غرس مراقبة الله في النفوس: شرح تربوي لحديث: ((اتقِ الله حيثما كنت))
خالد حماني
قال صلى الله عليه وسلم: ((اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))؛ [رواه الترمذي].
إن المتأمل في هذا الحديث النبوي الشريف سيجده منهجًا متكاملًا لحياة الإنسان المسلم؛ فهذا الحديث يتضمن ثلاث قواعد مهمة لتنظيم حياة الإنسان بأبعادها الثلاثة: مع خالقه، ومع نفسه، ومع غيره.
فعلاقة الإنسان بربه تتجلى في تحقيق تقوى الله تعالى حيثما كان؛ فهو ملزم بالحرص على تقوى الله في السر والعلن، وفي كل زمان ومكان؛ لأنه عز وجل يعلم السر وأخفى، ولا سبيل لتحقيق التقوى إلا بوضع حاجز وستار بيننا وبين عذاب الله، وهذا الحاجز لا يتحقق إلا بتحقيق العبودية لله الواحد الأحد والامتثال له؛ بالاستجابة للأوامر وتطبيقها، واجتناب النواهي والابتعاد عنها، وهكذا يكون الإنسان قد التزم بتقوى الله تعالى وجدَّد علاقته بخالقه عز وجل.
أما القاعدة الثانية، فهي تنظم علاقة الإنسان مع نفسه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يحثنا في هذا الحديث على الإسراع في القضاء على السيئة، ولا يكون ذلك إلا بفعل الحسنة مباشرة، ومن الوهلة الأولى قد يظهر لنا أن هناك تناقضًا في الأمر، لكن العكس هو الصحيح؛ فهذا يسمى جهاد النفس لنقلها من النفس الأمارة بالسوء، التي هزمت صاحبها وأوقعته في ظلمات المعصية، إلى النفس المطمئنة التي تأنس بالقرب من الله وعبادته، وتأخذ بصاحبها إلى نور الطاعة.
فالحسنة تمحو السيئة، والتوبة تجُب ما قبلها؛ لهذا - أخي المسلم - لا تيأس ولا تقنط من رحمة الله، ولا تستسلم للنفس الأمارة بالسوء؛ فلا يوجد إنسان معصوم من الخطأ، ولكن خير الخطائين التوابون، جاهد نفسك، ومهما فعلت من الذنوب فعُد إلى الله، فهو الغفور الرحيم؛ وهو القائل في كتابه العزيز: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].
انظر - أخي المؤمن - إلى حِلمه ورحمته، ولطفه وكرمه؛ فهو عز وجل لم يتحدث مع من أخطأ مرة أو عصى مرتين فحسب، بل هو ينادي الذين أسرفوا في الذنوب، وبأي أسلوب يناديهم؟ يا عبادي؛ نسبهم إليه رغم إسرافهم؛ لهذا عُد إلى الله ولو أذنبت ألف مرة، فباب التوبة مفتوح.
أما القاعدة الثالثة وهي في غاية الأهمية، فبعد الأمر بتقوى الله (علاقة مع الخالق)، ثم إتباع السيئة بالحسنة (علاقة مع النفس)، حث النبي صلى الله عليه وسلم على ضبط العلاقة مع الآخرين بقوله: ((وخالِقِ الناس بخُلق حسن)).
وهنا ندرك شمولية الإسلام؛ فالتقوى ليست انزواءً في المحاريب فحسب، بل هي حسن تعامل مع الخَلق، والخُلق الحسن هو الثمرة الظاهرة للإيمان، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، والمؤمن الكيس هو من يجمع بين استقامته مع الله ولينه مع عباد الله؛ فيبسط وجهه، ويكف أذاه، ويبذل نداه، متمثلًا قدوة الأنبياء في الصبر والحلم، وبذلك يكتمل عقد هذا المنهج النبوي، فيعيش المسلم متصالحًا مع ربه، مجاهدًا لنفسه، ومحبوبًا في مجتمعه.