أقوال العلماء في شرح حديث ((من لم يدع قول الزور والعمل به))
د. محمود حمدي العاصي
أولًا: ما الزور؟
قال الإمام القرطبي:
قوله تعالى: ﴿ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: 30]، والزور: الباطل والكذب. وسمي زورًا؛ لأنه أميل عن الحق؛ ومنه ﴿ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ﴾ [الكهف: 17]، ومدينة زوراء؛ أي: مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور؛ اه (الجامع لأحكام القرآن 12/ 55 - ط: دار الكتب المصرية).
قلت:
وبهذا يتبين أن الزور: اسم لجميع آفات اللسان.
وإذا انتشر قول الزور من كذب وغيبة ونميمة وألفاظ منكرة ينكرها الشرع وينفر منها الطبع تضيع الغاية من الصيام؛ وهي (التقوى).
قال الإمام البيضاوي:
ليس المراد من شَرعيَّة الصوم نفس الجُوع والعطَش، بل ما يتبَعُه من كسْر الشَّهوات، وتطْويع النَّفْس الأمَّارة للنَّفْس المطمَئنَّة، فإذا لم يحصُل له ذلك لا ينظر الله إليه نظَر القَبول؛ اهـ (فتح الباري 4/ 117 - ط: دار المعرفة).
قَالَ الإمام ابْن الْمُنَيِّرِ:
بَلْ هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ... فَالْمُرَاد رَدُّ الصَّوْم الْمُتَلَبِّس بِالزُّورِ وَقَبُول السَّالِم مِنْهُ؛ اهـ (فتح الباري 4/ 117 - ط: دار المعرفة).
وَقَالَ الإمام ابْن الْعَرَبِيِّ:
مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ؛ اهـ (فتح الباري 4/ 117 - ط: دار المعرفة).
وقال الإمام يحيى بن هبيرة الشيباني:
وإنما ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذا إعلامًا لمن فعله أن الله سبحانه قد بلغ غضبه على شاهد الزور إلى ألا يراه معدودًا في الصائمين؛ اهـ (الإفصاح عن معاني الصحاح 7/ 321 - ط: دار الوطن).
وقال الإمام ابن بطال:
ودلَّ قوله: ((فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ)) إلى آخره: أن الزور يحبط أجر الصائم، وأن من نطق به في صيامه كالآكل الشارب عند الله في الإثم، فينبغي تجنبه والحذر منه؛ لإحباطه للصيام الذي أخبر الشارع عن ربه أنه قال فيه: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، فما ظنك بسيئةٍ غطت على هذا الفضل الجسيم والثواب العظيم؟! اهـ (شرح صحيح البخاري لابن بطال- ط: مكتبة الرشد، السعودية، الرياض).
قلت:
ولذلك في مسند الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ من قِيَامه إِلَّا السهر))؛ (مسند أحمد، ح 9685).
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ليس الصيامُ من الأكلِ والشربِ، إنما الصيامُ من اللَّغوِ والرفَثِ، فإن سابَّك أحدٌ أو جهِل عليك فقل: إني صائمٌ، إني صائمٌ))؛ رواه ابن خزيمة بسند صحيح ح 1996، والحاكم في مستدركه ح 1570).
وصلِّ اللهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.