الحمدُ للهِ خيرِ الحافظين، عمَّ جودُه العالمين، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له مخلصاً له الدينَ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ وسلّمَ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
أما بعدُ، فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أيها المؤمنون!
من أجلِّ غاياتِ البَشَرِ أنْ يُحْمَوْا من المخاطرِ، وتُحْفظَ لهم المُهَجُ والمباهجُ والمكاسبُ حين أيقنوا عجزَهم عن إدراكِ تلكمُ الغايةِ بأنفسِهم بسببِ ضَعْفِهم الذي جُبِلُوا عليه؛ وذاك ما جعلَهم يبحثون عن حفيظٍ يَقيهمُ الشرورَ ويكفيهم مؤونةَ صونِ الذخائرِ والودائعِ. وقد ضلَّ أكثرُهم طريقَ الاستحفاظِ الذي يكونُ به الحفظُ والوقايةُ وكفايةُ الهمِّ، وهدى اللهُ إليه مَن سبقتْ له منه الحسنى بإيمانِه حين اتخذَ خيرَ الحافظين له حفيظاً؛ يستودِعُه ودائعَه، ويسترعيه أمرَه كلَّه؛ دينيَّه ودنيويَّه، خاصَّه وعامَّه، صغيرَه وكبيرَه، ولم يرتضِ حفيظاً إلا ربَّ العالمين؛ إذ كلُّ حفظٍ دون حفظِه وهاءُ ضياعٍ وحِيلةُ هَلَكةٍ، ومَن ذا الذي يُغالِبُ اللهَ في أمرِه؟! ويجرؤُ على إخفارِ وديعتِه؟! قال ابْنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا اسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ " رواه أحمدُ وصحَّحَه أحمدُ شاكر والألبانيُّ. هكذا أخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نبأَ الحفظِ الربانيِّ الذي يطلبُه العبدُ من ربِّه؛ مُقرِّاً ما كان يؤكِّدُه لقمانُ الحكيمُ في قولِه المذكورِ ويكرِّرُه: " إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا اسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ "، بل كان صلى الله عليه وسلم يصرِّحُ بعدمِ ضياعِ وديعةِ اللهِ أيا كانت، كما كانت سنّتُه القوليةُ في وداعِ مَن يلقاه: «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ».
وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيونُها
نَمْ فالمخاوفُ كلُّهنَّ أمانُ
فما فقهُ هذا الاستحفاظِ؟ إنَّ طلبَ العبدِ من ربِّه حفظَ ودائعِه سبيلٌ مضمونٌ لحفظِها؛ إذ هو خبرُ وعدٍ ربانيٍّ؛ لا يلحقُه خُلْفٌ أو انخرامٌ، ولا يعتريه نَسْخٌ. وما ذاك إلا أنه توحيدٌ خالصٌ للهِ، وإفرادٌ له بالتوجُّهِ والقصدِ والتعظيمِ، وتعلُّقٌ به محضٌ به، وحسنُ ظنٍّ فيه، وقطعٌ للطمعِ فيما سواه، وتبرُّؤٌ من الحولِ؛ وهل يخذلُ اللهُ قلباً استكنَّتْ فيه هذه الحقائقُ؟! قال أهلُ العلمِ: " العبدُ عاجزٌ ضعيفٌ، والأسبابُ التي أُعطيَها عاجزةٌ ضعيفةٌ مِثلُه، فإذا تبرَّأَ العبدُ من الأسبابِ، وتَخلَّى من وَبالِها، وتحلَّى بالاعترافِ بالضعفِ، واستودَعَ اللهَ شيئاً؛ فهذا منه في ذلك الوقتِ تخلِّي وتبرِّي من حفظِه ومراقبتِه؛ فيَكْلَأُه اللهُ ويرعاه ويحفظُه، واللهُ خيرٌ حافظاً". و" أصلُ الوديعةِ التخلِّي عن الشيءِ وتَرْكُه، وإذا تخلَّى العبدُ عن الشيءِ، وترَكَه للهِ، واستحفظَه إياه؛ فقد تبرَّأَ من الحَوْلِ والقوةِ، ورَفَضَ الأسبابَ؛ فحصلَ له الحفظُ والعِصمةُ ". وقد جاءَ في الوحيِ من نبأِ المستحفظِين ما تحيا به القلوبُ، وتوقنُ، وتقتدي. ومن ذلك استحفاظِ نبيِّ اللهِ يعقوبَ -عليه السلامُ- بنيه؛ إذ قال لبنيه: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64]؛ فردَّ اللهُ عليه وديعتَه مجموعةً محفوظةً مرعيَّةً مصانةً. ولما استحفظتْ أمُّ موسى -عليهما السلامُ- ربَّها رضيعَها التي ألقتْه في اليمِّ حينَ أمرَها بإلقائه، وكانت واثقةً بوعدِه؛ ردَّه إليها وجعلَه من المرسلين. وذلكمُ الاستحفاظُ كان من أورادِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي يناجي بها ربَّه كلَّ صبحٍ ومساءٍ، قال عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي " رواه أحمدُ وصحَّحَه ابنُ حبانَ والألبانيُّ. وكذلك كان يطلبُ ربَّه الحفظَ عند منامِه إذ يقول: "إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَه عليه، ثمَّ يقولُ: باسمِك ربِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ " رواه البخاريُّ ومسلمٌ. وكان من هديه في الوداعِ أن يستودعَ اللهَ من يودِّعُه، قال أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ عنه-: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» رواه ابنُ ماجه وصحَّحَه الألبانيُّ. ولوداعِ المسافرَ خصيصةُ استحفاظٍ، قال ابنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ، فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُ: «اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ " رواه الترمذيُّ وصحَّحَه الألبانيُّ. وذَكَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم " رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا! قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا! قَالَ: صَدَقْتَ! فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا! فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا! فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ! قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ! قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ؛ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا " رواه البخاريُّ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ.
أما بعدُ، فاعلموا أنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ...
أيها المؤمنون!
لمّا علمَ الموفَّقون الموقنون طريقَ ذلكمُ الحفظِ الربَّانيِّ؛ تعلَّقوا به في حفظِ كلِّ شأنِهم؛ فاستودعوا اللهَ دينَهم ونفوسَهم ووالديهم وأزواجَهم وذرياتِهم وأموالَهم وأعراضَهم وكلَّ أمرِهم، بل استودَعوه كلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ وما تحت أيديهم من نعمِ الدينِ والدنيا، كما فعلَ العلامةُ النوويُّ في مقدمةِ كتابِه " الأذكارِ" إذ يقولُ: " حسبيَ اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العزيزِ الحكيمِ، ما شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ، توكلتُ على اللهِ، اعتصمتُ باللهِ، استعنتُ باللهِ، وفوَّضتُ أمريَ إلى اللهِ، واستودعتُ دينيَ ونفسيَ ووالديَّ وإخواني وأحبائي وسائرَ مَن أحسنَ إليَّ وجميعَ المسلمين، وجميعَ ما أنعمَ به عليّ وعليهم من أمورِ الآخرةِ والدنيا؛ فإنه -سبحانَه- إذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه، ونِعمَ الحفيظُ! ". ولئن كانتِ الحاجةُ ماسةً للاستحفاظِ الربانيِّ العمرَ كلَّه؛ فحاجتُها في حالِ الفتنِ واشتدادِ البلاءِ والضَّعْفِ أشدُّ. فإن قيل: إنَّ العبدَ لربما استودَعَ ربَّه شيئاً فغابَ عنه ما استودعَه أو فَقَدَه؛ فكيف يكونُ حفظُ اللهِ له؟ فالجوابُ: أنَّ المؤمنَ يوقنُ بحقيقةِ ما أخبرَ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يَلْحَقُ خبرَه شكٌّ ولا كذبٌ؛ وذاك من مقتضياتِ الإيمانِ باللهِ ورسولِه! ولذلك اليقينِ عظيمُ الأثرِ في حصولِ المقصودِ؛ إذ ذخائرُ وعودِ اللهِ خزائنُ لا تُفتَحُ إلا بمفتاحِ اليقينِ والصبرِ، ومَن رامَ فتْحَها بغيرِ ذلك المفتاحِ لم تفتحْ له إلا أن يشاءَ اللهُ. فالاستحفاظُ المذكورُ في الوعدِ مشروطٌ بتحققِ اليقينِ في قلبِ العبدِ، ومعالجةِ الصبرِ، وأنْ يَعْلمَ أنَّ حفظَ اللهِ الودائعَ لا يتقيَّدُ بصورةِ حفظِ المخلوقين، " فكما أنه لا يُشْبِهُ خلْقَه في صفاتِه؛ فكذلك في أفعالِه "؛ فللهِ حكمٌ ورحماتٌ تعجزُ العقولُ عن إدراكِها، فلربما أخَّرَ اللهُ ردَّ الوديعةَ لوقتِها الذي يعلمُ مناسبتَه لعبدِه، ولربما كان حفظُ العبدِ بذهابِ ما استحفظَه، ولربما أذهبَها وأعاضَه خيراً منها؛ فظفِرَ صاحبُها بخيرٍ منها، وما غَنَاءُ ريالٍ ذهبَ وعُوِّضَ صاحبُه مليوناً؟! وبيتٍ هُدِمَ وكان خَلَفُه قصراً؟! هذا في حسابِ الدنيا، كيف إن كان الجزاءُ والخلفُ لا تقومُ الدنيا بأسْرِها كِفاءً له؛ حين يكونُ الثوابُ جناتِ النعيمِ؟!
نستودعُ اللهَ دِيناً حيث نُوْدِعُه
ليست ودائعُه بالسوءِ تُهْتَضَمُ
نستودعُ اللهَ ما نخشى تفرُّقَه
إنَّ القلوبَ بحفظِ اللهِ تَعْتَصِمُ
مَن فوَّضَ الأمرَ للرحمنِ محتسِباً
هانتْ عليه خطوبُ الدهرِ والألمُ