تنزيه الله عن الولد وعن وجود إله معه
تنزيه الله عن الولد وعن وجود إله معه
الشيخ عبدالعزيز السلمان
س123- ما الذي تفهَمه من قوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [المؤمنون: 91، 92]؟
ج- تضمنت أولًا تنزيه الله عن الولد.
ثانيًا: تنزيهه عن وجود إله خالق معه.
ثالثًا: تنزيهه عما يصفه به المخالفون للرسل.
رابعًا: إثبات توحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، فإن الله بعد ما أخبر عن نفسه بعدم وجود إله ثان معه، أوضح ذلك بالبرهان القاطع والحجة الباهرة والدليل العقلي، فقال: إذًا أي لو كان معه آلهة كما يقول المشركون، لكان الإله الآخر له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الآخر معه، بل إن قدر على قهره وتفرُّده بالألوهية دونه فعل، وإن لم يقدر، انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أمور ثلاثة؛ إما أن يذهب كل إلهٍ بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إلهٍ واحد يتصرَّف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم، ولا يمتنعون من حكمه، فيكون وحده الإله وهم العبيد المربوبون، وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي، وارتباط بعضه ببعض، وجَرَيانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد.
من أدل دليل على أن مدبره واحدٌ لا إله غيره، كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد، لا إله غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، يستحيل أن يكون له إلهان معبودان، ثم ختم الآية بتنزيهه سبحانه عن كل نقص وعيبٍ، وعما يصفه به المخالفون للرسل، وقوله: عالم الغيب يُخبر تعالى وهو أصدق قائل، إنه يعلم ما غاب عن العباد وما شاهدوه، والغيب ينقسم قسمين غيب مطلق، وغيب مقيد، فالمطلق لا يعلمه إلا الله، وهو ما غاب عن جميع المخلوقين؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65]، وقال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 26]، والقسم الثاني غيب مقيد، وهو ما علِمه بعض المخلوقات من الجن والإنس، فهو غيب عمن غاب عنه، وليس هو غيبًا عمن شهده، فيكون غيبًا مقيدًا، وقوله: فتعالى...إلخ؛ أي: تنزَّه وتقدَّس وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته، فله العلو المطلق بأنواعه الثلاثة: علو القدر وعلو البهر وعلو الذات، وفي الآية رد على اليهود والنصارى والمشركين، وفيها رد على القدرية، وفيها إثبات صفة العلم، فهو سبحانه يعلم السابق والحاضر والمستقبل، ويعلم نفسه الكريمة ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم ما يترتب عليها لو وُجدت كما في هذه الآية والآية الأخرى، ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، وقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام: 28]، وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الأنعام: 111]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 96]... إلخ.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|