![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
(1) أهمية الثبات وجوانبه كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ الغرض مِن الموعظة: - التحذير مِن ظاهرة التراجع الديني، والخلقي، والعلمي، وغيره، في أوساط كثيرٍ مِن الناس. (1) المقدمة: أهمية الثبات: - المقصود بالثبات: الاستقرار والاستمرار على الحق، والازدياد منه وعدم التراجع والنقصان. - الثبات دليل على استقامة الشخصية وسلامتها مِن التقلب والاضطراب؛ لأن شعار الثابت: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام:153)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن سأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ؛ قَالَ: (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه أحمد ومسلم وغيرهما). - الثبات دليل على سلامة المنهج: (ثبات خبيب بن عدي كان سببًا في إسلام سعيد بن عامر الجمحي - ذكر قصته باختصارٍ شديدٍ). (2) جوانب الثبات: للثبات على الدين جانبان: أحدهما: الثبات على ملة الإسلام. والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام. أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين): - النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وقال عن يوسف -عليه السلام-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101)، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني). صور مِن هؤلاء الثابتين على الملة: - أصحاب الأخدود المؤمنين: قال الله -تعالى-: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:4-8). - عبد الله بن حذافة السهمي -رضى الله عنه-: ذكر الإمام البيهقي -رحمه الله- قصته: "وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلا، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسَرَهُ الرُّومُ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ -وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَجَمِيعَ مَمْلَكَةِ الْعَرَبِ- عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْتُ، قَالَ: إِذًا أَقْتُلَكَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً، حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ إِذًا؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي تُلْقَى السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي، نَفْسٌ تُلْقَى فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-! قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ" (شعب الإيمان للبيهقي). - النوع الثانيً: كفار وملحدون تركوا الثبات على ملة الإسلام التي فطرهم الله عليها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ... ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103). صور مِن هؤلاء (غير الثابتين على الملة): - بلعام بن باعوراء: قال -تعالى- فيه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ? ذَّ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:175-176). - عبيد الله بن (هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضى الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام): روي عن أمِّ حبيبة -رضى الله عنها-: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري). تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبى سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري). ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام: والناس فيه كذلك على نوعين: - النوع الأول: ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن والمعاناة والغربة وإن خالفهم الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني). - هم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة:208)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142)، قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، قال -تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155). صور مِن هؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام: - إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان، حيث سيأتي الكلام مفصلًا في عوامل الثبات. - النوع الثاني: غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم). صور مِن التراجع عن التزام تعاليم الدين: - الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي وغيره في أوساط المتدينين، فضلًا عن عامة المسلمين. - الإشارة إلى بعض الصور الواقعية مِن بيْن ما لا يحصى: يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام: "يقول: شخص كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن... ! وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم وغيرهم كثير، وهناك صور كثيرة لا تحصى عندي وعندكم وعند الناس مِن التراجع!". نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لابد أن يتبادر إلى الأذهان جميعًا: ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟ هذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-: "أسباب التراجع عن الثبات". فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك. اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
#2 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
الثبات (2)
أسباب التراجع عن الثبات (1) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى أهمية الثبات مِن خلال مقدمة الموعظة السابقة: (دليل على سلامة الشخصية مِن التقلب والاضطراب - دليل على سلامة المنهج). - التنبيه على أن الثبات على التزام تعاليم الدين أمر شاق في هذا الزمان، ولكن أجره عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني). - الإشارة إلى أن أسباب التراجع عن الثبات تتلخص في جانبين: الأول: أسباب داخلية، وهي المتعلقة بالإنسان نفسه (أمراض قلبية ونفسية وسلوكية). الثاني: أسباب خارجية، وهي المؤثرات الخارجية على الإنسان (الفتن والمحن ونحوها). أولًا: الأسباب الداخلية: (1) التخوف على النفس: المقصود بذلك: أن الشيطان يوسوس بأن الثبات على الدين مخاطرة عظيمة، ويلِّبس عليه بأن له أبوابًا مِن الخير يقوم بها؟ (الصلاة - الصدقة - العمرة - ...) فلا تعرض نفسك للخطر بالمشاركة في الأعمال الإصلاحية الأخرى، مِن باب قوله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195)، فيجنح الى الانزواء ثم التراجع. - الأقدار مقدَّرة ولن يغير التخوف شيئًا: قال الله -تعالى-: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). - لا مقارنة بيْن ألم الابتلاء في الدنيا، وألم التقصير والجبن عن العمل لدين الله في الآخرة: قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ? أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:10). - الثابتون الصادقون يتندمون على فوات أجر الشهادة في سبيل الله: عن أبي الزناد: "أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لما احتضر بكى، وقال: لقيتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء". (2) التخوف على الأهل والولد: - هذا خاطر شيطاني يجول بقوةٍ في أذهان كثيرٍ مِن الناس، فيؤدي بهم إلى التراجع، فتجد كثيرًا مِن هؤلاء دائمو الاعتذار عن المشاركة في الأعمال الإصلاحية، بتأويل خاطئ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)؛ لأنهم دائمًا يخافون مِن آثارها على الأهل والولد فيما يتصورون مما يوسوس به الشيطان. - تقديم الأهل والولد على العمل للدين، أو البذل لأجله، هو الهلاك والفتنة: قال -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (الأنفال:28)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). - التراجع عن البذل للدين بظن أنه حفظ للأهل والولد، خلل في فهم قضية الدين: ذكر أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" عن أبي سعيد الواسطي قال: "دخلتُ على أحمد الحبس قبْل الضرب، فقلتُ له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور، كأني أسهِّل عليه الإجابة. فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت!". - لا تقلق على أهلك وأولادك إن حفظت دين الله وبذلت مِن أجله: قال -تعالى-: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء:9)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (احفَظِ الله يَحْفَظْكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:64). - بل الله يحفظ أهلك وولدك بعد موتك بصلاحك في حياتك: قال -تعالى-: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) (الكهف:82)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) (رواه البخاري ومسلم). (3) التخوف على الوظيفة والمنصب والمال: - المقصود بذلك: أن الشيطان يسوِّل لكثيرٍ ممَن كانوا بالأمس يعملون ويبذلون لأجل الدين، أن البقاء على ذلك سيكون سببًا في ضياع المال أو الوظيفة المرموقة التي تحصل عليها، لاسيما إذا كان السمت الديني يتعارض مع ذلك فيما يظن ويتوهم. - صورة مؤسفة: (أحدهم كان شعلة مِن الحماس والعمل للدين، فلما ترقى في الوظيفة تغيَّر تغيرًا شديدًا، كل ذلك لأجل انتظاره ترقية أكبر حتى صار يغير مِن ظاهره الكثير، ويترك الصلاة في مساجد السُّنة، الذين كان واحدًا منهم!). - إنها حسبة خاطئة وتقدير مهلك: قال -تعالى-: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:16-17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) (متفق عليه). - أين أنت مِن هؤلاء؟!: عن علي بن أبى طالب -رضي الله عنه- قال: (جئت المسجد فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه" (أخرجه أبو يعلى). وعن ابن عبد الرحمن بن عوف قال: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي!" (رواه البخاري). وللحديث بقية مع بقية الأسباب -إن شاء الله-. نسأل الله الثبات حتى الممات. |
|
|
|
|
|
|
#3 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
الثبات (3)
أسباب التراجع عن الثبات (2) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - تكرير التنبيه على أهمية الثبات، والإشارة إلى مشقته على النفوس لا سيما في هذا الزمان. - التنبيه على ما سبق مِن أن الأسباب على قسمين، داخلية وخارجية مع توضيح المقصود بكل منهما. - التنبيه على أنه سبق الكلام عن ثلاثة أسباب داخلية، واليوم نستكمل الكلام عن بقية الأسباب الداخلية(2). (4) الاستعجال: مرض عضال يجعل المتعجل إن لم تتحقق أهدافه بسرعة يتراجع وييأس ولا يثبت؛ لأنه لا صبر له، فتكون النتيجة انحرافًا منهجيًّا أو سلوكيًّا أو الاثنين معًا(3)؛ فيكون كالمستجير مِن الرمضاء بالنار! - الجهل بسنن الله الشرعية والكونية مِن أعظم أسباب شيوع هذا المرض: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214)، وعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري). - الزرع لابد له مِن مراحل قبْل الحصاد، والبِنَاء لابد في بنائه مِن قاعدته قبْل قمته، وأنتَ عليك البذر وقد يحصد غيرك، وتؤسِّس قاعدة البناء ويرفعه ويشيده غيرك؛ فطريق التمكين شاق وطويل ولابد مِن الصبر: قيل للشافعي -رحمه الله-: "أيهما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أم يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى" (وسيأتي في عوامل الثبات في عامل الصبر كثير مِن التفصيل). (5) الغلو والتشدد: مرض فتاك يُذهِب الثبات، لاسيما في أول الطريق؛ لأنه يفضي بصاحبه إلى الانقطاع وعدم المواصلة؛ وذلك لأن النفس مِن طبعها الملل، والإنسان ذو طاقة محدودة، فإن صبرَ أيامًا وشهورًا على التشدد والغلو، فإنه لا يصبر أكثر مِن ذلك. "يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام، يقول: أحدهم شاب كان يؤذن بصوت جميل حتى إنه كان يبكيني أحيانًا يوم الجمعة أثناء التأذين، فإذ به يتراجع دركة بعد دركة، حتى حلق لحيته وصار يشرب الدخان، وآخر حفظ القرآن وجوَّده، حتى قدمته ليصلي بالناس في صلاة التراويح والقيام، فإذا به يتراجع دركة بعد دركة، حتى ترك القرآن والالتزام، وصار يشاهد المسلسلات والأفلام، وآخر كان لا يخرج مِن المسجد إلا للنوم تقريبًا، ولقد رأيت والده ذات يوم وهو يصرخ في وجهه يأمره بالخروج مِن المسجد بعض الوقت لدراسته الجامعية، وهو يصر على عدم الخروج، وإذا به أيضًا يتراجع دركة دركة حتى حلق لحيته وهجر المساجد، وصاحب الشباب العابثين، وإن كان يحافظ على الصلاة، وآخر كان يقرأ في اليوم عشرة أجزاء مِن القرآن، بل كان في الاعتكاف يختم القرآن في يومٍ واحد، فإذا به يتراجع دركة دركة حتى صار لا يأتي المسجد إلا على فتراتٍ طويلةٍ، وقد هجر القرآن"(4). - الشرع ينهى عن الغلو بكل درجاته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداه جمع: (هَلُمَّ الْقُطْ لِي)، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: (نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني)، وقال -تعالى- عنهم: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27). - شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- جاءت بالتيسير ورفع الحرج والمشقة: قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...) (الأعراف:157)، وقال -تعالى-: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج:78). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا... ) (رواه البخاري). قال ابن المنير -رحمه الله-: "في هذا الحديث علمٌ مِن أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبْلنا أن كل متنطع في الدين منقطع" (فتح الباري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قَالَهَا ثَلَاثًا. (رواه مسلم). - أحوال أعبد الخلق -صلى الله عليه وسلم-: "الاعتدال والوسطية": (نهيهم عن الوصال في الصيام - لا يقوم الليل كله إلا في العشر الأواخر مِن رمضان - ... )، وقال -صلى الله عليه وسلم- لمَن ظنوا الزيادة على طريقته أحسن: (أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلى اللهِ أَدوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) (متفق عليه)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الْاِقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ" (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني). (6) التساهل والترخص: مرض فتاك يتسرب إلى النفوس غالبًا مِن باب وهم التيسير وترك التشدد، فيتدرج مِن الرخص فيما هو سائغ مِن الخلاف إلى الرخص والزلات فيما هو ليس بسائغٍ مِن الخلاف: (الإسبال - الأخذ مِن اللحية - النمص ونحوه - إلى ما هو مِن جنس المحرمات...)(5). - التساهل والترخص يؤدي إلى الوقوع في الحرام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ... ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني). - كثرة الترخص وتتبع زلات العلماء شر وزندقة عند السلف: قال سليمان التيمي: "لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ" (سير أعلام النبلاء)، وذكر الذهبي كذلك في السير: "عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إلى كتابًا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص مِن زلل العلماء وما احتجّ به كلٌ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن مَن أباح المسكر لم يبح المتعة، ومَن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما مِن عالم إلا وله زلة، ومَن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب" (سير أعلام النبلاء). (7) الكبر والغرور ورفض الحق: مرض عضال فتاك يؤدي إلى التراجع وربما الانتكاس؛ لأن المتكبر يَرى نفسه مقدَّمًا في كل شيء؛ ولذلك يرفض التبعية والتوجيه، وينفر مِن كل محفل يظهره مساويًا لغيره، ويزداد أمره سوءًا إذا عوتب أو عوقب(6). - الكبر عن قبول الحق يؤدي إلى التراجع وريما الانتكاس؛ لأن معايير التفاضل عند المتكبرين فاسدة: قال -تعالى-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13)، وقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (المجادلة:11). - أمثلة سيئة: (إبليس - حيي بن أخطب - جبلة بن الأيهم)، (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (الأعراف:12)، وقال حيي بن أخطب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعرفه وأثبته، ولكن عداوته في قلبي ما بقيت" (لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مِن العرب). وذكر أصحاب السِّيَر: "أن عمر لما بلغه إسلام جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة. وقيل: بل استأذنه جبلة في القدوم عليه، فأذن له، فركب في خلقٍ كثيرٍ مِن قومه، قيل: مائة وخمسون راكبًا. وقيل: خمسمائة. وتلقته هدايا عمر ونزله قبْل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس هو تاجًا على رأسه، مرصعًا باللآلئ والجواهر... وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وَطِئَ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومِن الناس مَن يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري عمر، ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر، فاعترف جبلة فقال له عمر: أقده. فقال جبلة: كيف وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقوى. فقال جبلة قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترضِ الرجل أقدته منك. فقال: إذًا أتنصر. فقال: إن تنصرت ضربت عنقك. فلما رأى الجد قال: سأنظر في أمري هذه الليلة. فانصرف مِن عند عمر، فلما ادلهم الليل ركب في قومه ومَن أطاعه، فسار إلى الشام، ثم دخل بلاد الروم، ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادًا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقًا جزيلة" (السير للذهبي - 3/532 - البداية والنهاية حوادث سنة 53). فاللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ (1) التنبيه على أن التراجع درجات "آخرها الانتكاس". (2) التنبيه على أن الأسباب أكثر مِن ذلك، ولكننا نركِّز على أبرزها؛ لعدم الإطالة. (3) كل التيارات التكفيرية مصابة بهذا الداء، وأكثر الذين يؤيدون العنف في كل زمان مصابون بهذا، وقد رأينا مِن هؤلاء الكثير ممن حلقوا لحاهم، وتركوا التزام الدين! (4) وآخر في باب الجهاد، حيث كان ينكر على مَن يقول الجهاد فرض كفاية، ولما كانت حرب سوريا جعل قضيته الضغط على نفوس كثيرٍ مِن الشباب بأن الجهاد في سوريا فرض عليهم دون نظر في ضوابط وظروف المسألة، فكانت النتيجة الانزلاق إلى براثن الفرق التكفيرية، ثم ترك كل ذلك وانجرف إلى شهوات الدنيا. (5) مِن التساهل: ما هو حاصل ممَن كانوا أصحاب سمتٍ سلفي، ثم صاروا يلبسون "الكاجوال والبنطلون الضيق"، ويتكلمون العامية المسيئة في مقاطع اليوتيوب! أو مقارفة ما اقترن بالشبهات: كالاختلاط المذموم، وارتياد أماكن اللهو والغفلة، والتوسع في استخدام وسائل الاتصال والإعلام العصرية بلا حاجة (نشرات الأخبار والبرامج التحليلية بإفراط) حتى يصل إلى السقوط في الحرام الصريح. (6) قال بعض السلف: "لأن أكون ذَنبًا في الحق، خير مِن أن أكون رأسًا في الباطل!" |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الثبات بعد مواسم الطاعات | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 06-16-2026 07:37 PM |
| الثبات بعد رمضان | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 03-23-2026 10:56 AM |
| الثبات على المصائب | امانى يسرى محمد | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 08-23-2025 05:21 PM |
| وسائل الثبات على الدين | Abujebreel | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 2 | 10-30-2016 12:01 AM |
| وسائل الثبات | أبو ريم ورحمة | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 3 | 02-16-2012 11:36 PM |
|
|