عبادة الترك
سوزان بنت مصطفى بخيت
كثيرا ما نحصر مفهوم العبادة في الصلاة والصوم فقط، فإذا ما مُنعت الأنثى منهما خلال فترة الحيض أو النفاس، يتسرب إلى قلبها شعور بالحرمان من رمضان. لكن هل حقًا لا طريق للقرب من الله سوى بهاتين العبادتين؟
يقول الله تعالى: {قُل إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَـٰلَمِینَ}.
فالعبادة ليست محصورة في أركان الإسلام الخمسة وحدها، بل هي أوسع من ذلك بكثير وقد تحدثت عنها باستفاضة في فصل "تحقيق العبودية"؛ فالعبادة هي كل همسة في القلب، وكل كلمة على اللسان، وكل حركة بالجوارح إذا أخلصناها لله.
عبادة الترك.. طاعة من نوع آخر
أرسل الله الوحي نورا نهتدي به، وأرشدنا إلى مختلف العبادات ومنها ما يُعرف باسم "عبادة الترك"؛ تلك العبادة التي تُظهر حب الله لعبده حين يأمره بالبعد عن كل ما يؤذيه أو يفسد قلبه، وحب العبد لربه حين يمتثل لأوامره.
فعبادة الترك تعني أننا حين ينهانا الله عن أمر قد يضرنا، نمتثل له بصدق، فننال الأجر والثواب على طاعتنا. كترك الكبر والكسل وسوء الظن، لما فيها من فساد للقلب والروح، وترك المعاصي والمكروهات التي تعرقل قربنا من الله. وأحيانًا يأمرنا الله بترك الصوم والصلاة في أوقات محددة رحمة بنا وتخفيفًا عنا، كما في حال المريض والمسافر، أو المرأة الحائض والنفساء.
فهل نُطيع الله بحب وشغف حين يأمرنا بالصلاة والصيام، ثم نحزن ونتحسر إذا أمرنا بتركهما لبضعة أيام في كل شهر؟
أليست الطاعة في الفعل والطاعة في الترك كلاهما سبيلا إلى القرب منه سبحانه؟
أليس كلاهما صورا من صور الامتثال لمشيئته الحكيمة؟
إن توقيت الحيض لكل أنثى هو اختيار الله لها بما يناسب حالها، فهو أعلم بها وبظروفها، وأرحم بها من نفسها. ولو شاء لجعلها صائمة قائمة طوال الشهر، لكنه أراد لها أن تتعبد إليه بعبادات أخرى تتناسب مع حالها في تلك الفترة.
فهل نرفض اختيار الله لنا، ونصر على التعلق باختيار هوانا؟ أم نحتضن رحمته ونستثمر هذه الأيام في طاعة أخرى، فنشعر بأن قلبنا ما زال نابضًا بالقرب منه، وروحنا لا تفقد صفاءها الإيماني؟