الترغيب في الذكر
د. خالد النجار
في البخاري قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ).
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ)؛ [أحمد].
قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين»: قال بعض العلماء: إن الله عز وجل يقول: "أَيُّمَا عَبْدٍ اطلعت عَلَى قَلْبِهِ، فَرَأَيْتُ الغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكَ بِذِكْرِي، تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ وَكُنْتُ جَلِيسَهُ وَمُحَادِثَهُ وَأَنِيسَهُ".
وقال أبو هريرة: إن أهل السماء ليتراؤون بيوت أهل الأرض، ما كان يُذكَر فيهم اسمُ الله، كما تتراؤون النجوم في السماء بقدر ما يذكر الرجل فيه، فكذلك يرونه.
ورد عن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ليس يتحسَّر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرَّت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها)؛ [رواه الطبراني في الكبير، نقلًا عن الألباني في صحيح الجامع].
في مجالس الذكر:
قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ).
قال داود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلهي إذا رأيتني أُجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين، فاكسِر رجلي دونهم، فإنها نعمة تُنعم بها عليَّ.
قال عون بن عبد الله: نعم المجلس مجلسُ تُذكَر فيه الحكمة، وتُنشَر فيه الرحمة.
قال سفيان بن عيينة: إذا اجتمَع قوم يذكرون الله عز وجل، اعتزل الشيطان والدنيا، فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟! فتقول الدنيا: دعْهم، فلو قد تفرَّقوا لأخذت بأعناقهم.
وقال كعب الأحبار: لو أن ثواب المجلس بدا للناس، لاقتَتلوا عليه حتى يترك كلُّ ذي إمارة إمارتَه، وكلُّ ذي سوق سوقَه.
ويَروى عن الضحاك بن قيس قال: طلبت العبادة في كل شيء، فلم أجدها في شيء أفضل منها في مجالس الذكر.
وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن الرجل ليَخرُج من منزله، وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العالم خاف واسترجَع عن ذنوبه، وانصرَف إلى منزله وليس عليه ذنبٌ، فلا تفارقوا مجالس العلماء، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - لم يَخلق على وجه الأرض تربة أكرمَ من مجالس العلماء.
وقال رجل للحسن رحمه الله: أشكو إليك قساوةَ قلبي، فقال أَدْنِه من مجالس الذكر.
وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه دخل السوق، فقال: أراكم ها هنا وميراث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقسَّم في المسجد؟ فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق، فلم يروا ميراثًا، فقالوا: يا أبا هريرة، ما رأينا ميراثًا يُقسَّم في المسجد، قال: فماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قومًا يذكرون الله عز وجل، ويقرؤون القرآن، قال: فذلك ميراث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال علقمة بن قيس: لأن أَغدو إلى قوم أسألهم عن الله عز وجل، ويسألوني عن الله - أحبُّ إلى من أن أحمل على فرس في سبيل الله.
يروى عن شداد بن حكيم أنه قال لمحمد بن جعفر: بلغني أنك تجلس للناس، فما أنت قائل لهم؟ قال: أذكِّرهم نِعمَ الله وآلاءَه حتى يشكروه، وأُنبئهم بكثرة جفائهم لله حتى يتوبوا منه، وأحذِّرهم كيد عدوِّهم إبليس حتى يَحذروه، فال له شداد: حُقَّ لك أن تجلس.
ويروى عن حاتم الأصم أنه قال: بلغني أن من الأنبياء من لم يتَّبعه من أُمتِه إلا رجلٌ واحد، فلو قد خلَّصتُ واحدًا من يد إبليس في جميع مجالسي، لكفاني.
وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: مَن علِم وعمِل وعلَّم، فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات.
عن ابن مسعود أنه كان يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بَغتة، من زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًّا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارعٍ مثل ما زرَع، لا يَسبِق بطيء بحظِّه، ولا يدرك حريص ما لم يُقدَّر له، فمن أُعطي خيرًا، فالله أعطاه، ومَن وُقِيَ شرًّا، فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.
ويروى أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود، أحببني وأحبِب من يحبني، وحبِّبني إلى خلقي، قال: يا رب، وكيف أُحبِّبك إلى خلقك؟ قال: تَذكُرني لهم، فإنه لا يذكرون مني إلا خيرًا.