استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 03-09-2026, 12:31 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي الْمُهَيْمِنُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه

      

الْمُهَيْمِنُ

جَلَّ جَلَالُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ

الشيخ وحيد عبدالسلام بالي


الدِّلَالَاتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (المُهَيْمِنِ):
المُهَيْمِنُ فِي اللّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِالهَيْمَنَةِ، فِعْلُهُ هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً.

وَالهَيْمَنَةُ عَلَى الشَّيْءِ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهِ وَحِفْظُهُ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ؛ كَمَا يُهَيْمِنُ الطَّائِرُ عَلَى فِرَاخِهِ وَيُرَفْرِفُ بِجَنَاحَيْهِ فَوْقَهُم لِحمَايَتِهِم وَتَأْمِينِهِم.

وَيُقَالُ: المُهَيْمِنُ أَصْلُهُ المُؤْمِنُ مِنْ آمَنَ؛ يَعْنِي: أَمَّنَ غَيْرَهُ مِنَ الخَوْفِ[1].

واللهُ عز وجل هُوَ المُهَيْمِنُ عَلَى عِبَادِهِ؛ فَهُوَ فَوْقَهُمْ بِذَاتِهِ؛ لَهُ عُلُوُّ القَهْرِ وَالشَّأْنِ، مَلِكٌ عَلَى عَرْشِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَمْلَكَتِهِ، يَعْلَمُ جَمِيعَ أَحْوَالِهمِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهمْ، هُوَ القَاهِرُ فَوْقَهُمْ، وَإِنْ تَرَكَهُمْ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهُمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ فَذَلِكَ لِحكْمَتِهِ فِيمَا هُمْ فِيهِ مُبْتَلُونَ، وَلِمَا قَضَى وَقَدَّرَ مُيَسَّرُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم: 42].

فَهُوَ مُحِيطٌ بِالعَالَمِينَ، مُهَيْمِنٌ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11][2].

فَجِمَاعُ مَعْنَى المُهَيْمِنِ: أَنَّهُ المُحِيطُ بِغَيْرِهِ، الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ مَقْدُورٌ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْ حُكْمِهِ مَفْطُورٌ، لَهُ الفَضْلُ عَلَى جَمِيعِ الخَلَائِقِ فِي سَائِرِ الأُمُورِ.

قَالَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ: «خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ، وَدَبَّرَهَا بِمَشِيئَتِهِ، وَقَهَرَهَا بِجَبَرُوتِهِ، وَذَلَّلَهَا بِعِزَّتِهِ؛ فَذَلَّ لِعَظَمَتِهِ المُتَكَبِّرُونَ، وَاسْتَكَانَ لِعِزِّ رِبُوبِيَّتِهِ المُتَعَظِّمُونَ، وَانْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ العَالِمُونَ، وَذَلَّتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَحَارَتْ فِي مَلَكُوتِهِ فِطَنُ ذَوِي الأَلْبَابِ، وَقَامَتْ بِكَلِمَتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، واسْتَقَرَّتِ الأَرْضُ المِهَادُ»[3].

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَأَصْلُ الهَيْمَنَةِ: الحِفْظُ والارْتِقَابُ، تَقُولُ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٌ إِذَا صَارَ رَقِيبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ»[4].

فَالمُهَيْمِنُ الرَّقِيبُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالحَافِظُ لَهُ، وَالقَائِمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مُلْحَقٌ بِالمَعْنَى السَّابِقِ، وَيُلْحَقُ بِهِ أَيْضًا تَفْسِيرُ المُهَيْمِنِ بِالشَّهِيدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].

فَاللهُ شَهْيدٌ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ[5].

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»[6].

وَقِيلَ فِي مَعْنَى المُهَيْمِنِ أَيْضًا: إِنَّهُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ الطَّائِعَ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ، وَلَا يَزِيدُ العَاصِي عِقَابًا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ.

وَقَدْ سَمَّى الثَّوَابَ وَالعِقَابَ جَزَاءً، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، وَيَعْفُوَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العِقَابِ[7].

وُرُودُهُ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ[8]:
وَرَدَ الاسْمُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: 23].

وَذَكَرَ اللهُ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].

مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «وَقَوْلُهُ المُهَيْمِنُ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ: فَقَالَ بَعْضُهُم: (المُهَيْمِنُ) الشَّهِيدُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُم»[9].

وَقَالَ أَيْضًا: «وَأَصْلُ الهَيْمَنَةِ الحِفْظُ وَالارْتِقَابُ، يُقَالُ: إِذَا رَقَبَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَحَفِظَهُ وَشَهِدَهُ: قَدْ هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَهُوَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً وَهُوَ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، إِلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْهُ»[10].

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «قَالَ ابْنُ عَبَاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ: الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6]، وَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس: 46]، وَقَوْلِهِ: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ [الرعد: 33]»[11].

وَقَالَ الحُلَيْمِي: «(المُهَيْمِنُ) وَمَعْنَاهُ: لَا يُنْقِصُ لِلمُطِيعِينَ يَوْمَ الحِسَابِ مِنْ طَاعَاتِهِم شَيْئًا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ، لَأَنَّ الثَّوَابَ لَا يُعْجِزُهُ، وَلَا هُوَ مُسْتَكْرَهٌ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى كِتْمَانِ بَعْضِ الأَعْمَالِ أَوْ جَحْدِهَا، وَلَيْسَ بِبَخِيلٍ فَيَحْمِلُهُ اسْتِكْثَارُ الثَّوَابِ إِذَا كَثُرَتِ الأَعْمَالُ عَلَى كِتْمَانِ بَعْضِهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِمَا يُثِيبُ فَيَحْبِسُ بَعْضَهُ؛ لَأَنَّهُ لَيْسَ مُنْتَفِعًا بِمُلْكِهِ حَتَّى إِذَا نَفَعَ غَيْرَهُ بِهِ زَالَ انْتِفَاعَهُ بِنَفْسِهِ.

وَكَمَا لَا يُنْقِصُ الُمطِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا، لَا يَزِيدُ العُصَاةَ عَلَى مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ شَيْئًا فَيَزِيدُهُمْ عِقَابًا عَلَى مَا اسْتَحَقُّوهُ، لَأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الكَذِبِ والظُّلْمِ غَيْرُ جَائِز عَلَيْهِ، وَقَدْ سَمَّى عُقُوبَةَ أَهْلِ النَّارِ جَزَاءً، فَمَا لَمْ يُقَابِلْ مِنْهَا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ جَزَاءً، وَلَمْ يَكُنْ وِفَاقًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ[12].

قَالَ الرَّازِي: «فِي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: (المُهَيْمِنُ) هُوَ الشَّاهِدُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].

قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الكتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنَا
وَالحَقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الأَلْبَابِ




فَاللهُ سُبْحَانَهُ مُهَيْمِنٌ أَيْ: شَاهِدٌ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: 61]، فَيَكُونُ المُهَيْمِنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُوَ العَالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُومَاتِ، الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.

الثَّانِي: (المُهَيْمِنُ) هُوَ المُؤْمِنُ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ هَاءً لَأَنَّ الهَاءَ أَخَفُّ مِنَ الهَمْزَةِ.

الثَّالِثُ: قَالَ الخَلِيلُ بِنُ أَحْمَدَ: «(المُهَيْمِنُ) هُوَ الرَّقِيبُ الحَافِظُ وَمِنْهُ قَوْلُ العَرَبِ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا إِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهِ».

الرَّابِعُ: قَالَ المُبَرِّدُ: «(المُهَيْمِنُ) الحَدبُ المُشْفِقُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلطَّائِرِ إِذَا طَارَ حَوْلَ وَكْرِهِ، وَرَفْرَفَ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ جَنَاحَهُ يَذُبُّ عَنْ فَرْخِهِ: قَدْ هَيْمَنَ الطَّائِرُ».

قَالَ أُمَيَّةُ بِنُ أَبِي الصَّلْتِ:
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السماءِ مُهَيْمِنٌ
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ




الخَامِسُ: قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «(المُهَيْمِنُ) المُصَدِّقُ، وَهُوَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَصْدِيقُ بِالكَلَامِ، فَيُصَدّقَ أَنْبِيَاءَهُ بِإِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ كَوْنِهِم صَادِقِينَ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَصْدِيقِهِ لَهُمْ هُوَ أَنَّهُ يُظْهِرُ المُعْجِزَاتِ عَلَى أَيْدِيهِمْ».

السَّادِسُ: قَالَ الغَزَالِيُّ: «اسْمٌ لِمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِمَجْمُوعِ صِفَاتٍ ثَلَاثٍ، أَحَدُهُا العِلْمُ بِأَحْوَالِ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي: القُدْرَةُ التَّامَّةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، والثَّالِثُ: الُموَاظَبَةُ عَلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَصَالِحِ، فَالجَامِعُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ اسْمُهُ (المُهَيْمِنُ)، وَأَنَّى أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى الكَمَالِ إِلَّا للهِ تَعَالَى»[13].

وَقَالَ السَّعْدِيُّ: «(المُهَيْمِنُ): المُطَّلِعُ عَلَى خَفَايَا الأُمُورِ، وَخَبَايَا الصُّدُورِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا»[14].

ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِهَذَا الاسْمِ الكَرِيمِ:
1- إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهمْ شَيْءٌ، وَلَهُ الكَمَالُ فِي هَذَا فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يَغْفُلُ: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74].

2- جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كَلَامَهُ المُنَزَّلُ عَلَى خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ صلى الله عليه وسلم مُهَيْمِنًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة: 48].

قَالَ ابْنُ الحَصارِ: «وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ أَيْ: عَالٍ، وَعُلُوُّهُ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ اللهِ - وَإِنْ كَانَ الكُلُّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى - بِأُمُورٍ:
أَحَدِهَا: بِمَا زَادَ عَلَيْهَا مِنَ السُّوَرِ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم خُصَّ بِسُورَةِ الحَمْدِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ»[15].

وَالأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ جَعَلَهُ اللهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبِينًا، وَكُلُّ نَبِيٍّ قَدْ بَيَّنَ لِقَوْمِهِ بِلِسَانِهِمْ - كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى - وَلَكِنْ لِلِسَانِ العَرَبِ مَزِيَّةٌ فِي البَيَانِ.

وَالثَّالِثِ: أَنْ جَعَلَ نَظْمَهُ وَأُسْلُوبَهُ مُعْجِزًا، وَإِنْ كَانَ الإِعْجَازُ فِي سَائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنْ حَيْثُ الإِخْبَارِ عَنِ الُمغَيباتِ، وَالإِعْلَامِ بِالأَحْكَامِ المُحْكَمَاتِ، وَسُنَنِ اللهِ المَشْرُوعَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا نَظْمٌ وَأُسْلُوبٌ خَارِجٌ عَنِ المَعْهُودِ.

فَكَانَ أَعْلَى مِنْهَا بِهَذِهِ المَعَانِي، ولِهَذَا المَعْنَى الإِشَارَة بِقَوْلِهِ الحَقِّ: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4][16].
========================================
[1] لسان العرب (13/ 437).

[2] انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: 142)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص: 84).

[3] فتح الباري (8/ 269)، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/ 266).

[4] تفسير غريب الحديث للخطابي (2/ 91).

[5] مسلم في كتاب البِرِّ والصِّلة والأدب، باب تحريم الظلم (4/ 1994) (2577).

[6] فتح الباري (6/ 366)، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 32)، والقصد الأسنى (ص: 69).

[7] لسان العرب (5/ 374)، والمفردات (ص: 563)، واشتقاق أسماء الله (ص: 237).

[8] النهج الأسمى (1/ 129 - 134).

[9] وقد رواه عنهما بأسانيد صحيحة، انظر: (28/ 36).

[10] جامع البيان (6/ 172).

[11] تفسير ابن كثير (4/ 343)، وكذا قال الشوكاني في فتح الباري (5/ 208)، وبمثله قال الألوسي في تفسيره (28/ 63)، وانظر: الجلالين (ص: 465).

[12] المنهاج (1/ 202، 203) وذكره ضمْن الأسماء التي تتبعُ إثباتَ التدبير له دون ما سِوَاه، ونقله البيهقي في الأسماء (ص: 63، 64).

[13] شرح الأسماء (ص: 192 - 194)، وانظر: قول الغزالي في المقصد الأسنى (ص: 41) وقد نقله بمعناه.

[14] تيسير الكريم (5/ 301).

[15] يشير إلى ما أخرجه البخاري في مواضع منها (8/ 156، 157) من حديث أبي سعيد بن المعلى؛ وفيه: قوله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
أما خواتيم سورة البقرة، فليس حديثُها في الصحيح، وإنما أخرجه الإمام أحمد (5/ 383)، من حديث حذيفة، وفيه: «... وأعطيتُ هذه الآيات مِن آخر سورة البقرة، مِن كنز تحت العرش لم يُعطَها نبيٌّ قبلي»، ورجاله ثقات رجال الشيخين، انظر التعليق على كتاب العرش لابن أبي شيبة (63).

[16] الكتاب الأسنى (ورقة 315 ب - 316 أ).

------------------
الْمُهَيْمِنُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه

الشيخ وحيد عبدالسلام بالي


عَنَاصِرُ الموْضُوعِ:
أولًا: الدِّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (المُهَيْمِنِ).
ثانيًا: وُرُودُهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ.
ثالثًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى.
رابعًا: ثَمَرَاتُ الإيِمَانِ بهَذَا الاسْمِ الكَرِيمِ.

النِّيَّاتُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا الُمحَاضِرُ: قَبْلَ إِلْقَاءِ هَذِهِ الُمحَاضَرَةِ:
أولًا: النِّيَّاتُ العَامَّةُ:
1- يَنْوي القيامَ بتبليغِ الناسِ شَيْئًا مِنْ دِينِ الله امْتِثَالًا لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بلِّغُوا عَني ولَوْ آيةً»؛ رواه البخاري.

2- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ مَجْلِسِ العِلْمِ[1].

3- رَجَاءَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ مَجْلِسِه ذلك مَغْفُورًا لَهُ[2].

4- يَنْوِي تَكْثِيرَ سَوَادِ المسْلِمِينَ والالتقاءَ بِعِبادِ الله المؤْمِنينَ.

5- يَنْوِي الاعْتِكَافَ فِي المسْجِدِ مُدةَ المحاضرة ـ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ مِنَ الفُقَهَاءِ ـ لَأَنَّ الاعْتِكَافَ هو الانْقِطَاعُ مُدَّةً لله في بيتِ الله.

6- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى أَجْرِ الخُطُوَاتِ إلى المسْجِدِ الذي سَيُلْقِي فيه المحَاضَرَةَ[3].

7- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، إذا كانَ سَيُلْقِي مُحَاضَرَتَه مثلًا مِنَ المغْرِبِ إلى العِشَاءِ، أَوْ مِنَ العَصْرِ إِلَى الَمغْرِبِ[4].

8- رَجَاءَ أَنْ يَهْدِي اللهُ بسببِ مُحَاضَرَتِه رَجُلًا، فَيَأْخُذَ مِثْلَ أَجْرِهِ[5].

9- يَنْوِي إرْشَادَ السَّائِليِنَ، وتَعْلِيمَ المحْتَاجِينَ، مِنْ خِلَالِ الرَّدِّ عَلَى أَسْئِلَةِ المسْتَفْتِينَ[6].

10- يَنْوِي القِيَامَ بِوَاجِبِ الأمرِ بالمعروفِ، وَالنهيِ عَنِ الُمنْكَرِ ـ بالحِكْمَةِ والموعظةِ الحسنةِ ـ إِنْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي ذلك(4).

11- يَنْوِي طَلَبَ النَّضْرَةِ الَمذْكُورَةِ فِي قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْها»، رواه أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ (6766).

ثُمَّ قَدْ يَفْتَحِ اللهُ عَلَى الُمحَاضِرِ بِنِيَّات صَالِحَةٍ أُخْرَى فَيَتَضَاعَفُ أَجْرُه لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيه.

ثانيًا: النِّيَّاتُ الخَاصَّةُ:
1- تَنْوِي تَعْرِيفَ المُسْلِمِينَ بِمَعْنَى اسْمِ الله (المُهَيْمِنِ).

2- تَنْوِي لَفْتَ الأَنْظَارِ إِلَى أَنَّ اللهَ هُوَ المُهَيْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

3- تَنْوِي حَثَّ النَّاسِ عَلَى مُرَاقَبَةِ الله تَعَالَى.

أولًا: الدِّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (المُهَيْمِنِ):
المُهَيْمِنُ فِي اللّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِالهَيْمَنَةِ، فِعْلُهُ هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً.

وَالهَيْمَنَةُ عَلَى الشَّيْءِ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهِ وَحِفْظُهُ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ كَمَا يُهَيْمِنُ الطَّائِرُ عَلَى فِرَاخِهِ وَيُرَفْرِفُ بِجَنَاحَيْهِ فَوْقَهُم لِحمَايَتِهِم وَتَأْمِينِهِم.

وَيُقَالُ: المُهَيْمِنُ أَصْلُهُ المُؤْمِنُ مِنْ آمَنَ يَعْنِي أَمَّنَ غَيْرَهُ مِنَ الخَوْفِ[7].

واللهُ ﻷ هُوَ المُهَيْمِنُ عَلَى عِبَادِهِ فَهُوَ فَوْقَهُمْ بِذَاتِهِ لَهُ عُلُوُّ القَهْرِ وَالشَّأْنِ، مَلِكٌ عَلَى عَرْشِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَمْلَكَتِهِ، يَعْلَمُ جَمِيعَ أَحْوَالِهمِ وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهمْ هُوَ القَاهِرُ فَوْقَهُمْ، وَإِنْ تَرَكَهُمْ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهُمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ فَذَلِكَ لِحكْمَتِهِ فِيمَا هُمْ فِيهِ مُبْتَلُونَ، وَلِمَا قَضَى وَقَدَّرَ مُيَسَّرُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم: 42].

فَهُوَ مُحِيطٌ بِالعَالَمِينَ مُهَيْمِنٌ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11][8].

فَجِمَاعُ مَعْنَى المُهَيْمِنِ أَنَّهُ المُحِيطُ بِغَيْرِهِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ مَقْدُورٌ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْ حُكْمِهِ مَفْطُورٌ، لَهُ الفَضْلُ عَلَى جَمِيعِ الخَلَائِقِ فِي سَائِرِ الأُمُورِ.

قَالَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ: «خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ، وَدَبَّرَهَا بِمَشِيئَتِهِ، وَقَهَرَهَا بِجَبَرُوتِهِ وَذَلَّلَهَا بِعِزَّتِهِ فَذَلَّ لِعَظَمَتِهِ المُتَكَبِّرُونَ، وَاسْتَكَانَ لِعِزِّ رِبُوبِيَّتِهِ المُتَعَظِّمُونَ، وَانْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ العَالِمُونَ، وَذَلَّتْ لَهُ الرِّقَابُ وَحَارَتْ فِي مَلَكُوتِهِ فِطَنُ ذَوِي الأَلْبَابِ، وَقَامَتْ بِكَلِمَتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، واسْتَقَرَّتِ الأَرْضُ المِهَادُ»[9].

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَأَصْلُ الهَيْمَنَةِ الحِفْظُ والارْتِقَابُ، تَقُولُ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٌ إِذَا صَارَ رَقِيبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ»[10].

فَالمُهَيْمِنُ الرَّقِيبُ عَلَى الشَّيْءِ وَالحَافِظُ لَهُ وَالقَائِمُ عَلَيْهِ وَهَذَا مُلْحَقٌ بِالمَعْنَى السَّابِقِ، وَيُلْحَقُ بِهِ أَيْضًا تَفْسِيرُ المُهَيْمِنِ بِالشَّهِيدِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

فَاللهُ شَهْيدٌ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ[11].

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ت عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِي عَنِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»[12].

وَقِيلَ فِي مَعْنَى المُهَيْمِنِ أَيْضًا أَنَّهُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ الطَّائِعَ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ وَلَا يَزِيدُ العَاصِي عِقَابًا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ لَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ.

وَقَدْ سَمَّى الثَّوَابَ وَالعِقَابَ جَزَاءً، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَيَعْفُوَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العِقَابِ[13].

ثانيًا: وُرُودُهُ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ:[14]
وَرَدَ الاسْمُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]، وَذَكَرَ اللهُ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

ثالثًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «وَقَوْلُهُ المُهَيْمِنُ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَ بَعْضُهُم: (المُهَيْمِنُ) الشَّهِيدُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُم»[15].

وَقَالَ أَيْضًا: «وَأَصْلُ الهَيْمَنَةِ الحِفْظُ وَالارْتِقَابُ، يُقَالُ: إِذَا رَقَبَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَحَفِظَهُ وَشَهِدَهُ قَدْ هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَهُوَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً وَهُوَ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ إِلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْهُ»[16].

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «قَالَ ابْنُ عَبَاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَيِ: الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 6]، وَقَوْلِهِ: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴾ [يونس: 46]، وَقَوْلِهِ: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الرعد: 33][17].

وَقَالَ الحُلَيْمِي: «(المُهَيْمِنُ) وَمَعْنَاهُ لَا يُنْقِصُ لِلمُطِيعِينَ يَوْمَ الحِسَابِ مِنْ طَاعَاتِهِم شَيْئًا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ، لَأَنَّ الثَّوَابَ لَا يُعْجِزُهُ، وَلَا هُوَ مُسْتَكْرَهٌ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى كِتْمَانِ بَعْضِ الأَعْمَالِ أَوْ جَحْدِهَا، وَلَيْسَ بِبَخِيلٍ فَيَحْمِلُهُ اسْتِكْثَارُ الثَّوَابِ إِذَا كَثُرَتِ الأَعْمَالُ عَلَى كِتْمَانِ بَعْضِهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِمَا يُثِيبُ فَيَحْبِسُ بَعْضَهُ ؛ لَأَنَّهُ لَيْسَ مُنْتَفِعًا بِمُلْكِهِ حَتَّى إِذَا نَفَعَ غَيْرَهُ بِهِ زَالَ انْتِفَاعَهُ بِنَفْسِهِ.

وَكَمَا لَا يُنْقِصُ الُمطِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا، لَا يَزِيدُ العُصَاةَ عَلَى مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ شَيْئًا فَيَزِيدُهُمْ عِقَابًا عَلَى مَا اسْتَحَقُّوهُ؛ لَأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الكَذِبِ والظُّلْمِ غَيْرُ جَائِز عَلَيْهِ، وَقَدْ سَمَّى عُقُوبَةَ أَهْلِ النَّارِ جَزَاءً، فَمَا لَمْ يُقَابِلْ مِنْهَا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ جَزَاءً، وَلَمْ يَكُنْ وِفَاقًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ[18].

قَالَ الرَّازِي: «فِي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: (المُهَيْمِنُ) هُوَ الشَّاهِدُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الكتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنَا
وَالحَقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الأَلْبَابِ




فَاللهُ سُبْحَانَهُ مُهَيْمِنٌ أَيْ: شَاهِدٌ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61]، فَيَكُونُ المُهَيْمِنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُوَ العَالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُومَاتِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.

الثَّانِي: (المُهَيْمِنُ) هُوَ المُؤْمِنُ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ هَاءً لَأَنَّ الهَاءَ أَخَفُّ مِنَ الهَمْزَةِ.

الثَّالِثُ: قَالَ الخَلِيلُ بِنُ أَحْمَدَ: «(المُهَيْمِنُ) هُوَ الرَّقِيبُ الحَافِظُ وَمِنْهُ قَوْلُ العَرَبِ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا إِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهِ».

الرَّابِعُ: قَالَ المُبَرِّدُ: «(المُهَيْمِنُ) الحَدْبُ المُشْفِقُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلطَّائِرِ إِذَا طَارَ حَوْلَ وَكْرِهِ وَرَفْرَفَ عَلَيْهِ وَبَسَطَ جَنَاحَهُ يَذُبُّ عَنْ فَرْخِهِ: قَدْ هَيْمَنَ الطَّائِرُ».

قَالَ أُمَيَّةُ بِنُ أَبِي الصَّلْتِ:
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السماءِ مُهَيْمِنٌ
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ




الخَامِسُ: قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «(المُهَيْمِنُ) المُصَدِّقُ، وَهُوَ فِي حَقِّ الله تَعَالَى يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَصْدِيقُ بِالكَلَامِ، فَيُصَدّقَ أَنْبِيَاءَهُ بِإِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ كَوْنِهِم صَادِقِينَ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَصْدِيقِهِ لَهُمْ هُوَ أَنَّهُ يُظْهِرُ المُعْجِزَاتِ عَلَى أَيْدِيهِمْ».

السَّادِسُ: قَالَ الغَزَالِيُّ: «اسْمٌ لِمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِمَجْمُوعِ صِفَاتٍ ثَلَاثٍ، أَحَدُهُا العِلْمُ بِأَحْوَالِ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي: القُدْرَةُ التَّامَّةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، والثَّالِثُ: الُموَاظَبَةُ عَلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَصَالِحِ، فَالجَامِعُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ اسْمُهُ (المُهَيْمِنُ) وَأَنَّى أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى الكَمَالِ إِلَّا لله تَعَالَى» [19].

وَقَالَ السَّعْدِيُّ: «(المُهَيْمِنُ): المُطَّلِعُ عَلَى خَفَايَا الأُمُورِ، وَخَبَايَا الصُّدُورِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» [20].

رابعًا: ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِهَذَا الاسْمِ الكَرِيمِ:
1- إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهمْ شَيْءٌ، وَلَهُ الكَمَالُ فِي هَذَا فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يَغْفُلُ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 74].

2- جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كَلَامَهُ المُنَزَّلُ عَلَى خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ صلى الله عليه وسلم مُهَيْمِنًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

قَالَ ابْنُ الحَصارِ: «وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ أَيْ: عَالٍ، وَعُلُوُّهُ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ الله ـ وَإِنْ كَانَ الكُلُّ كَلَامَ الله تَعَالَى ـ بِأُمُورٍ:
أَحَدِهَا: بِمَا زَادَ عَلَيْهَا مِنَ السُّوَرِ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم خُصَّ بِسُورَةِ الحَمْدِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ»[21].

وَالأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ جَعَلَهُ اللهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا مُبِينًا، وَكُلُّ نَبِيٍّ قَدْ بَيَّنَ لِقَوْمِهِ بِلِسَانِهِمْ ـ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى ـ وَلَكِنْ لِلِسَانِ العَرَبِ مَزِيَّةٌ فِي البَيَانِ.

وَالثَّالِثِ: أَنْ جَعَلَ نَظْمَهُ وَأُسْلُوبَهُ مُعْجِزًا، وَإِنْ كَانَ الإِعْجَازُ فِي سَائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ الله سُبْحَانَهُ، مِنْ حَيْثُ الإِخْبَارِ عَنِ الُمغَيباتِ، وَالإِعْلَامِ بِالأَحْكَامِ المُحْكَمَاتِ، وَسُنَنِ الله المَشْرُوعَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا نَظْمٌ وَأُسْلُوبٌ خَارِجٌ عَنِ المَعْهُودِ.

فَكَانَ أَعْلَى مِنْهَا بِهَذِهِ المَعَانِي، لِهَذَا المَعْنَى الإِشَارَة بِقَوْلِهِ الحَقِّ: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الزخرف: 4] [22].

[1] رَوَى مسلمٌ عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بيتٍ مِنْ بِيوتِ الله، يَتْلُونَ كِتابَ الله ويَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا نزلتْ عَليهم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُم الملائكةُ، وَذَكَرَهُم اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».

[2] َروَى الإمامُ أَحمدُ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ (5507) عن أنسِ بنِ مالكٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ قَومٌ عَلَى ذِكْرٍ، فَتَفَرَّقُوا عنه إلا قِيلَ لَهُمْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم»، ومَجَالِسُ الذِّكْرِ هِيَ المجالسُ التي تُذَكِّرُ بِالله وبآياتهِ وأحكامِ شرعهِ ونحو ذلك.

[3] في الصحيحين عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ غَدَا إلى المسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللهُ له في الجنةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أو رَاحَ».
وفي صحيح مُسْلِمٍ عَنْه أيضًا أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ في بيتهِ ثُمَّ مَضَى إلى بيتٍ مِنْ بيوتِ الله لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله كانتْ خُطُواتُه: إِحدَاها تَحطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرَى تَرْفَعُ دَرجةً».

[4] رَوَى البخاريُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصلاةُ تَحْبِسُه، لا يَمْنَعُه أَنْ يَنْقَلِبَ إِلى أهلهِ إلا الصلاةُ».
ورَوَى البُخَاريُّ عَنه أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الملائكةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكم مَا دامَ فِي مُصَلَّاهُ الذي صَلَّى فيه، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهُمَّ ارْحَمْه».

[5] ، (4) رَوَى البخاريُّ ومُسْلِمٌ عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لعلي بنِ أبي طالبٍ: «فوالله لأنْ يَهْدِي اللهُ بك رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النِّعَمِ».
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ دَعَا إلى هُدَى كَانَ لَه مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَه، لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهم شيئًا».

[6] رَوَى التِّرْمِذِيُّ وصحَّحَه الألبانيُّ عن أبي أمامةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللهَ وملائكتَه، حتى النملةَ فِي جُحْرِها، وحتى الحوتَ في البحرِ لَيُصَلُّون عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخيرَ»، وَصلاةُ الملائكةِ الاسْتِغْفَارُ.

[7] لسان العرب (13/ 437).

[8] انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: 142)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص: 84).

[9] فتح الباري (8/ 269)، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/ 266).

[10] تفسير غريب الحديث للخطابي (2/ 91).

[11] مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم (4/ 1994) (2577).

[12] فتح الباري (6/ 366)، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 32)، والقصد الأسنى (ص: 69).

[13] لسان العرب (5/ 374)، والمفردات (ص: 563)، واشتقاق أسماء الله (ص: 237).

[14] النهج الأسمى (1/ 129-134).

[15] وقد رواه عنهما بأسانيد صحيحة، انظر (28/ 36).

[16] جامع البيان (6/ 172).

[17] تفسير ابن كثير (4/ 343) وكذا قال الشوكاني في فتح الباري (5/ 208) وبمثله قال الألوسي في تفسيره (28/ 63)، وانظر: الجلالين (ص: 465).

[18] المنهاج (1/ 202-203) وذكره ضمن الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون ما سواه، ونقله البيهقي في الأسماء (ص: 63-64).

[19] شرح الأسماء (ص: 192-194)، وانظر: قول الغزالي في المقصد الأسنى (ص: 41)، وقد نقله بمعناه.

[20] تيسير الكريم (5/ 301).

[21] يشير إلى ما أخرجه البخاري في مواضع منها (8/ 156-157) من حديث أبي سعيد بن المعلى وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
أما خواتيم سورة البقرة، فليس حديثها في الصحيح، وإنما أخرجه الإمام أحمد (5/ 383) من حديث حذيفة وفيه: «... وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي» ورجاله ثقات رجال الشيخين، انظر التعليق على كتاب العرش لابن أبي شيبة (63).

[22] الكتاب الأسنى (ورقة 315 ب-316 أ).

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الاعتبارات الصحيه والسنيه قبل وبعد قلع الاسنان
* العلاقه ما بين الغدد جارات الدرقيه parathyroid gland والاسنان
* كنز المراقبة
* بعد رمضان
* سيمون دي بوفوار وتيار النسوية الغربية الطرح والرؤية المضادة
* التنشئة العلمية للطفل
* الصورة.. كيف تنميها عند طفلك؟

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أسماؤه, الْمُهَيْمِنُ, حل, جلاله،, وتقدست
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 03-08-2026 12:01 AM
المجيد جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 1 02-24-2026 09:43 PM
القيُّوم جل جلاله وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 02-14-2026 12:31 PM
القَريبُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 02-13-2026 12:33 PM
المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 02-11-2026 01:28 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009