛ من رواية ابن عباس.

وهؤلاء فقط؛ أي: الذين هجروا القوم العاصين ومدينتهم، هم الذين نجوا، فإن كان قد خرج معهم أناسٌ من الكارهين أو الصامتين، فقد نجوا معهم؛ لأن كراهيتهم لفعل القوم كانت شديدةً لدرجة الهجران والاعتزال، أما من بقوا مع العصاة آكلُوهم وشاربوهم وجالسوهم، فما نفعهم كرههم الواهن؛ لأن كل من بقيَ في المدينة أصبحوا وقد مُسخوا قردةً وخنازير.

والله أعلم.

جاء في تفسير ابن كثير: "عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمتُ أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا أبا عباس، جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات، قال: وإذا هو في سورة الأعراف، قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم، قال: فإنه كان بها حيٌّ من يهود سِيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدٍّ ومُؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام؛ فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نُهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، قال الأيمنون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164]، إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألَّا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسفٍ أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلمًا، وأعلوا سور المدينة رجلًا فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تُعاوي لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فتقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها، أي نعم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]، قال: فأرى الذين نهَوا قد نجَوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها"؛ [انتهى].

اللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

ميسون عبدالرحمن النحلاوي
شبكة الالوكة

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع

امانى يسرى محمد متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة امانى يسرى محمد ; يوم أمس الساعة 11:51 PM.

رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, يعلمنا
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كيف يعلمنا القرآن الكريم التعامل مع الضغط النفسي المزمن امانى يسرى محمد ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 08-16-2025 05:18 PM
تابع حصري القرآن الكريم المصحف كامل لعدة شيوخ ملتقى أحبة القرآن خالددش ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 10 01-07-2019 06:58 AM
حصري القرآن الكريم المصحف كامل لعدة شيوخ ملتقى أحبة القرآن خالددش ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 27 01-05-2019 01:07 PM
مطوية (دعهم يعملوا) عزمي ابراهيم عزيز ملتقى الكتب الإسلامية 1 12-08-2016 02:26 PM
أين علوم القرآن فى قسم القرآن الكريم وعلومه؟؟ خديجة ملتقى الاقتراحات والشكاوى 0 03-26-2012 06:35 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009