(أهلية القرآن ومقوماتها)
د. أحمد الدمرداش
الحمد لله علام الغيوب، كاشف الكروب، قابل توبة العبد، وعلمه البيان، أنزل القرآن، وجعله هداية للإنسان، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، وعلى آله، وأصحابه الطيبين الطاهرين، أولي البر والإحسان؛ أما بعد:
فإن الله جل وعلا جعل للقرآن الكريم مزية، وفضيلة عن غيره من الكتب السماوية؛ حيث رفع قدر من تعلمه، أو كتب لمن قرأه درجات كبيرة؛ فقد جاء في الحديث عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله أهلين من الناس، قيل: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: أهل القرآن هم من أهل الله وخاصته)).
في هذا الحديث أضاف النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن إلى الله، وهذا شرف انتساب؛ حيث ينتسب المرء لله، وهذا دلالة على عظم ما يُضاف له الإنسان من قيمة وقدر، وفي الحقيقة فإن القرآن يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا؛ فالمشاهد كثيرة وتُرى رأي عين، فكم من صاحب علم أو مال أو جاه مذكور بين أصحابه وأقربائه والمهتمين بما عنده فحسب؟! لكن صاحب القرآن وضعه مختلف؛ فالناس جميعًا يحتاجون إليه روحيًّا في كل لحظة؛ لترتوي قلوبهم بكتاب الله.
وهذه الأهلية تحتاج إلى مقومات منها ما يلي:
1- النية:
فهي أهم ركن في تعلم القرآن، وأهم أمر في طريق الحفظ والتعلم؛ لأن النية كلما قويت وصدقت، كان عامل التوفيق من الله كبيرًا، وعزم النية وعقدها في أول الطريق يحتاج إلى مجاهدة في تجديدها كل فترة؛ لأن القلب يصدأ، والنفس تمَل، فمع تجديد النية وتقوية العزم يكون التوفيق من الله جل شأنه، والهداية للطريق المستقيم.
2- التماس طريق الأوائل من المشايخ الحفظة المتقنين المربين:
كل نقطة من هذه تحتاج إلى توضيح وشرح، فحاجة الطالب إلى الشيخ الحافظ يجعله ساعيًا دائمًا أن يتمثل في قدوته بشيخه في قوة الحفظ والمراجعة وطرق التحفيظ، وأن يعمل على محاكاته والمشابهة له، وإذا كان الشيخ متقنًا، فهذه إضافة قوية إلى الطالب، تجعله يتعلم من شيخه الدقة والضبط وقوة الأداء، بل إن الشيخ يضيف إلى طالبه ميزانًا دقيقًا يتعلمه في وزن مقادير الحفظ، وضبط الحروف مخرجًا وصفة، وفي كون الشيخ مربيًا، هذا يجعل الطالب يجمع بين العلم والعمل، علم القرآن، والعمل بما فيه من آداب وأخلاق؛ بل إنه قد ينفعه الله بمخالطة شيخه، فيكتسب من سَمته وخلقه، كما كان السلف الصالح يوصون بعضهم بالذهاب إلى العلماء؛ قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: "كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه".
3- التحفيظ وفق منهج دراسي وخطة مستقبلية:
هذا أمر يحتاج إلى استفاضة وشرح، فمعلم القرآن الأصل أنه لا يعمل بعشوائية، أو دون تخطيط، أو يرتجل، فالإسلام علمنا أنه لا بد من الأخذ بالأسباب؛ يقول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18]، فهذا دلالة واضحة على أن الإنسان ينظر تخطيطه المستقبلي، ومنهجية عمله، كما أن العمل وفق تخطيط معدٍّ ومحكم، يجعل النتائج أكثر نجاحًا، ويرسم طريق المستقبل للمعلم والدارس في الحلقات أو الكتاتيب، ويفيد في فهم الدارس لطريقه، ويجعل عملية تقييم المنهج ومراجعته أمرًا سهلًا للتعديل أو السير عليه حتى إتمام القرآن كاملًا، وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا))، وهذا يبين أنه من التوكل على الله الأخذ بالأسباب؛ التي منها التخطيط، والمنهجية، ومنها تتضح الأهداف التي يعمل المعلم على تحقيقها، وتتضح لديه الرؤية المرادة من تعليم القرآن الكريم، أو التي وُضع لأجلها المنهج، ولعل هذا يأتي له توضيح لاحق إن شاء الله تعالى.
4- الاهتمام بأمر الدارسين بحلقات التحفيظ:
وهذا أمر غاية في الأهمية؛ فيكون المعلم مهتمًّا بأمر دارسيه؛ صغيره وكبيره، لا يكون اهتمامه بالحلقة القرآنية فقط؛ حفظًا وأداءً، أو حضورًا وانصرافًا، وإن كان هذا مطلوبًا ولكن الأمر أوسع وأشمل من هذا، فالمعلم مربٍّ، كما أنه والد، ومعلم، ومؤثر، وقدوة، والدارس يتلقى منه من ناحية السلوك والأخلاق ما لا يتلقاه من غيره؛ لذا وجب على المعلم أن يكون حريصًا على متابعة طلابه ودارسيه، مهتمًّا بأمورهم الخاصة قبل شأنهم العلمي، يسمع لهم، ويوجههم، وينصحهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، مؤثِرًا مصلحتهم وما يصلح شأنهم، يتفقد أحوالهم، ولا يمل من نصحهم وتحفيزهم، وهذا لا يمنع توجيه بعض اللوم دون تنفير للمقصرين، أو معاقبة المخطئين؛ ولكن هذا يحتاج إلى حكمة، وطول صبر، وضبط، وحزم، مع فهم طبيعة كل دارس، فلكل واحد منهم طبيعة مختلفة، وشخصية مستقلة، وما يصلح لواحد قد لا يصلح مع غيره، والله أعلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.