الونيس الذي لا يرحل!
د. صلاح بن محمد الشيخ
يمر الإنسان برحلة طويلة، وخاصة إذا مد الله في عمره، فهو يتقلب؛ بين ضجيج الحياة وتقلباتها، يظل يبحث عن ونيس يخفف عنه وحشة الطريق، ويؤنس وحدته، ويمنحه شيئًا من الطمأنينة التي تعيد إليه توازنه، قد يجد هذا الونيس أحيانًا في صديق، أو قريب، أو رفيق درب، لكن الحقيقة التي لا يماري فيها عاقل أن كل البشر مهما بلغوا من الوفاء يظلون رفقاء مؤقتين، تحكمهم الظروف، وتحدهم القدرة، ويغيبون حسب ظروف الحياة، أو يحول بينهم الموت، فالونيس البشري عابر لا محالة، فمن نِعم الله أن توفق في صداقة صادقة، وزمالة طيبة، هذه كلها دواء للروح، وانشراح للصدر، لكن البشر بطبيعتهم يتغيرون، ويبتعدون، وينشغلون، وقد يرحلون دون إرادة منهم، فلا أحد يستطيع أن يكون معك في كل لحظة، ولا أحد يملك أن يُطمئن قلبك في كل موقف، ولا أحد يقدر أن يحمل عنك همك كاملًا مهما أحبك.
ولهذا قال بعض الحكماء:
"من جعل أنسه بالبشر طال حزنه، ومن جعل أنسه بالله دام سروره".
إذًا من هو الونيس الذي لا يرحل، ولا يغيب، ولا يمل، معاشرته صادقة، ومرافقته رفعة؟ لعلكم عرفتموه.
اطمئنان للقلوب، وانشراح للصدور؛ إنه كلام الله، القرآن العظيم، نعم هو الرفيق الذي لا يترك صاحبه مهما اشتدت عليه الأيام، حتى إذا فارق الحياة، معه يؤانسه في وحشته، ويرافقه في علوه في درجات الجنة، القرآن هو الونيس الذي يطمئن قلبك بقوله: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].
بل هو الصاحب الذي يرفعك حين تسقط، ويهديك حين تحتار، ويضيء لك الطريق حين تظلم الدنيا في عينيك.
هو الرفيق الذي يبقى معك في الدنيا، ويؤنسك في القبر، ويشفع لك يوم القيامة، تُرى لماذا القرآن أعظم ونيس؟
لأنه كلام رب العالمين، لا يتغير ولا يتبدل، يمنحك يقينًا لا يستطيع بشر أن يمنحه لك، حين يعتاد القلب أنسه بالقرآن، يصبح أقل احتياجًا لثبات البشر، وأقل تأثرًا بتقلباتهم.
فمن وجد الله، لم يفقد شيئًا، ومن فقد الله، لم يجد شيئًا مهما كثرت حوله الوجوه؛ لهذا فإن الونيس الحقيقي ليس من يجلس بجوارك، بل من يُطمئن قلبك.
والصاحب الحق ليس من يرافقك في الطريق، بل من يضيء لك الطريق.
والقرآن هو الونيس الذي لا يرحل، والصاحب الذي لا يخذلك، والرفيق الذي يبقى معك حين يتركك الجميع.