![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
الإعجاز في قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ حسام كمال النجار الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأتقن كل شيء صنعًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، النبي الأمي الذي بلغ البلاغ المبين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد: فإن من أعظم ما يحرك في النفس معاني الإيمان، ويشعل فيها جذوة التفكر والتدبر، أن تقف متأملًا في آية من آيات الله الكونية، ثم تقابلها بآية من آياته القرآنية، فترى التطابق العجيب، والنظام الدقيق، والحكمة البالغة التي لا تصدر إلا من خالق حكيم عليم، ومن أعظم هذه المشاهد التي جمعت بين جمال الخلق وروعة البيان، مشهد الورقة التي تسقط من الشجرة، والتي جعلها الله آيةً كونيةً ناطقةً بعلمه وقدرته سبحانه. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]. هذه الآية العظيمة ليست مجرد خبر عن سعة علم الله تبارك وتعالى وعز وجل، بل هي نافذة مفتوحة على عالم كامل من الإبداع الإلهي، ودعوة صريحة للتأمل في أصغر مخلوقات الله وأكثرها شيوعًا، لعلنا نرى فيها من عظمة الخالق ما لم نكن نرى، وإن الورقة التي تمر علينا مرور الكرام، أو نكنسها من الأرض دون أن نلقي لها بالًا، لتخبرنا عن نفسها أنها كانت مصنعَ حياة، وأنها لم تسقط عبثًا، وأن سقوطها كان معلومًا عند الله مسطورًا في كتاب عنده، قبل أن تُخلق الأرض والسماوات. وهنا تبدأ رحلة الإنسان في التأمل والتفكر في خلق الله عز وجل؛ رحلة توقظ القلب بخشية الخالق وتعظيمه، وتفتح أمام العقل آفاقًا واسعة لاكتشاف عجائب هذا الكون التي لا تنقضي. فالورقة ليست مجرد سطح أخضر يرفرف على أغصان الشجر، بل هي آية قائمة بذاتها؛ معجزة هندسية دقيقة، ومصنع كيميائي متكامل، ووحدة أساسية في بنية النبات لا غنى عنها، فهي العضو المسؤول عن تصنيع الغذاء عبر عملية البناء الضوئي، وعن تنقية الهواء، وتبادل الغازات، والمساهمة في تبريد النبات وتنظيم حرارته، وكل ذلك يجري في نظام بالغ الدقة والإحكام، يزداد وضوحًا كلما تدبره الباحث بعين العلم، واستحضره المؤمن بقلب يوقن أن خالق هذا الإتقان لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. تتكون الورقة من طبقات متعددة، لكل طبقة وظيفتها الدقيقة؛ ففي الطبقة العليا تجد بشرة شفافة تحمي الورقة وتسمح بمرور الضوء، وفي الطبقة الوسطى تجد خلايا عمادية غنية بالبلاستيدات الخضراء التي تمتص الضوء وتحوله إلى طاقة، وفي الطبقة السفلى تجد الثغور التي تفتح وتغلق بدقة متناهية لتنظيم دخول ثاني أكسيد الكربون وخروج الأكسجين وبخار الماء، وهذا كله مغطًّى بطبقة شمعية تحفظ الماء وتمنع الجفاف، فمن ذا الذي ألهم هذه الخلية أن تصطف إلى جوار أختها بهذا الانتظام؟ ومن ذا الذي علم الثغور متى تفتح ومتى تغلق؟ أهي الطبيعة العمياء التي لا تبصر ولا تسمع؟ أم هو الله الواحد القهار الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا؟ إن علم الأحياء الحديث يكشف لنا أن الورقة الواحدة تحتوي على ملايين الخلايا، كل خلية منها تشبه مدينة عامرة، في داخل كل خلية عشرات البلاستيدات الخضراء، وفي كل بلاستيدة آلاف الجزيئات من الكلوروفيل، وكل جزيء كلوروفيل يتكون من أكثر من مائة ذرة، مرتبة ترتيبًا هندسيًّا دقيقًا لا يتغير ولا يتبدل، هذه الذرات تلتقط الفوتونات القادمة من الشمس بسرعة الضوء، وتحول طاقتها إلى إلكترونات، ثم إلى رابطة كيميائية، ثم إلى جزيء جلوكوز، ثم إلى غذاء للإنسان والحيوان، فهل يعقل أن يكون هذا النظام المحكم قد وُجد بالمصادفة؟ وهل يمكن أن تولد ملايين الملايين من الخلايا بهذا التنظيم دون مدبر حكيم؟ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [الأنعام: 95]، فهو الذي يخرج الورقة الخضراء من التراب الميت، ويجعل فيها من أسباب الحياة ما يبهر العقول سبحانه وتعالى.من أسباب الحياة ما يبهر العقول. ثم تأتي مرحلة النمو، وهي في حد ذاتها آية تستحق التأمل، الورقة لا تخرج مكتملة دفعة واحدة، بل تنمو شيئًا فشيئًا بقدر معلوم، تبدأ ببرعم صغير لا يكاد يُرى، ثم تتفتح رويدًا رويدًا، وتزداد مساحتها يومًا بعد يوم، وتزداد سماكتها، وتزداد قدرتها على التمثيل الضوئي، وكل ذلك يحدث وفق برنامج محدد مسبقًا، مكتوب في الشيفرة الوراثية للنبات، هذه الشيفرة التي تخزن في نواة كل خلية، وتحتوي على مليارات من المعلومات، تحدد شكل الورقة، وحجمها، ولونها، وعدد عروقها، وطريقة ترتيبها على الساق، بل وحتى اتجاهها نحو الشمس، فمن الذي كتب هذا البرنامج؟ ومن الذي حفظه من الخطأ والنسيان ملايين السنين؟ إنه الله العليم القدير الذي أحصى كل شيء عددًا. وإذا انتقلنا من الورقة الواحدة إلى الغطاء النباتي كله، رأينا العجب العجاب، تشير التقديرات العلمية إلى أن عدد الأشجار على كوكب الأرض يزيد عن ثلاثة تريليونات شجرة، منها نحو تريليون ونصف في الغابات الاستوائية، وأكثر من نصف تريليون في الغابات المعتدلة والباردة، والباقي موزع بين السهول والجبال والمناطق الزراعية، كل شجرة من هذه الأشجار تحمل آلافًا بل ملايين من الأوراق، وفي كل ورقة ملايين الخلايا، وفي كل خلية مئات البلاستيدات، وفي كل بلاستيدة آلاف الجزيئات، وفي كل جزيء ذرات لا تحصى، والله تعالى يعلم عدد هذه الأوراق كلها، ويعلم مكان كل ورقة، وزمن نشأتها، وزمن نضجها، وزمن اصفرارها، وزمن سقوطها، ومصيرها بعد السقوط، ولا تسقط ورقة منها إلا بعلمه وإذنه وتقديره. وهنا يقف العقل البشري عاجزًا عن استيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات، فلو أن إنسانًا أراد أن يعد أوراق شجرة واحدة متوسطة الحجم، لاستغرق ذلك أيامًا بل شهورًا، فكيف بعد أوراق شجر في حي أو مدينة أو بلد؟ ثم كيف بعد أوراق شجر الأرض كلها؟ ثم كيف بعد أوراق الشجر التي عاشت في الماضي ولم يبقَ لها أثر؟ ثم كيف بعد أوراق الشجر التي ستخلق في المستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ إن هذا الإحصاء لا يقدر عليه إلا من أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وهو الله لا إله إلا هو. قال الإمام القرطبي في تفسيره: "قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ [الأنعام: 59]؛ أي يعلم عددها ومقدارها ولونها وهيئتها ومكان سقوطها وزمانه، وما يحدث عنها بعد سقوطها، وهذا من عموم علمه تعالى ودقة إحاطته". ويقول الإمام ابن كثير: "هذا إخبار من الله تعالى باطلاعه على جميع الكائنات، وعلمه بجميع المعلومات، من الكليات والجزئيات، حتى إنه تعالى يعلم عدد الورق الساقط من الأشجار في جميع البلدان والقفار". إن دورة حياة الورقة لا تنتهي بسقوطها، بل يبدأ فصل جديد من حكمة الله وتقديره؛ فالورقة التي تسقط لا تذهب سدًى، ولا تصير نفاية مهملة، بل تتحول إلى عنصر غذائي يعيد الحياة إلى التربة، فعندما تسقط الورقة على الأرض، تبدأ الكائنات الدقيقة كالبكتيريا والفطريات في تحليلها، وتحويل مكوناتها العضوية إلى معادن وعناصر بسيطة، تمتصها جذور النباتات من جديد، فتعود الورقة حياة في أغصان أخرى، أو ثمرة يانعة، أو زهرة عطرة، وهكذا تدور الورقة في دورة الحياة والموت، من تراب وإلى تراب تعود، ثم منها تخرج حية مرة أخرى، أليس هذا هو البعث بعينه؟ أليس هذا ما وعد الله به عباده؟ يقول تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 57]. إن الورقة التي تسقط في غابة نائية، لا تراها عين بشر، تبقى معلومة عند الله، محفوظة في كتاب عنده، شاهدة على أن هذا الكون ليس عبثًا، وأن الموت ليس نهاية، وأن البعث حقٌّ، والحساب حق، والجنة والنار حق؛ فالذي أحيا الورقة من تراب، ثم أماتها، ثم سيعيدها إلى التراب، ثم يخرج منها حياة جديدة، قادر على أن يحيي الموتى من قبورهم، ويبعثهم للحساب والجزاء. وهنا نصل إلى أعظم ما ترمي إليه هذه الآية الكريمة: إثبات البعث والجزاء؛ فالذي يعلم سقوط ورقة، ويعلم مصيرها، ويعلم كل حبة في ظلمات الأرض، لا يمكن أن يترك عباده سدًى، ولا يمكن أن يهمل أمرهم بعد الموت، وكما يعلم دقائق الأمور في الدنيا، سيعلمها في الآخرة، وسيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقد أشار الإمام الرازي إلى هذا المعنى في تفسيره الكبير، فقال: "إن ذكر هذه الجزئيات الدقيقة من علم الله تمهيد لإثبات المعاد، فإن من كان علمه محيطًا بكل شيء، وقدرته نافذة في كل شيء، كان قادرًا على إحياء الموتى وجمعهم للحساب". ثم إن في الورقة رسالة أخرى تتعلق بالتوازن البيئي الذي أودعه الله في خلقه؛ فالأكسجين الذي تنتجه الورقة هو عصب الحياة لجميع الكائنات الحية، والإنسان يستهلك في اليوم الواحد نحو 550 لترًا من الأكسجين، أي ما يعادل 700 غرام تقريبًا، وفي المقابل، تنتج شجرة واحدة متوسطة الحجم ما يكفي من الأكسجين لثلاثة أشخاص يوميًّا، وإذا أردنا الدقة العلمية، فإن الهكتار الواحد من الغابات ينتج سنويًّا ما بين 4 إلى 6 أطنان من الأكسجين، ويمتص نحو 6 أطنان من ثاني أكسيد الكربون، هذه الأرقام الضخمة لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة عمل دؤوب تقوم به أوراق الشجر في صبر وعطاء لا ينقطع. وليس العجب في أن تنتج الورقة الأكسجينَ فحسب، بل العجب في أن تحافظ على نسبة هذا الأكسجين ثابتة في الجو على مدى آلاف السنين، لقد قدر العلماء أن نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي تبلغ 21%، وهي النسبة المثالية للحياة، لو زادت هذه النسبة قليلًا لازدادت حرائق الغابات بدرجة كارثية، ولو نقصت قليلًا لاختنقت الكائنات الحية، فمن الذي يحفظ هذه النسبة بهذا الدقة؟ ومن الذي يضبط إنتاج الأوراق بحيث يظل الميزان محفوظًا؟ أليس هو الله الذي وضع الميزان وأمر ألَّا نطغى فيه؟ يقول تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾ [الرحمن: 7، 8]، والميزان هنا يشمل كل موازين الكون، من توازن الغازات في الجو، إلى توازن العناصر في الأرض، إلى توازن الغذاء في الأجسام، إلى توازن العدل في المجتمعات، وكل ذلك بتقدير من الله وحكمته. ومن عجائب الورقة أنها لا تعمل منفردة، بل تتعاون مع أوراق الشجرة كلها في نظام تكاملي مذهل، فالأوراق العلوية التي تتعرض لأكبر كمية من الضوء تكون أصغر حجمًا وأكثر سمكًا، بينما الأوراق السفلية التي تتعرض لضوء أقل تكون أكبر حجمًا وأرقَّ، وهكذا توزع المهام بين الأوراق بحسب إمكاناتها وظروفها، والأمر نفسه ينطبق على الغابات: الأشجار الطويلة تظلل القصيرة، والقصيرة تحمي التربة من الجفاف، والجذور العميقة تمتص الماء من باطن الأرض، والجذور السطحية تمتص المعادن من الطبقة العليا، هذا التعاون المذهل لا يمكن أن يكون صدفة، بل هو من آيات الله في خلقه. ثم تأتي الألوان لتضيف بعدًا جماليًّا إلى جانب البعد الوظيفي، فالورقة ليست خضراء فقط، بل تتدرج في الخضرة من الفاتح إلى الغامق، ومن الأصفر المخضر إلى الأزرق المخضر، وفي الخريف تتحول إلى لوحة فنية من الأصفر والبرتقالي والأحمر والبني، هذه الألوان ليست مجرد زينة، بل هي رسائل كيميائية: الاصفرار يعني توقف إنتاج الكلوروفيل وبداية مرحلة الشيخوخة، والاحمرار يعني إنتاج صبغات واقية تحمي الورقة من أشعة الشمس القوية أثناء سحب العناصر الغذائية منها، وكل لون له سبب، وكل سبب له حكمة، وكل حكمة تدل على خالق حكيم عليم. يقول عالم النباتات روبرت مالينوفسكي: إن تعقيد الورقة يفوق تعقيد أي آلة صنعها الإنسان، إنها آلة تعمل بالطاقة الشمسية، وتنتج غذاءها بنفسها، وتصلح أعطابها ذاتيًّا، وتتكيف مع بيئتها، وتتكاثر، وتموت في الوقت المناسب، لو كلفنا أنفسنا بتصميم ورقة واحدة من الصفر، لعجزنا عن ذلك رغم تقدم تقنياتنا [فهم تطور الورقة، علم التعقيد؛ مجلة النباتات 2013؛ المجلد 2، العدد 3، الصفحات 396 - 415]، فإذا كان هذا اعتراف عالم لا يؤمن بالله، فكيف بمن آمن به وصدق كتابه؟ إن آية سورة الأنعام لم تأتِ في سياق علمي مجرد، بل جاءت في سياق الحديث عن مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وهذا يذكرنا بأن علم الله ليس علمًا محدودًا، بل هو علم مطلق لا يتطرق إليه نقص أو خطأ، نحن البشر نتعلم بالتدريج، وقد نخطئ وقد نصيب، أما الله تعالى فلا يحتاج إلى تعلم، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة))؛ [سنن أبي داود: 4700، وصححه الألباني]، فكل شيء مكتوب عند الله، من أكبر المجرات إلى أصغر الوريقات. هذا الإيمان بعلم الله المطلق يثمر في قلب المؤمن ثمارًا يانعة. أولها: مراقبة الله في السر والعلن: فإذا علم العبد أن الله يراه ويسمعه ويعلم سره ونجواه، استحيا أن يعصيه، وخاف أن يخالف أمره؛ يقول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ [متفق عليه]. وثانيها: الثقة بحكمة الله في كل ما يجري: فإذا علم العبد أن ورقة لا تسقط إلا بإذن الله، علم أن ما يصيبه من خير أو شر، صحة أو مرض، غنى أو فقر، إنما هو بقضاء الله وقدره، فلا يجزع عند المصيبة، ولا يبطر عند النعمة، بل يسلم أمره لله، ويرضى بحكمه، ويثق بحكمته. وثالثها: الرجاء في رحمة الله: فإذا كان الله يعلم سقوط ورقة، أفلا يعلم حاجة عبده؟ وإذا كان يحصي عدد الأوراق، أفلا يحصي دموع العين وأنين المكلوم؟ يقول تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ [النمل: 62]، فالله قريب من عباده، سميع لدعائهم، عليم بحاجاتهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم. ورابعها: التواضع والانكسار أمام عظمة الله: إن الإنسان الذي يتأمل في ورقة شجر، ويرى فيها هذا الإتقان وهذا الإبداع، لا يمكن أن يتكبر على خلق الله، كيف يتكبر وهو عاجز عن خلق ورقة واحدة؟ وكيف يتجبر وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟ بل كيف يطغى وهو مخلوق من تراب، وإلى تراب يعود، ومن التراب يخرج مرة أخرى؟ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في هذا التواضع، مع أنه سيد ولد آدم، وكان يعيش في بيت من طين، ويأكل على الأرض، ويخصف نعله بيده، ويرقع ثوبه بنفسه. إن ورقة الشجر التي نتحدث عنها ليست مجرد موضوع علمي، بل هي مدرسة إيمانية متكاملة. تعلمنا الصبر: فكم من يوم وليلة ظلت هذه الورقة تعمل في صمت، تلتقط الضوء، وتنتج الغذاء، وتطلق الأكسجين، دون أن تشكو أو تطلب جزاء! وتعلمنا العطاء: فهي لا تبخل بثمرها على من يأكل، ولا بظلها على من يستظل، ولا بهوائها على من يتنفس. وتعلمنا التواضع: فهي تتدلى من الغصن مطأطئة رأسها، لا تتعالى على من حولها، ولا تحتقر من دونها. وتعلمنا التسليم: فهي لا تسقط إلا في الوقت الذي حدده الله لها، ولا تتمرد على قانون الفصول، ولا ترفض دورة الحياة والموت. وهذه المعاني كلها مستفادة من آية واحدة في كتاب الله، تتحدث عن ورقة واحدة تسقط من شجرة واحدة، فما بالك بآيات القرآن كلها؟ وما بالك بمخلوقات الله كلها؟ إن العلم الإلهي بحر لا ساحل له، وكلما تعمقنا فيه ازددنا يقينًا بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. وفي الختام، نقف وقفة مع جمال التعبير القرآني في هذه الآية؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ [الأنعام: 59]، فلم يقل: وما تسقط ورقة، بل قال: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ ﴾ [الأنعام: 59]، ومن هنا تفيد الاستغراق والشمول، أي إن كل ورقة، أيًّا كانت، وحيثما كانت، لا تسقط إلا وهو يعلمها، ثم قال: ﴿ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ [الأنعام: 59]، ولم يقل: إلا يعلم سقوطها ليشمل علمه بالورقة نفسها قبل السقوط وبعده، وبظروف السقوط ونتائجه، وهذا من الإعجاز البلاغي الذي لا يستطيعه إلا رب العالمين. ثم قال: ﴿ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 59]، فانتقل من الورقة التي هي فوق الأرض إلى الحبة التي هي في باطنها، ليشمل علمه ما ظهر وما بطن؛ ثم قال: ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ ﴾ [الأنعام: 59] ليشمل الأحياء والأموات، والماء والتراب، وكل ما في الكون من رطب ويابس؛ ثم ختم بقوله: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]؛ وهو اللوح المحفوظ، فتأمل كيف بدأت الآية بمفاتح الغيب، وانتهت بالكتاب المبين، وفي الوسط ذكر للورقة والحبة والرطب واليابس، إنها سلسلة ذهبية تربط الغيب بالشهادة، والكليات بالجزئيات، والسماء بالأرض. نسأل الله أن يرزقنا التفكر في آياته، والاعتبار بخلقه، والاستقامة على أمره، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 | |
|
مشرفة ملتقى الأسرة المسلمة
![]() ![]() ![]() ![]() |
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ...} | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 03-19-2026 07:00 PM |
| تفسير قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا....} | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 03-08-2026 12:51 PM |
| وقفات مع قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 10-31-2025 09:17 PM |
| معنى قوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) | أبو طلحة | قسم تفسير القرآن الكريم | 2 | 09-30-2023 08:09 PM |
| معنى قوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) | ابومهاجر الخرساني | قسم تفسير القرآن الكريم | 11 | 01-07-2012 05:40 PM |
|
|