قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وغَيرُهُ: أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ، يأمرُ اللهُ تَعَالَى الْأَوْلِيَاءَ باختبارِ الْيَتَامَى قبل دفع أموالهم إليهم؛ قال العلماءُ ويكون ذلك بِدْفَعِ جزءٍ يسيرٍ مِنْ مَالِهِ إليهِ، وَيُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، فَإِنْ أحسنَ التَّصَرُّفَ فِيهِ ونَمَّاهُ، وَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ تَسْلِيمُ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَسَاءَ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَأَتْلَفَهُ، فهي قرينةٌ على أنه لم يبلغِ الرشدَ بعدُ، فيَجَبُ عَلَيْهِ إِمْسَاكُ مَالِهِ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، يعني إذا بلغ سنَّ النكاح، وَلِلْبُلُوغِ عَلَامَاتٌ خَمْسَةٌ: ثَلَاثَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وهي تمامُ خمسَ عشْرَةَ سنةً، والاحْتِلَامُ، وإِنْبَاتُ الشَّعْرِ عَلَى العَانَةِ، وتزيدُ الأنثى على الذَّكَرِ بالحيضِ، والحملِ.
سَمَّاهُمْ يَتَامَى بَعْدَ الْبُلُوغِ باعتبار ما كانوا عليه، ولا يُدْفَعُ إليه من ماله شيءٌ قبل الْبُلُوغِ.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًافَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
أَصْلُ الْإِينَاسِ فِي اللُّغَةِ الْإِبْصَارُ، وما رُئي مرَّة بعد أخرى فأُنس به، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29]؛ يعني: إِنْ أَحْسَسْتُمْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا، يَعْنِي: صَلاحًا فِي دِينِهِمْ وَحِفْظًا لِأَمْوَالِهِمْ؛ كما قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغيرهُ، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وَلَا تَحْبِسُوهَا عَنْهُمْ.
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أَصْلُ الْإِسْرَافِ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ إِلَى مَا لا يُبَاحُ، نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ومجاوزةِ الْحَدِّ في الإنفاقِ منها، مُبَادَرَةً من الوليِّ قَبْلَ بُلُوغِ الْيَتَامَى الرشدَ الذي يستحقون به أموالهم.
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: يعني: مَنْ كَانَ ذا سعةٍ ويسارٍ ولا يحتاج إلى مَالِ الْيَتِيمِ فَلْيستعففْ عَنْهُ، وَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا؛ قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
وتنكيرُ لفظ: (رشد) من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، لبيان أن المرادَ به نوعٌ من الرشد وهو الرشدِ في التصرف والتجارة، أو طرفٌ من الرشدِ ومخيلةٌ من مخايله؛ حتى لا ينتظر به تمام الرشد[3].