استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-01-2026, 12:09 AM   #1
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 124

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي وقفات مع سور( البلد-العاديات- الهمزة )والاستماع للشيخ محمد كامل

      



الشيخ محمد كامل سور البلد العاديات الهمزة
دولة التلاوة



وقفات مع سورة البلد


عباد الله نعيش في رحاب سورة البلد كي نرى سوياً كيف هي سنة الله في الابتلاء وفي البناء، عسى أن تكون مثبتة لنا لنصل إلى غايتنا.

1-سنة التعب وبناء البلد

قال الله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 1-4]. أقسم الله تعالى أن الإنسان خلق في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح، إذ تبدأ رحلة المشقة في حياة الإنسان من الخلية الأولى حين تستقر في الرحم لتبدأ معها مسيرة الكبد والكدح، لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء بإذن ربها، وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض إلى جانب ما تذوقه الوالدة من ألم،
وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى يكاد يختنق في مخرجه من الرحم، ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر، يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية،
وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة، ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد، وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة. وعند بروز الأسنان كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد. ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاقّ، هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره، وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف . . وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوة ونزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وهذا يكدح إلى الجنة . . والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء. إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله.

2- اقتحام المشاق للذود عن البلد

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق: 6-15].

ومن إشارات هذه الآية:


- الأجر على قدر التعب والكبد: ففي الحديث الصحيح: (قالتْ عائشةُ رضي اللهُ عنها : يا رسولَ اللهِ، يَصدُرُ الناسُ بنُسُكَينِ وأَصدُرُ بنُسُكٍ ؟ فقيل لها : انتَظِري، فإذا طَهُرتِ فاخرُجي إلى التَّنعيمِ فأهِلِّي، ثم ائتينا بمكانِ كذا، ولكنَّها على قدْرِ نفقتِك أو نَصَبِك). [ 1 ] أي :ثواب عمرتك على قدر تعبك.


- المشقة اختبار من الله، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].


- المتاعب والمشاق والمحن تجلب معها التيسير والمنح، ففي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا للمؤمنِ لا يقضي اللَّهُ لَهُ شيئًا إلَّا كانَ خيرًا لَهُ). [ 2 ] وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمرِ المؤمنِ . إن أمرَه كلَّه خيرٌ . وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ . إن أصابته سراءُ شكرَ . فكان خيرًا له . وإن أصابته ضراءُ صبر . فكان خيرًا له). [ 3 ]


- تشير سورة البلد وهي تتحدث عن التعب أن بِناء البلد وتشييده يحتاج إلى تعب وكبد مع كره في خوض غمار القتال للذود عن البلد.


- وتشير سورة البلد وقد جاء قبلها سورة الفجر وبعدها سورة الشمس، أن البلد بناؤه بحاجة إلى العمل الجاد من أبنائه منذ الفجر الباكر، وبذل العرق تحت أشعة الشمس، رغم ما في ذلك من كبد.


لقد كابد صحابة رسول الله مع نبيهم أشد المكابدة وواصلوا الليل بالنهار من أجل عمارة الأرض بدين الله، بذلوا الغالي والنفيس، وتركوا أموالهم وديارهم، وبعضهم ترك أهله، وأمضوا هذه الحياة في تعب يتلوه تعب، حتى لاقوا ربهم، وما شكى أحد منهم يوماً، وما سئموا العمل، ولا ملُّوا من طول المدة، ذلك لأنهم علموا أن المدة في هذه الحياة قصيرة مهما طالت، وهاهم بالفعل لاقوا ربهم وارتاحوا من عناء هذه الدنيا ليرتاحوا أبد الأبد في جنة عالية بجوار الفرد الصمد.


وهذا السعي في بناء البلد ربما يدفعنا إلى الخوض واقتحام المشاق والصعوبات والعقبات، {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد:11]. بدأ من الجهاد في سبيل تحرير أرض البلد من الطغاة والبغاة والغلاة والمعتدين، إلى بناء مرافق البلد وحضارته،

قال الشاعر:

ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
فبغير اقتحام المشاق لن نصل إلى بناء البلد، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خاض الغمار في الغزوات لتحرير البلد فقُتل عمه وأصحابه وهو يقتحم تلك الغمار، ولاقى العقبات والمصاعب، وفي قلب المعركة وهو المطلوب الأول يكشف اللثام عن وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم ويقول: (أنا النبيُّ لا كذِبَ ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ). [ 4 ]

ليس هذا فحسب بل خاض غمار المتاعب في بناء مرافق البلد أيضا، فحمل الحجارة مع أصحابه لبناء المسجد، وهم يرتجزون:


اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فهلا خضنا الغمار كما خاضوا، وهلا بذلنا الجهد كما بذلوا.

3- صفة أهل البلد

تعرض سورةُ البلد صورةَ أهلهِ المحبوبةِ عند الله، وأنهم ساعين في الخيرات، من إعتاق الرقاب، وقضاء حاجات الفقراء والأيتام والمساكين، قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11- 16].


إن عمارة البلد تحتاج سعينا فيما يحب ربنا من إطعام الجائعين، والمساكين، وسعينا في فك رقاب المسجونين، وكسر الحصار عن المحاصرين. فهذا الأفعال عمارة لبلدنا وزاد لنا حتى ننجو من عقبات الآخرة، وتنعتق رقابنا من النار.


وختام صفات أهل البلد المحبوبين عن الله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}
إيمان يجمع أهل البلد ويربطهم بأوثق رابطة، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وتواص بالصبر على المتاعب حتى نصل إلى بناء البلد، وتواصوا بالمرحمة في التعامل مع الناس حتى يزدهر هذا البلد، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

اللهم نسألك، بكلماتك في سورة البلد، أن تحرر بلدنا من رجس الأرجاس والأنجاس، وأن تحرر معتقلينا من سجون الطغاة الأوباش، وأن تردنا إلى دينك والمسلمين ردا حسنا جميلا، اجعلنا من أهل الصبر، واجعلنا من الرحماء، والحمد لله رب العالمين.

رابطة خطباء الشام

يتبع
وقفات تربوية مع سورة العاديا

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع

امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2026, 12:10 AM   #2
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 124

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

وقفات تربوية مع سورة العاديات


الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده؛ ليكون للعالمين نذيرًا، وجعله برهانًا ونورًا مبينًا، فهدى به من شاء من عباده إلى سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على من نزل القرآن على قلبه؛ فكان قلبه أزكى القلوب وأطهرها وأزكاها وأنقاها وأخشاها، وبعد:

فإن القرآن الكريم جاء موعظةً للعباد، وشفاءً لما فى الصدور؛ قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57].

وإن من أعظم أسباب صلاح القلوب، وتزكية النفوس: الحرص على تدبر آيات القرآن الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، فإن التدبر يورث اليقين، ويزيد الإيمان، وهو طريق إلى العمل بما في القرآن من المأمورات، والكف عن المنهيات، وهو سبيل إلى الاعتبار والاتعاظ بأمثاله وقصصه، وكل ذلك يزيد القلب تعظيمًا للقرآن الكريم، يقول ابن القيم رحمه الله: "ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته".

ومن هذا المنطلق نقف هذه الوقفات مع سورة من قصار السور؛ ألا وهي: [سورة العاديات] ومع قلة عدد آياتها إلا أن فيها دروسًا وعبرًا لا تحصى!

• سورة العاديات: هي سورة مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آيةً، والغريب أنها تتحدَّث عن الجهاد!

اشتملت السورة على ثلاثة موضوعات؛ ولذلك يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1- آيات القسم: مشهد الخيل وهي تجري في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فقد صور الله تعالى هذا المشهد بأدق التفاصيل.
2- جواب القسم: وهو جحود الإنسان وحبه الشديد للدنيا.
3- خاتمة السورة: وعيد وتذكير ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور.

أولًا: آيات القسم الأول:
بدأت السورة بأسلوب قسم؛ فالواو من حروف القسم، والعظيم سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بالشيء العظيم، وهو سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته: المرسلات، الفجر، الضحى، الليل، الشمس؛ وفيها أطول قسم.

وهنا أقسم الله تعالى: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ [العاديات: 1]؛ أي: الجاريات من العَدْو والجري؛ فذكر الوصف ولم يذكر الموصوف، وأشهر التفاسير أنها: الخيل حين تعْدُو بسرعة، والضبح: هو صوت أنفاسها في صدرها عند اشتداد عدوها.

تعلمنا هذه الآية: المسارعة والمسابقة في أبواب الخير؛ تقول لك: تعلم من الخيل في عدوها في سبيل الله الجري والمسارعة في الطاعات وأبواب الخير؛ كما قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿ سَابِقُوا ﴾ [الحديد: 21]، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148].

قوله: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ [العاديات: 2]؛ أي: النار التي تخرج من أثر احتكاكهن بالحجارة خلال عدوها بسرعة؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ [الواقعة: 71].

تعلمنا هذه الآية: القوة في كل شيء؛ ففيها دليل على قوة الخيل في الجري؛ لدرجة أن اصطكاك حافرها بالصخر يقدح شررًا، وفيه دليل على إقبال راكبها نحو العَدْو.

قوله: ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ [العاديات: 3]؛ أي: يغير أهلها على العدو في وقت الصباح، وهذا أمر أغلبي؛ أي غالبًا ما تكون الإغارة في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدو أن يكون في الصباح؛ لأن العدو غالبًا يكون في غفلة ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كسل وعلى إعياء.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُغِير على قوم في الليل؛ بل ينتظر، فإذا أصبح؛ إن سمع أذانًا كفَّ وإلا أغار.

وفيه أيضًا: البركة في البكور.

قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ [العاديات: 4]؛ أي: فهيجن من الإثارة الغبار بذلك العدو، أو المكان الذي حلت فيه.

تعلمنا هذه الآية: أن يكون لك أثر في كل مكان لخدمة هذا الدين العظيم.

وهذا الغبار له فضل عند الله تعالى، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسهما النار)) ((ولا يجتمع غبار في سبيل الله مع نار جهنم))؛ [رواه البخاري].

قوله: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ [العاديات: 5]؛ أي: فتوسطن براكبهن جموع العدو، وتوسطته؛ بسبب الغبار الذي هيجته، وهذا دليل على أنهم مقدمون على الأعداء، ودليل على شجاعتهم؛ فلم يقفوا على الأطراف؛ ليكون سهلًا للفرار!

ثانيًا: آيات القسم الثاني:
بعد الكلام عن معالي الأمور، وذروة سنام الإسلام، وحال الخيل في أرض الجهاد، وبعد أن أقسم بالأشياء العظيمة لتأكيد هذا الأمر؛ وهو:
قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6]؛ أي: لكفور جحود لنعم ربه عليه، وهو جواب القسم، وهذا الجواب: أكد بثلاثة مؤكدات: واو القسم، وإن، اللام.

عن الحسن البصري: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ قال: "هو الكفور الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه".

تعلمنا هذه الآية: لا تكن الخيل أفضل منك أيها الإنسان الجحود! وهذا يدعو الإنسان: أن يسأل نفسه: ما هي أحواله من نعم الله تعالى عليه؟
• ما هي صفات الإنسان الكنود؟
1- لا ينظر إلا للمفقود؛ وهذه من أخطر أسباب التعاسة والشقاء: أن ينظر إلى ما ينقصه ولا ينظر إلى ما يملكه! وصدق القائل عن أحوال الناس في هذا الزمان: "الفقر في قلوبهم، ولكن في أيديهم ما يكفيهم".

نعم الله تعالى ليست محصورة في المال؛ فقد تعطى المال وتحرم غيره؛ عن يونس بن عبيد رحمه الله: أن رجلًا شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف، وأنت تشكو الحاجة!".

تأمل معي أخي الحبيب، وسل نفسك هذه الأسئلة؛ لتعرف كثرة نعم الله عليك: ألست اليوم أنت تقوم وحدك؟ وتجلس وحدك؟ وتمشي وحدك؟ وتقضي حوائجك وحدك؟ وتشرب كوب الماء وحدك دون مساعدة أحد؟ وتنظر وتسمع وتتكلم؟ وتنام مرتاحًا ولا تشعر بألم؟ هذه والله نعم حرم منها الكثير من الناس اليوم.

2- ومن صفات الكنود: أنه لا ينظر إلا لما في أيدي الناس، والتوجيه القرآني: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131]، والتوجيه النبوي كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم)) وفي راوية: ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه))، قال عون بن عبدالله رحمه الله: "صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر همًّا مني، أرى دابةً خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت".

3- ومن صفات الكنود: ينسب النعم لغير المنعم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب)).

4- ومن صفات الكنود: عدم شكر النعم، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [العاديات: 7]؛ أي: وإن الإنسان على كنوده وجحوده يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، وقيل: الضمير عائد على الله تعالى؛ لكن سياق الآيات يدل على أنه عائد على الإنسان الجحود.

يشهد على ذلك: بأقواله وأفعاله وما يخفيه في صدره؛ فهو كنود بلسانه: بكثرة التشكي وكثرة عبارات التسخط، وإعلان الحاجة والفلس دائمًا، وكنود بقلبة: بكثرة التسخط والاعتراض على قدر الله تعالى، وكنود بأفعاله: لا يظهر نعم الله عليه!

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]؛ أي: إن الإنسان لأجل حب المال لبخيل ممسك.

والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وسمي المال خيرًا؛ لأنه يفعل به الخير، أو يظن الناس فيه الخير.

ومن شدة حب المال: ربما يظلم، ويعتدي، ويسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام!

ومن شدة حب المال: يبخل به، ويبخس الناس حقوقهم!

ولماذا جحد الإنسان نعم ربه؟ لأنه غفل عن الآخرة؛ ولذلك جاءت آيات القسم الثالث: وعيدًا وتذكيرًا لهذا الكنود ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور.

ثالثًا: آيات القسم الثالث:
بعد أن ذكر أحوال المجاهدين، ثم الذين يجحدون ويبخلون، جاء التهديد لهذا الكنود: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾ [العاديات: 9]؛ أي: هذا الإنسان إذا بعث من القبر للحساب والجزاء.

قوله: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات: 10]؛ أي: واستخرج وأظهر ما في صدره من خير أو شر، فكما أن الأجساد أخرجت، فكذلك ما في الصدور.

تعلمنا هذه الآية: منزلة القلوب، وأهمية الاعتناء بها؛ كما قال: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [الطارق: 9]؛ ففي الدنيا الأحكام على الظاهر، لكن في الآخرة المعاملة بما في القلوب.

قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 11]؛ أي: عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه؛ فهذا وعد ووعيد؛ وعد لمن آمن وعمل صالحًا، ووعيد لمن كفر بالله وجحد نعمه! إنسان يقدم ويبذل، والآخر يجحد ويبخل، والله تعالى خبير بهم، ويعلم أحوالهم.

نسأل الله في عليائه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلِّ اللهم على نبينا محمد.


رمضان صالح العجرمي



يتبع
وقفات تربوية مع سورة الهمزة
امانى يسرى محمد متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة امانى يسرى محمد ; 02-01-2026 الساعة 12:13 AM.

رد مع اقتباس
قديم 02-01-2026, 08:04 PM   #3
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 124

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

الشيخ أحمد علي سور البلد العاديات الهمزة
دولة التلاوة







وقفات تربوية مع سورة الهمزة
1- صفات حذَّر منها الله تعالى في سورة الهمزة.
2- بيان شدة عذاب أصحاب هذه الصفات.

الهدف من الخطبة:
التحذير من الهمز واللمز، وحب المال مع الانشغال به، والبخل به.

مقدمة ومدخل للموضوع:
أيها المسلمون عباد الله، نعيش هذه اللحظات مع سورة قصيرة من كتاب الله نتدبر معانيها، ونتفكر في آياتها؛ لعل الله يوقظ قلوبنا بنورها، ويهدي بصائرنا بهدايتها؛ إنها سورة الهمزة، وهي سورة مكية، وعدد آياتها تسع آيات.

يقول الله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 1 - 9].

فموضوع السورة: التحذير من صفات سيئة؛ وهي السخرية بالآخرين، وحب المال مع الانشغال به والبخل به، وبيان عاقبة ذلك.

ومناسبة السورة لما قبلها، وما بعدها:
قبلها سورة العصر: وتتحدث عن انقسام الناس إلى فريقٍ في خسران وهم أكثر، وفريق من الناجين.

وسورة الهمزة: تتحدث عن أوصاف الذين خسروا: همزة، لمزة، جمع مالًا وعدده، يحسب أن ماله أخلده.

وبعدها سورة الفيل: تتكلم عن نموذج من أولئك الخاسرين، وهو أبرهة الذي جمع مالًا، وحاول أن يهدم الكعبة؛ فأهلكه الله تعالى في الدنيا.

وبدأت السورة بأسلوب الدعاء، وفواتح السور عشرة أنواع: النداء، والثناء، والدعاء، والشرط، والاستفهام، والخبر، والحروف المقطعة، والأمر، والقسم، والتعليل.

وهذه السورة افتتحها الله تعالى بالدعاء؛ كما افتتح سورة المطففين: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين: 1]، وافتتح سورة المسد: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد: 1].

قوله: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1] بدأت الآية بداية مرعبة؛ حيث ذكر العقاب قبل ذكر الفعل، والويل كلمة وعيد ووبال وتهديد بالعذاب، وقيل: وادٍ في جهنم.

الهمزة: هو الذي يهمز الناس باللسان، واللمزة: هو الذي يهمز الناس بالفعل؛ فهو جمع بين الشرين بلسانه ويده.

وقيل: أنهما بمعنًى واحد.

وقيل: أن الهمز: هو العيب والطعن في الوجه، واللمز: يكون في الغيبة.

تُعلمنا الآية: أن نحفظ ألسنتنا من آفاتها الخطيرة؛ فالآية فيها ذم الذين يسخرون من الناس، والسخرية والاستهزاء من أخطر آفات اللسان؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]، وفي الحديث: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقِر أخاه المسلم))؛ [رواه مسلم].

ومن صور السخرية والاستهزاء: السخرية من الناس لعيبٍ في خلقتهم وصورتهم؛ وهذا لا يليق بالمؤمن الموقن بأن الله تعالى هو الخالق: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14].

وتأمل خطورة هذا الأمر: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: لقد قلتِ كلمةً لو مُزجت بماء البحر لَمزجته، قالت: وحكيت إنسانًا، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما يسرني أني حاكيت إنسانًا، ولي كذا وكذا))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني].

ومن صور السخرية والاستهزاء: الاستهزاء بالمقصِّرين المذنبين من المسلمين، فكلنا مذنبون وكلنا مقصرون؛ والله تعالى يقول: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم: 32]؛ أي: لا تمدحوها معجبين بها.

فبعض الناس ينظرون للمذنب نظرةَ احتقار، لكن الصحيح أن تحتقر وتبغض المعصية، لكن لا تحكم عليه بعدم مغفرة؛ ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألَّا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك)).

ولقد كان سلفنا الصالح يحفظون ألسنتهم خوفًا من الوقوع في الإثم، وحذرًا من الوقوع في عيوب أهل العيوب؛ فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه من أشد الناس في ذلك حتى نُقل عنه قوله: "لو سخِرت من كلب، لَخشيتُ أن أكون كلبًا"، وجاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: "لو رأيت رجلًا يرضع شاةً في الطريق فسخرت منه، خفت ألَّا أموت حتى أرضعها"؛ [رواه ابن أبي شيبة]، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: "إني لأرى الشيء مما يُعاب، ما يمنعني من غيبته إلا مخافةَ أن أُبتلى بمثله"، وقال يحيى بن جابر رحمه الله: "ما عاب رجل رجلًا قط بعيب، إلا ابتلاه الله بمثل ذلك العيب".

ثم ذكر وصفًا آخر من أوصافه، وسببًا من أسباب ذلك: جمع الأموال والاغترار بها؛ فقال تعالى: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ [الهمزة: 2]؛ أي: جمع الأموال من الحلال والحرام، وظل يعدها، ويحسبها، ويدوِّنها، ويسجلها، مشغول الليل والنهار بها.

والإنسان قد جُبل على حب المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]، والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وقال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14].

وفي الحديث الصحيح: ((ولو كان لابن آدم وادٍ، لأحبَّ أن يكون إليه ثانٍ، ولو كان له واديان، لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب)).

ومن شدة حب المال: ربما يقع في الظلم، أو يعتدي، أو يسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام، ومن شدة حب المال: قد يبخل به، ويبخس الناس حقوقهم.

والمال هو فتنة هذه الأمة؛ فعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن لكل أمة فتنةً، وفتنة أمتي المال))؛ [رواه أحمد، والترمذي]، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسدَ لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه))؛ [رواه الترمذي]، والمعنى: إن حرص المرء على المال والرياسة والزعامة أكثر فسادًا لدينه من الذئبين للغنم.

ولماذا هذا الانشغال بجمع المال؟ لأنه يحسب أن ماله سيخلده؛ قال تعالى: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ [الهمزة: 3].

وهذا ظنٌّ ومفهوم خاطئ؛ فإن كثرة جمع الأموال غالبًا لا تقرب إلى الله، بل ربما كانت أعظم الملهيات عن ذكر الله وطاعته والجهاد في سبيله؛ وفي هذا يقول تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37].

وربما كان هذا المال سببًا في طغيانه ونسيانه للآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ [العلق: 6 - 8].

فما هو مصير هؤلاء؟ هذا ما تُجيبنا عليه بقية السورة.

نسأل الله العظيم ألَّا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلَغَ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
الخطبة الثانية
في بيان شدة عذاب أصحاب هذه الصفات المذمومة:
قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ [الهمزة: 4]، والحطمة: من أسماء جهنم؛ وسُميت بالحطمة لأنها تكسِر العظام وتحطمها.

يساقون إليها سوقًا عنيفًا، فيه زجر وتهديد ووعيد؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ [الطور: 13]، وقال تعالى: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 86]، وذكر الله تعالى أحوالهم عندما يدخلون فيها: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾ [الإسراء: 97].

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴾ [الهمزة: 5]؛ الاستفهام للتفخيم والتهويل من أمرها.

ثم فسرها بقوله: ﴿ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴾ [الهمزة: 6]؛ فالنار موقدة منذ آلاف السنين، أُوقد عليها ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى اسودَّت؛ فهي سوداء مظلمة.

وقودها من الأحجار والكفار؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 10].

ثم قال تعالى: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 7]، وذكر الفؤاد؛ قالوا: لأن القلب أشد أعضاء البدن حساسيةً وتألمًا، وقيل: معنى تطلع على الأفئدة؛ أي: إنها تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وقيل: لأن النار إذا وصلت للفؤاد أمرها الله تعالى بالكف، وأمر الجسد أن يبدل جلده؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56].

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 8، 9]؛ أي مغلقة؛ كما قال تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: 20]؛ وذلك لتقطع رجاء أهل النار من الخروج منها، فهذا الذي يحسب أن ماله يخلده، سيخلد في النار، أعاذنا الله منها، وقيل: هي سوارٍ يُقيَّد عليها أهل النار.

وعدد أبوابها سبعة أبواب؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 43، 44].

فإذا دخلوها أُغلقت عليهم، فلا مطمع لهم بالخروج منها؛ كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22].

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الناجين من النار، وأن يدخلنا الجنة دار الأبرار.



رمضان صالح العجرمي
شبكة الالوكة
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-20-2026, 04:24 AM   #4
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 124

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      



وقفات تربوية مع سورة البلد

يقول الله تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 1 - 3].

افتتحها الله تعالى بقسم عظيم على حقيقة ثابتة؛ والقسم هو: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم، والله جل جلاله يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأما العبد فلا يقسم إلا بالله، فمن الأمور التي اعتبرها الشرع شركًا: الحلف بغير الله تعالى؛ لأن الحلف كما ذكرنا لا يكون إلا بمعظم، وهذا لا يكون إلا لله تعالى؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الحاكم].

فمن أقسم بغير الله تعالى من المخلوقات، فقد اتخذ ذلك المحلوف به شريكًا لله وكفر بالله؛ لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا به أو بصفة من صفاته؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر النهي عن هذه الصور من الحلف بغير الله تعالى؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت))، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يحلف بأبيه، فقال: ((لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله))؛ [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]، وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من حلف بالأمانة)).

والله عز وجل إذا أقسم بشيء فهو لبيان عظمته، ولبيان نعمته ومنته؛ والمعنى: أنه يلفت نظر العباد بالذي أقسم به، وأقسم عليه. وهنا أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء.

قوله: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1]؛ أي: أقسم بهذا البلد؛ وهي مكة، و[لا] هنا ليست للنفي، وإنما هي لتوكيد القسم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 75، 76]، وكما قالت عائشة رضي الله عنها: "لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط"؛ [متفق عليه].

والمراد بـ(البلد): مكة بإجماع المفسرين، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله تعالى: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 1 - 3].

وهذا فيه بيان لفضل مكة؛ حيث إنها أفردت لها هذه السورة باسمها، وأقسم الله تعالى بها لبيان حرمتها وشرفها ومكانتها؛ فهي البلد الأمين، وهي البلد الحرام، وفيها بيته الحرام؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: "الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه"، قال: ((أليست بالبلدة الحرام؟)) قلنا: "بلى"؛ [متفق عليه].

قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 2]؛ أي: وأنت يا محمد حلال بهذا البلد، وهي مكة، تفعل ما شئت من القتل أو العفو عن الكفار، وهذا فيه وعد وبشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيفتح مكة، وسينصره الله تعالى على كفار قريش.

وقيل: معناه: أقسم بمكة حال حلولك فيها، فيكون تعظيمًا للمقسم به.

وقيل: أي وأنت مستحل من كفار قريش.

قوله: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 3]؛ أي: وأقسم بكل والد، وبكل مولود، ومنهم آدم عليه السلام وذريته، فقد تضمن هذا القسم: أصل المكان؛ وهي مكة، وأصل السكان؛ وهم آدم عليه السلام وذريته.

وفيها فضل آدم عليه السلام وذريته؛ حيث إن الله تعالى أقسم به وبذُريته، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون.

قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]، وهذا هو جواب القسم؛ أي: أنه سبحانه وتعالى خلق جنس الإنسان في مشقة ونَصَب وتعب وشدة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.

فمنذ أن يولد يكابد ضغطة الخروج من بطن أمه، ثم يستهل صارخًا من مسة الشيطان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها))، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران: 36].

ثم يكابد قطع حبل سُرَّته، ثم إذا قمط يكابد الضيق والتعب، ويكابد الارتضاع، ثم يكابد الختان، ويكابد الأوجاع والأمراض، ثم يكابد نبات أسنانه، ثم يكابد الفطام.

ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وشدته، ثم يكابد الأشغال والأعمال وطلب الأرزاق، ثم يكابد أمر الزواج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، ويكابد بناء السكن، وإن كانت أنثى تكابد آلام الحيض وثقل الحمل وشدة الولادة، ثم تكابد الرضاع والتربية، وتكابد أعمال البيت والقيام بحقوق الزوج، فلا يسلم أحد طوال حياته من الأمراض والهموم والأحزان، وغيرها من أنواع المكابدة.

ثم إن طال عمره أصابه الكبر والهرم، ثم يضعف جسده؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54].

ثم عند الموت يكابد السكرات وشدة الموت: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات))؛ قيل لأحدهم عند احتضاره: كيف تجد نفسك؟ قال: "أجد أن السماء أطبقت على الأرض وكأني أتنفس من ثقب إبرة"؛ فلا أحد يسلم من التعب والنصب في هذه الدنيا منذ خروجه من بطن أمه إلى وفاته؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4].

وهذا فيه تسلية لأهل المصائب والابتلاءات؛ فإن الدنيا جُبلت على المعاناة والمكابدة، فلا يظن الفقير أنه وحده الذي يكابد من أجل لقمة العيش؛ فإن الغني يكابد أيضًا من أجل حراسة ماله، ولا يظن المريض أنه وحده الذي يكابد شدة المرض؛ فإن جميع جنس الإنسان في مشقة ونصب وعناء، منذ بداية خلقه حتى مماته ومبعثه ومصيره؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6]، فما دمت في هذه الدار فلا تسلم من الأكدار، سواء كنت غنيًّا أو فقيرًا، من الولادة حتى الوفاة!

وفيه تسلية أيضًا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه مما يكابدونه من قريش، من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا، وأن كل من كان أعظم فهو أشد نَصَبًا.

قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾ [البلد: 5]، وهذا استفهام إنكاري؛ أي: أيظن هذا الإنسان أن لن يقدر عليه أحد فينتقم منه؛ كما قال الله تعالى عن عاد: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: 15]، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [فصلت: 15].

قوله: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴾ [البلد: 6]؛ أي: هذا الإنسان يقول فخرًا ومباهاةً وتعظمًا على المؤمنين: أنفقت مالًا كثيرًا، وذلك في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي صدِّ الناس عنه.

وفي الآية: أن الإنسان إذا أنفق المال في غير ما يرضي الله كان ذلك إهلاكًا لماله وإضاعةً له، وإذا أنفقه في وجوه البر والإحسان والخير لم يكن ذلك إهلاكًا له، بل تقرُّبًا به إلى الله، وتوصلًا به إلى رضاه وثوابه؛ قال الألوسي رحمة الله: "وعبر عن الإنفاق بالإهلاك إظهارًا لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعًا".

قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ [البلد: 7]؛ أي: أيظن هذا الإنسان حين كان ينفق ماله في غير وجهه أن الله لم يره، ولم يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، فيحاسبه عليه؟

ثم ذكرنا ربنا بنعم عظيمة يتقلب فيها أكثرنا صباحَ مساءَ، ومع ذلك نغفل عنها وكأنها شيء عادي!

الأولى في قوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ [البلد: 8]؛ أي: يبصر بهما؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك: 23].

فالإنسان كان من العدم، ثم أنعم الله تعالى عليه بنعمة السمع؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1].

نعمة عظيمة لو سلبت من أحدنا لأظلمت دنياه، ولأدرك حينها أنه كان يعيش في بحر من النور وهو لا يشعر؛ ولذلك فإن العين لا تقدر بثمن؛ ولذا سماها الله تعالى: "الحبيبة" و"الكريمة"؛ كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر؛ عوَّضْتُه منهما الجنة))؛ [رواه البخاري]، وفي رواية: ((إن الله عز وجل قال: إذا أخذت كريمتي عبدي)).

ومن أعظم ما يدل على جلال نعمة البصر ما جاء في الأثر: ((أن عبدًا كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويجتهد في العبادة، فلما قيل له يوم القيامة: ادخل الجنة برحمتي، قال: بل بعملي. فقال الله لملائكته: قايسوا بين نعمتي عليه وبين عمله، فوجدت نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت عليه نعمة الجسد فضلًا)).

الثانية في قوله: ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾ [البلد: 9]؛ أي: ينطق بهما، ويعبر بهما عما في قلبه. آية عظيمة من آيات الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22]، فبكل سهولة تتكلم وتتحدث، وتخاطب غيرك، وتتعامل مع الآخرين. تخيل كم كلمة تكلمت بها اليوم، أو أمس، أو منذ سنة؟!

الثالثة في قوله: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]؛ أي: طريقي الخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، فهو سبحانه الذي يمنُّ بهدايته على من يشاء من عباده، والذي يدل خلقه على معرفة طريق الخير، ويرشدهم إلى ما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة.





واجبات عملية للنجاة من العقبات:


أيها المسلمون عباد الله، ثم يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة بعقبات وأهوال سيكابدها الإنسان يوم القيامة، مع بيان واجبات عملية للنجاة من هذه العقبات.

قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾ [البلد: 11]؛ أي: فهلا تجاوز العقبة، وهي مشقة الآخرة وأهوالها، وذلك بالإيمان بالله تعالى، وإنفاق المال في وجوه البر والإحسان.

قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴾ [البلد: 12]؛ أي: وما أعلمك ما العقبة؟ وهذا التكرار تعظيم لشأنها، وتفخيم لأمرها. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "كل شيء قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾، فإنه أخبر به، وما قال: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾، فإنه لم يخبر به".

ثم بيَّن ربنا سبحانه وتعالى الصفات والأعمال التي تقتحم بها هذه العقبات، وتوصل إلى مرضاته سبحانه وتعالى.

قوله: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ [البلد: 13]، فأول الأعمال: فك رقبة؛ وذلك بعتقها وتخليصها من الرق وأسر العبودية، أو مساعدتها على العتق.

ولقد رتَّب الله تعالى أعظم الأجور لمن يعتقون الرقاب؛ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أعتق رقبةً مؤمنةً؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه))؛ [متفق عليه].

والشريعة تتشوف لعتق الرقاب؛ وذلك بأمرين:
الأمر الأول: تبديد الروافد؛ وذلك بغلق الطرق الموصلة إلى الرق وحصرها في طريق واحدة وهي أسر الكفار في الحرب فقط، في حين كانت قديمًا تتمثل في طرق كثيرة؛ مثل: استرقاق من عليه الدَّيْن، فجاء الإسلام بتحريم هذه الصورة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، ومنها: استرقاق الجناة عقوبةً لهم على جناياتهم، ومنها: الاستعباد القسري؛ وذلك باسترقاق الأحرار وبيعهم غصبًا، فجاء الإسلام بتحريم ذلك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خَصْمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره))؛ [رواه البخاري]. ومنها: بيع الأولاد، فجاء الإسلام بتحريم ذلك؛ فألغى كل هذه الصور وحصرها في صورة واحدة؛ وهي أسر الكفار المحاربين.

الأمر الثاني: التحرير الفعلي؛ ومن ذلك: أنه جعل عتق الرقاب من الكفارات لكثير من الذنوب، وأوجبه في هذه الأحوال. ومنها: أنه جعل مجرد لطم هذا المملوك سببًا لعتقه؛ كما في الحديث: ((من لطم مملوكه، أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه))؛ [رواه مسلم]، ومنها: الحث على العتق استحبابًا، وترتيب أعظم الأجور على ذلك؛ كما مر معنا، ومنها: الحث على مكاتبة العبيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 33]؛ والمكاتب: هو عبد مملوك لسيده يريد العتق، فيكاتب سيده، ويشتري نفسه منه على مبلغ معين من المال على أقساط معلومة إلى أجل، فيكتب بذلك كتابًا ويصير هذا المال دَيْنًا عليه في ذمته، فإن أدَّاه أعتق وصار حُرًّا. وحث الشرع على إعانتهم ورتب أعظم الأجور على ذلك؛ فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته، أظَلَّه الله يوم لا ظلَّ إلا ظله))؛ [رواه أحمد، وصححه الحاكم]، فكل هذه خطوات عملية للعتق.

ومن صور فكِّ الرقاب: فكاك الأسير المسلم عند الكفار، وفك الرقاب من الديون، ومنها: فك رقبة نفسك أنت من النار بالتوبة إلى الله تعالى.

ثم بيَّن ربنا العمل الثاني للنجاة من عقبات ومشقة الآخرة؛ قوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ [البلد: 14]؛ أي: يوم ذي مجاعة شديدة، وذلك بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجةً؛ وذكر منهم صنفين: ﴿ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 15]؛ أي: ذا قرابة، ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 16]؛ أي: فقيرًا معدمًا لا شيء عنده؛ لصق بالتراب من شدة الفقر والحاجة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو المطروح على ظهر الطريق لا بيت له".

قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البلد: 17]؛ أي: ثم كان مقتحم العقبة مع فعله للعتق والإطعام: من الذين آمنوا بالله، وأخلصوا له العبادة وحده لا شريك له.

قال العلماء: ﴿ ثُمَّ ﴾ في هذه الآية لترتيب الذكر، وليس للترتيب الزمني؛ لأن الإيمان شرط لقبول الأعمال.

قوله: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17]؛ أي: وأوصى بعضُهم بعضًا بالصبر على طاعة الله تعالى، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، وتواصوا أيضًا بالرحمة والعطف والتراحم فيما بينهم.

قوله: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد: 18]؛ أي: إن هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات، هم أصحاب اليمين الذين يعطون كتابهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنة.

فأصحاب الميمنة هم أهل الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِين ﴾ [الواقعة: 27 - 40].

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ [البلد: 19]؛ أي: الذين كفروا بالقرآن هم أصحاب الشمال الذين يأخذون صحائفهم بشمالهم، ويساقون إلى النار، وهم أصحاب الشؤم لغيرهم وعلى أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الواقعة: 41 - 56]، فيندمون شديد الندم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ [الحاقة: 25 - 29].

قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: 20]؛ أي: مطبقة مغلقة عليهم؛ كما قال تعالى في سورة الهمزة: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 8، 9]؛ أي: مغلقة لا فرج لهم؛ وذلك لتقطع رجاء أهل النار من الخروج منها؛ فهؤلاء الذين كفروا سيخلدون في النار أعاذنا الله منها. قال قتادة رحمه الله: "﴿ مُؤْصَدَةٌ ﴾: مطبقة، فلا ضوء فيها، ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد"؛ لأنهم تركوا لأنفسهم الحرية في الدنيا، فكان الجزاء من جنس العمل؛ أن أطبقت عليهم النار وحرموا من حريتهم.

والنار لها سبعة أبواب؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 43، 44].

فإذا دخلوها أغلقت عليهم، فلا مطمع لهم بالخروج منها؛ كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22].

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الناجين من النار، وأن يدخلنا الجنة دار الأبرار.


رمضان صالح العجرمي


امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
)والاستماع, للشيخ, محمد, مع, البلد-العاديات-, الهمزة, سور(, وقفات, كامل
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سورة المائدة (هدف السورة: الوفاء بالعهود)والاستماع للشيخ أحمد السعيد مندور (المائدة) امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 01-17-2026 01:29 PM
[وقفات مع سورة الإسراء] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-08-2025 10:05 AM
[وقفات مع سورة مريم] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-08-2025 06:30 AM
[وقفات مع سورة الزخرف] من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-06-2025 05:32 PM
[وقفات مع سورة الأعراف]من كتاب دروس للشيخ صالح المغامسي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-06-2025 01:55 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009