ليلة القدر
مالك مسعد الفرح
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5]، هي أعظم الليالي قدرًا ومنزلة عند الله، وزَن ربُّنا تبارك وتعالى تلك الليلة بألف شهر في ثوابها وفضلها ومكانتها، وعظيم وقْعها في حياة المؤمنين، وهي في العشر الأواخر من رمضان؛ لحديث: "إني اعتَكَفْتُ العَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هذهِ الليلَةَ، ثُمَّ اعتَكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فقيلَ لي: إنها في العَشْرِ الأواخِرِ"[1]؛ قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].
وسُميت الليلة بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى يُقدِّر فيها الأرزاق والآجال، وحوادث العالم كلها في تلك السنة؛ قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، ولليلة القدر علامات يراها من شاء الله مِن عباده في كل سنة من رمضان؛ لأن الأحاديث وأخبار الصالحين ورواياتهم، تظاهرت عليها، ومن قام ليالي العشر كلها وأحياها، وعمِل فيه الصالحات، أصاب ليلة القدر يقينًا، سواء أحسَّ بعلاماتها أم لم يحس، وقد أخفى الله تعالى بيان هذه الليلة الفضيلة عن عباده لحِكَمٍ، ربما يكون أبرزها أن يجتهد العباد في تحرِّيها في كل الليالي العشر، ولا يقتصر اجتهادهم على ليلة واحدة بعينها!
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر"[2]، ورغَّبنا فقال: "مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[3]، وكان النبي الكريم يقرأ في قيامه قراءة مرتلة، لا يَمر فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوَّذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذه أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها.
ويُستحب أن يُكثر المسلم في ليالي العشر من هذا الدعاء: "اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني"[4].
فحذارِ مِن الغفلة عن هذه الليلة المباركة التي هي خيرٌ من ألف شهر، فلا يُحرَم خيرُها إلا محرومٌ، وألف شهر تفوق ثلاثًا وثمانين سنة وثلث السَّنة، وهذا عمرٌ قلَّ من الناس مَن يَبلغه، فكيف بمن يَعبُد الله فيه، وهو لا يعبد إلا بعد سِنِّ التمييز على أقل تقدير؛ اللهم ارزُقنا قيامَ ليلة القدر وخيرَها.
[1] مسلم
[2] مسلم.
[3] متفق عليه.
[4] السلسلة الصحيحة.