![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
#2 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات تربوية مع سورة العاديات
الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده؛ ليكون للعالمين نذيرًا، وجعله برهانًا ونورًا مبينًا، فهدى به من شاء من عباده إلى سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على من نزل القرآن على قلبه؛ فكان قلبه أزكى القلوب وأطهرها وأزكاها وأنقاها وأخشاها، وبعد: فإن القرآن الكريم جاء موعظةً للعباد، وشفاءً لما فى الصدور؛ قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]. وإن من أعظم أسباب صلاح القلوب، وتزكية النفوس: الحرص على تدبر آيات القرآن الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، فإن التدبر يورث اليقين، ويزيد الإيمان، وهو طريق إلى العمل بما في القرآن من المأمورات، والكف عن المنهيات، وهو سبيل إلى الاعتبار والاتعاظ بأمثاله وقصصه، وكل ذلك يزيد القلب تعظيمًا للقرآن الكريم، يقول ابن القيم رحمه الله: "ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته". ومن هذا المنطلق نقف هذه الوقفات مع سورة من قصار السور؛ ألا وهي: [سورة العاديات] ومع قلة عدد آياتها إلا أن فيها دروسًا وعبرًا لا تحصى! • سورة العاديات: هي سورة مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آيةً، والغريب أنها تتحدَّث عن الجهاد! اشتملت السورة على ثلاثة موضوعات؛ ولذلك يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: 1- آيات القسم: مشهد الخيل وهي تجري في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فقد صور الله تعالى هذا المشهد بأدق التفاصيل. 2- جواب القسم: وهو جحود الإنسان وحبه الشديد للدنيا. 3- خاتمة السورة: وعيد وتذكير ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور. أولًا: آيات القسم الأول: بدأت السورة بأسلوب قسم؛ فالواو من حروف القسم، والعظيم سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بالشيء العظيم، وهو سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته: المرسلات، الفجر، الضحى، الليل، الشمس؛ وفيها أطول قسم. وهنا أقسم الله تعالى: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ [العاديات: 1]؛ أي: الجاريات من العَدْو والجري؛ فذكر الوصف ولم يذكر الموصوف، وأشهر التفاسير أنها: الخيل حين تعْدُو بسرعة، والضبح: هو صوت أنفاسها في صدرها عند اشتداد عدوها. تعلمنا هذه الآية: المسارعة والمسابقة في أبواب الخير؛ تقول لك: تعلم من الخيل في عدوها في سبيل الله الجري والمسارعة في الطاعات وأبواب الخير؛ كما قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿ سَابِقُوا ﴾ [الحديد: 21]، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]. قوله: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ [العاديات: 2]؛ أي: النار التي تخرج من أثر احتكاكهن بالحجارة خلال عدوها بسرعة؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ [الواقعة: 71]. تعلمنا هذه الآية: القوة في كل شيء؛ ففيها دليل على قوة الخيل في الجري؛ لدرجة أن اصطكاك حافرها بالصخر يقدح شررًا، وفيه دليل على إقبال راكبها نحو العَدْو. قوله: ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ [العاديات: 3]؛ أي: يغير أهلها على العدو في وقت الصباح، وهذا أمر أغلبي؛ أي غالبًا ما تكون الإغارة في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدو أن يكون في الصباح؛ لأن العدو غالبًا يكون في غفلة ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كسل وعلى إعياء. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُغِير على قوم في الليل؛ بل ينتظر، فإذا أصبح؛ إن سمع أذانًا كفَّ وإلا أغار. وفيه أيضًا: البركة في البكور. قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ [العاديات: 4]؛ أي: فهيجن من الإثارة الغبار بذلك العدو، أو المكان الذي حلت فيه. تعلمنا هذه الآية: أن يكون لك أثر في كل مكان لخدمة هذا الدين العظيم. وهذا الغبار له فضل عند الله تعالى، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسهما النار)) ((ولا يجتمع غبار في سبيل الله مع نار جهنم))؛ [رواه البخاري]. قوله: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ [العاديات: 5]؛ أي: فتوسطن براكبهن جموع العدو، وتوسطته؛ بسبب الغبار الذي هيجته، وهذا دليل على أنهم مقدمون على الأعداء، ودليل على شجاعتهم؛ فلم يقفوا على الأطراف؛ ليكون سهلًا للفرار! ثانيًا: آيات القسم الثاني: بعد الكلام عن معالي الأمور، وذروة سنام الإسلام، وحال الخيل في أرض الجهاد، وبعد أن أقسم بالأشياء العظيمة لتأكيد هذا الأمر؛ وهو: قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6]؛ أي: لكفور جحود لنعم ربه عليه، وهو جواب القسم، وهذا الجواب: أكد بثلاثة مؤكدات: واو القسم، وإن، اللام. عن الحسن البصري: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ قال: "هو الكفور الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه". تعلمنا هذه الآية: لا تكن الخيل أفضل منك أيها الإنسان الجحود! وهذا يدعو الإنسان: أن يسأل نفسه: ما هي أحواله من نعم الله تعالى عليه؟ • ما هي صفات الإنسان الكنود؟ 1- لا ينظر إلا للمفقود؛ وهذه من أخطر أسباب التعاسة والشقاء: أن ينظر إلى ما ينقصه ولا ينظر إلى ما يملكه! وصدق القائل عن أحوال الناس في هذا الزمان: "الفقر في قلوبهم، ولكن في أيديهم ما يكفيهم". نعم الله تعالى ليست محصورة في المال؛ فقد تعطى المال وتحرم غيره؛ عن يونس بن عبيد رحمه الله: أن رجلًا شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف، وأنت تشكو الحاجة!". تأمل معي أخي الحبيب، وسل نفسك هذه الأسئلة؛ لتعرف كثرة نعم الله عليك: ألست اليوم أنت تقوم وحدك؟ وتجلس وحدك؟ وتمشي وحدك؟ وتقضي حوائجك وحدك؟ وتشرب كوب الماء وحدك دون مساعدة أحد؟ وتنظر وتسمع وتتكلم؟ وتنام مرتاحًا ولا تشعر بألم؟ هذه والله نعم حرم منها الكثير من الناس اليوم. 2- ومن صفات الكنود: أنه لا ينظر إلا لما في أيدي الناس، والتوجيه القرآني: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131]، والتوجيه النبوي كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم)) وفي راوية: ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه))، قال عون بن عبدالله رحمه الله: "صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر همًّا مني، أرى دابةً خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت". 3- ومن صفات الكنود: ينسب النعم لغير المنعم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب)). 4- ومن صفات الكنود: عدم شكر النعم، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. قوله: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [العاديات: 7]؛ أي: وإن الإنسان على كنوده وجحوده يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، وقيل: الضمير عائد على الله تعالى؛ لكن سياق الآيات يدل على أنه عائد على الإنسان الجحود. يشهد على ذلك: بأقواله وأفعاله وما يخفيه في صدره؛ فهو كنود بلسانه: بكثرة التشكي وكثرة عبارات التسخط، وإعلان الحاجة والفلس دائمًا، وكنود بقلبة: بكثرة التسخط والاعتراض على قدر الله تعالى، وكنود بأفعاله: لا يظهر نعم الله عليه! قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]؛ أي: إن الإنسان لأجل حب المال لبخيل ممسك. والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وسمي المال خيرًا؛ لأنه يفعل به الخير، أو يظن الناس فيه الخير. ومن شدة حب المال: ربما يظلم، ويعتدي، ويسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام! ومن شدة حب المال: يبخل به، ويبخس الناس حقوقهم! ولماذا جحد الإنسان نعم ربه؟ لأنه غفل عن الآخرة؛ ولذلك جاءت آيات القسم الثالث: وعيدًا وتذكيرًا لهذا الكنود ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور. ثالثًا: آيات القسم الثالث: بعد أن ذكر أحوال المجاهدين، ثم الذين يجحدون ويبخلون، جاء التهديد لهذا الكنود: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾ [العاديات: 9]؛ أي: هذا الإنسان إذا بعث من القبر للحساب والجزاء. قوله: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات: 10]؛ أي: واستخرج وأظهر ما في صدره من خير أو شر، فكما أن الأجساد أخرجت، فكذلك ما في الصدور. تعلمنا هذه الآية: منزلة القلوب، وأهمية الاعتناء بها؛ كما قال: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [الطارق: 9]؛ ففي الدنيا الأحكام على الظاهر، لكن في الآخرة المعاملة بما في القلوب. قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 11]؛ أي: عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه؛ فهذا وعد ووعيد؛ وعد لمن آمن وعمل صالحًا، ووعيد لمن كفر بالله وجحد نعمه! إنسان يقدم ويبذل، والآخر يجحد ويبخل، والله تعالى خبير بهم، ويعلم أحوالهم. نسأل الله في عليائه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلِّ اللهم على نبينا محمد. رمضان صالح العجرمي يتبع وقفات تربوية مع سورة الهمزة |
|
|
|
|
|
|
#4 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
![]() وقفات تربوية مع سورة البلد يقول الله تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 1 - 3]. • افتتحها الله تعالى بقسم عظيم على حقيقة ثابتة؛ والقسم هو: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم، والله جل جلاله يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأما العبد فلا يقسم إلا بالله، فمن الأمور التي اعتبرها الشرع شركًا: الحلف بغير الله تعالى؛ لأن الحلف كما ذكرنا لا يكون إلا بمعظم، وهذا لا يكون إلا لله تعالى؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الحاكم]. • فمن أقسم بغير الله تعالى من المخلوقات، فقد اتخذ ذلك المحلوف به شريكًا لله وكفر بالله؛ لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا به أو بصفة من صفاته؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر النهي عن هذه الصور من الحلف بغير الله تعالى؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت))، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يحلف بأبيه، فقال: ((لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله))؛ [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]، وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من حلف بالأمانة)). • والله عز وجل إذا أقسم بشيء فهو لبيان عظمته، ولبيان نعمته ومنته؛ والمعنى: أنه يلفت نظر العباد بالذي أقسم به، وأقسم عليه. وهنا أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء. قوله: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1]؛ أي: أقسم بهذا البلد؛ وهي مكة، و[لا] هنا ليست للنفي، وإنما هي لتوكيد القسم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 75، 76]، وكما قالت عائشة رضي الله عنها: "لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط"؛ [متفق عليه]. • والمراد بـ(البلد): مكة بإجماع المفسرين، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله تعالى: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 1 - 3]. • وهذا فيه بيان لفضل مكة؛ حيث إنها أفردت لها هذه السورة باسمها، وأقسم الله تعالى بها لبيان حرمتها وشرفها ومكانتها؛ فهي البلد الأمين، وهي البلد الحرام، وفيها بيته الحرام؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: "الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه"، قال: ((أليست بالبلدة الحرام؟)) قلنا: "بلى"؛ [متفق عليه]. قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 2]؛ أي: وأنت يا محمد حلال بهذا البلد، وهي مكة، تفعل ما شئت من القتل أو العفو عن الكفار، وهذا فيه وعد وبشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيفتح مكة، وسينصره الله تعالى على كفار قريش. • وقيل: معناه: أقسم بمكة حال حلولك فيها، فيكون تعظيمًا للمقسم به. • وقيل: أي وأنت مستحل من كفار قريش. قوله: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 3]؛ أي: وأقسم بكل والد، وبكل مولود، ومنهم آدم عليه السلام وذريته، فقد تضمن هذا القسم: أصل المكان؛ وهي مكة، وأصل السكان؛ وهم آدم عليه السلام وذريته. • وفيها فضل آدم عليه السلام وذريته؛ حيث إن الله تعالى أقسم به وبذُريته، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون. قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]، وهذا هو جواب القسم؛ أي: أنه سبحانه وتعالى خلق جنس الإنسان في مشقة ونَصَب وتعب وشدة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. • فمنذ أن يولد يكابد ضغطة الخروج من بطن أمه، ثم يستهل صارخًا من مسة الشيطان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها))، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران: 36]. • ثم يكابد قطع حبل سُرَّته، ثم إذا قمط يكابد الضيق والتعب، ويكابد الارتضاع، ثم يكابد الختان، ويكابد الأوجاع والأمراض، ثم يكابد نبات أسنانه، ثم يكابد الفطام. • ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وشدته، ثم يكابد الأشغال والأعمال وطلب الأرزاق، ثم يكابد أمر الزواج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، ويكابد بناء السكن، وإن كانت أنثى تكابد آلام الحيض وثقل الحمل وشدة الولادة، ثم تكابد الرضاع والتربية، وتكابد أعمال البيت والقيام بحقوق الزوج، فلا يسلم أحد طوال حياته من الأمراض والهموم والأحزان، وغيرها من أنواع المكابدة. • ثم إن طال عمره أصابه الكبر والهرم، ثم يضعف جسده؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54]. • ثم عند الموت يكابد السكرات وشدة الموت: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات))؛ قيل لأحدهم عند احتضاره: كيف تجد نفسك؟ قال: "أجد أن السماء أطبقت على الأرض وكأني أتنفس من ثقب إبرة"؛ فلا أحد يسلم من التعب والنصب في هذه الدنيا منذ خروجه من بطن أمه إلى وفاته؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]. • وهذا فيه تسلية لأهل المصائب والابتلاءات؛ فإن الدنيا جُبلت على المعاناة والمكابدة، فلا يظن الفقير أنه وحده الذي يكابد من أجل لقمة العيش؛ فإن الغني يكابد أيضًا من أجل حراسة ماله، ولا يظن المريض أنه وحده الذي يكابد شدة المرض؛ فإن جميع جنس الإنسان في مشقة ونصب وعناء، منذ بداية خلقه حتى مماته ومبعثه ومصيره؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6]، فما دمت في هذه الدار فلا تسلم من الأكدار، سواء كنت غنيًّا أو فقيرًا، من الولادة حتى الوفاة! • وفيه تسلية أيضًا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه مما يكابدونه من قريش، من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا، وأن كل من كان أعظم فهو أشد نَصَبًا. قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾ [البلد: 5]، وهذا استفهام إنكاري؛ أي: أيظن هذا الإنسان أن لن يقدر عليه أحد فينتقم منه؛ كما قال الله تعالى عن عاد: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: 15]، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [فصلت: 15]. قوله: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴾ [البلد: 6]؛ أي: هذا الإنسان يقول فخرًا ومباهاةً وتعظمًا على المؤمنين: أنفقت مالًا كثيرًا، وذلك في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي صدِّ الناس عنه. • وفي الآية: أن الإنسان إذا أنفق المال في غير ما يرضي الله كان ذلك إهلاكًا لماله وإضاعةً له، وإذا أنفقه في وجوه البر والإحسان والخير لم يكن ذلك إهلاكًا له، بل تقرُّبًا به إلى الله، وتوصلًا به إلى رضاه وثوابه؛ قال الألوسي رحمة الله: "وعبر عن الإنفاق بالإهلاك إظهارًا لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعًا". قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ [البلد: 7]؛ أي: أيظن هذا الإنسان حين كان ينفق ماله في غير وجهه أن الله لم يره، ولم يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، فيحاسبه عليه؟ • ثم ذكرنا ربنا بنعم عظيمة يتقلب فيها أكثرنا صباحَ مساءَ، ومع ذلك نغفل عنها وكأنها شيء عادي! الأولى في قوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ [البلد: 8]؛ أي: يبصر بهما؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك: 23]. • فالإنسان كان من العدم، ثم أنعم الله تعالى عليه بنعمة السمع؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]. • نعمة عظيمة لو سلبت من أحدنا لأظلمت دنياه، ولأدرك حينها أنه كان يعيش في بحر من النور وهو لا يشعر؛ ولذلك فإن العين لا تقدر بثمن؛ ولذا سماها الله تعالى: "الحبيبة" و"الكريمة"؛ كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر؛ عوَّضْتُه منهما الجنة))؛ [رواه البخاري]، وفي رواية: ((إن الله عز وجل قال: إذا أخذت كريمتي عبدي)). • ومن أعظم ما يدل على جلال نعمة البصر ما جاء في الأثر: ((أن عبدًا كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويجتهد في العبادة، فلما قيل له يوم القيامة: ادخل الجنة برحمتي، قال: بل بعملي. فقال الله لملائكته: قايسوا بين نعمتي عليه وبين عمله، فوجدت نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت عليه نعمة الجسد فضلًا)). الثانية في قوله: ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾ [البلد: 9]؛ أي: ينطق بهما، ويعبر بهما عما في قلبه. آية عظيمة من آيات الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22]، فبكل سهولة تتكلم وتتحدث، وتخاطب غيرك، وتتعامل مع الآخرين. تخيل كم كلمة تكلمت بها اليوم، أو أمس، أو منذ سنة؟! الثالثة في قوله: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]؛ أي: طريقي الخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، فهو سبحانه الذي يمنُّ بهدايته على من يشاء من عباده، والذي يدل خلقه على معرفة طريق الخير، ويرشدهم إلى ما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة. ![]() واجبات عملية للنجاة من العقبات: أيها المسلمون عباد الله، ثم يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة بعقبات وأهوال سيكابدها الإنسان يوم القيامة، مع بيان واجبات عملية للنجاة من هذه العقبات. قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾ [البلد: 11]؛ أي: فهلا تجاوز العقبة، وهي مشقة الآخرة وأهوالها، وذلك بالإيمان بالله تعالى، وإنفاق المال في وجوه البر والإحسان. قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴾ [البلد: 12]؛ أي: وما أعلمك ما العقبة؟ وهذا التكرار تعظيم لشأنها، وتفخيم لأمرها. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "كل شيء قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾، فإنه أخبر به، وما قال: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾، فإنه لم يخبر به". • ثم بيَّن ربنا سبحانه وتعالى الصفات والأعمال التي تقتحم بها هذه العقبات، وتوصل إلى مرضاته سبحانه وتعالى. قوله: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ [البلد: 13]، فأول الأعمال: فك رقبة؛ وذلك بعتقها وتخليصها من الرق وأسر العبودية، أو مساعدتها على العتق. • ولقد رتَّب الله تعالى أعظم الأجور لمن يعتقون الرقاب؛ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أعتق رقبةً مؤمنةً؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه))؛ [متفق عليه]. والشريعة تتشوف لعتق الرقاب؛ وذلك بأمرين: الأمر الأول: تبديد الروافد؛ وذلك بغلق الطرق الموصلة إلى الرق وحصرها في طريق واحدة وهي أسر الكفار في الحرب فقط، في حين كانت قديمًا تتمثل في طرق كثيرة؛ مثل: استرقاق من عليه الدَّيْن، فجاء الإسلام بتحريم هذه الصورة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، ومنها: استرقاق الجناة عقوبةً لهم على جناياتهم، ومنها: الاستعباد القسري؛ وذلك باسترقاق الأحرار وبيعهم غصبًا، فجاء الإسلام بتحريم ذلك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خَصْمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره))؛ [رواه البخاري]. ومنها: بيع الأولاد، فجاء الإسلام بتحريم ذلك؛ فألغى كل هذه الصور وحصرها في صورة واحدة؛ وهي أسر الكفار المحاربين. الأمر الثاني: التحرير الفعلي؛ ومن ذلك: أنه جعل عتق الرقاب من الكفارات لكثير من الذنوب، وأوجبه في هذه الأحوال. ومنها: أنه جعل مجرد لطم هذا المملوك سببًا لعتقه؛ كما في الحديث: ((من لطم مملوكه، أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه))؛ [رواه مسلم]، ومنها: الحث على العتق استحبابًا، وترتيب أعظم الأجور على ذلك؛ كما مر معنا، ومنها: الحث على مكاتبة العبيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 33]؛ والمكاتب: هو عبد مملوك لسيده يريد العتق، فيكاتب سيده، ويشتري نفسه منه على مبلغ معين من المال على أقساط معلومة إلى أجل، فيكتب بذلك كتابًا ويصير هذا المال دَيْنًا عليه في ذمته، فإن أدَّاه أعتق وصار حُرًّا. وحث الشرع على إعانتهم ورتب أعظم الأجور على ذلك؛ فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته، أظَلَّه الله يوم لا ظلَّ إلا ظله))؛ [رواه أحمد، وصححه الحاكم]، فكل هذه خطوات عملية للعتق. • ومن صور فكِّ الرقاب: فكاك الأسير المسلم عند الكفار، وفك الرقاب من الديون، ومنها: فك رقبة نفسك أنت من النار بالتوبة إلى الله تعالى. • ثم بيَّن ربنا العمل الثاني للنجاة من عقبات ومشقة الآخرة؛ قوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ [البلد: 14]؛ أي: يوم ذي مجاعة شديدة، وذلك بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجةً؛ وذكر منهم صنفين: ﴿ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 15]؛ أي: ذا قرابة، ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 16]؛ أي: فقيرًا معدمًا لا شيء عنده؛ لصق بالتراب من شدة الفقر والحاجة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو المطروح على ظهر الطريق لا بيت له". قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البلد: 17]؛ أي: ثم كان مقتحم العقبة مع فعله للعتق والإطعام: من الذين آمنوا بالله، وأخلصوا له العبادة وحده لا شريك له. • قال العلماء: ﴿ ثُمَّ ﴾ في هذه الآية لترتيب الذكر، وليس للترتيب الزمني؛ لأن الإيمان شرط لقبول الأعمال. قوله: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17]؛ أي: وأوصى بعضُهم بعضًا بالصبر على طاعة الله تعالى، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، وتواصوا أيضًا بالرحمة والعطف والتراحم فيما بينهم. قوله: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد: 18]؛ أي: إن هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات، هم أصحاب اليمين الذين يعطون كتابهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنة. • فأصحاب الميمنة هم أهل الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِين ﴾ [الواقعة: 27 - 40]. قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ [البلد: 19]؛ أي: الذين كفروا بالقرآن هم أصحاب الشمال الذين يأخذون صحائفهم بشمالهم، ويساقون إلى النار، وهم أصحاب الشؤم لغيرهم وعلى أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الواقعة: 41 - 56]، فيندمون شديد الندم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ [الحاقة: 25 - 29]. قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: 20]؛ أي: مطبقة مغلقة عليهم؛ كما قال تعالى في سورة الهمزة: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 8، 9]؛ أي: مغلقة لا فرج لهم؛ وذلك لتقطع رجاء أهل النار من الخروج منها؛ فهؤلاء الذين كفروا سيخلدون في النار أعاذنا الله منها. قال قتادة رحمه الله: "﴿ مُؤْصَدَةٌ ﴾: مطبقة، فلا ضوء فيها، ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد"؛ لأنهم تركوا لأنفسهم الحرية في الدنيا، فكان الجزاء من جنس العمل؛ أن أطبقت عليهم النار وحرموا من حريتهم. • والنار لها سبعة أبواب؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 43، 44]. • فإذا دخلوها أغلقت عليهم، فلا مطمع لهم بالخروج منها؛ كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22]. نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الناجين من النار، وأن يدخلنا الجنة دار الأبرار. رمضان صالح العجرمي |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| سورة المائدة (هدف السورة: الوفاء بالعهود)والاستماع للشيخ أحمد السعيد مندور (المائدة) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 01-17-2026 01:29 PM |
| [وقفات مع سورة الإسراء] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-08-2025 10:05 AM |
| [وقفات مع سورة مريم] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-08-2025 06:30 AM |
| [وقفات مع سورة الزخرف] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-06-2025 05:32 PM |
| [وقفات مع سورة الأعراف]من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-06-2025 01:55 PM |
|
|