استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ الثقــــــافـــة و الأدب ۩ > ملتقى اللغة العربية
ملتقى اللغة العربية يهتم بعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب ونقد ...
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-10-2026, 10:40 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي بين الابتغاء والنسيان.. هندسة التوازن البشري في سحر البيان القرآني

      

أنفاس الوحي (9)

بين الابتغاء والنسيان.. هندسة التوازن البشري في سحر البيان القرآني




حمدية الجوراني



في مشهدٍ محكم من مشاهد البيان القرآني، تتجلى آيةٌ تُعيد هندسة علاقة الإنسان بالدنيا والآخرة، وتضبط إيقاع روحه وعمله، وتسكب في داخله بصيرة الطريق: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77).
هذه الآية ليست مجرد جمعٍ بين دارين؛ إنّها بناءٌ أسلوبيٌّ عميق يطرق على وعي الإنسان طرقاً مزدوجاً؛ طرقاً يوقظ رغبته في العلوّ، وآخر يرده إلى سوية العمران والاحتياج والواقعية.
تُنشئ الآية حركة تربوية ذات مدارين؛ مدار يعلو بالروح، ومدار يرسو بالحياة، فلا تنفلت النفس إلى رهبانية، ولا تنحدر إلى مادية عمياء.
التحليل الأسلوبي للآية

1- فعل الأمر «ابتغِ»: اختار القرآن فعل الابتغاء دون غيره؛ فلم يقل: «اطلب»، ولا «اسعَ»، بل قال: «ابتغِ»، والابتغاء في العربية أخصّ من الطلب؛ فهو طلبٌ مصنوع من قصدٍ وإخلاصٍ وبحثٍ عميق.
الأسلوب هنا يرسم حركة داخلية قبل الحركة الخارجية؛ فالمطلوب ليس عملاً عادياً، بل توجيه مجمل الطاقة الإنسانية نحو غاية متعالية.
2- تركيب «فيما آتاك الله»: جعل مورَد العمل هو عطايا الله، لا ما يصنعه الإنسان من نفسه.
وفي دخول حرف الجر «في» ما يشير إلى الاحتماء بالنعم داخل سياج الطاعة، أي: اجعل ما منحك الله وعاءً يعمل للآخرة لا عليها.
إذا كانت الجملة الأولى: «وابتغِ فيما آتاك الله الآخرة» هي جناح الارتفاع، فإن الجملة الثانية هي الجناح الذي يحفظ التوازن.
غير أن جمال الأسلوب لا يكمن في هذا التوازن فحسب، بل في الكيفية التي صيغت بها الجملة الثانية.
3- اختيار فعل «لا تَنسَ»: لم يقل: «خُذ»، ولا «استمتع»، ولا «اطلب»؛ بل أتى بالنهْيٍ عن النسيان، وهو أسلوبٌ تربويٌّ رفيع، يوهم أن الأصل في قلب المؤمن الانشغال بالآخرة حتى ينسى حاجاته، وأنّ مهمة النص هي ردّه إلى إنسانيته لا دفعه إلى مَلَكِيّته.
إنها جملة تستنطق طبيعة النفس المؤمنة؛ فهي تتطلع إلى الله بقدرٍ يجعل تذكيرها بالدنيا رحمة، لا ضغطاً عليها.
4- كلمة «نصيبك»: هذه من ألطف أسرار الأسلوب؛ فالنصيب في العربية قَدْرٌ محسوب، لا يُعطى مطلقاً، ولا يُمنح بغير ميزان.
فالجملة لا تفتح باب الترف، ولا تعطي رخصة للإغراق في المتاع، إنما تُقرّر قاعدة: «خذ من الدنيا ما يقوم به بدنك، ويتقوّى به قلبك على السير، لا ما يثقلك أو يأسر روحك».
إنها الدنيا النصيب، لا الدنيا النصّ الكامل.
إنّها الدنيا التي تُحمَل، لا الدنيا التي تحملنا.
5- التقديم والتأخير في البنية: قدّم القرآن الجملة المتعلقة بالآخرة، وأخّر ذكر الدنيا؛ ليبقى ترتيب القيم في الوعي كما أراده الله:
  • الآخرة وجهة، والدنيا زاد.
  • الآخرة مقصد، والدنيا وسيلة.
وهذا الترتيب ليس لفظيًّا فحسب؛ بل هو ترتيبٌ تربوي يريد أن يرسّخ في قلب القارئ أنّ نصيبه من الدنيا لا يكتسب شرعيته إلا بقدر ارتباطه بطريق الآخرة.
6- التوازن الأسلوبي بين الجملتين التي تكونت منهما الآية الكريمة: من أرقِّ الأسرار الأسلوبية أن الجملتين جاءتا على وزنٍ من التضادّ الانسجامي:
  • الأولى تتجه صعوداً نحو الآخرة،
  • والثانية تتجه نزولاً لضبط خُطى الإنسان في واقعه.
هذا البناء يخلق في نفس القارئ إيقاعاً تربوياً يحفظه من الإفراط والتفريط.
الأثر التربوي للآية

1- بناء الوعي بالمقصد: فالآية تُحرِّر الإنسان من أَسر المشاريع المتشظية، وتعيد توجيه البوصلة نحو مشروع واحد وهو أن تعمل بما أوتيت للدار الباقية.
وبهذا تغرس في النفس روح المسؤولية العليا، وتمنع الانجراف وراء بريق المنصب أو المال أو الشهرة.
2- تهذيب الشهوة دون قمعها: فهي لا تدعو إلى الرهبانية، بل إلى التطهير؛ فتأمر بإشباع الحاجات البشرية دون إفراط، وتربية النفس على أن تملك الدنيا دون أن تملكها الدنيا.
3- التربية على الوعي بالنعمة: وذلك بإسناد الإيتاء إلى اسم الجلالة «الله»؛ فهو يوقظ معنى الفضل؛ فلا يتكبّر الإنسان، ولا يظلم، ولا يتصرف في عطايا الله إلا كوكيل أمين.
4- التربية على استثمار الإمكانات: فهي تدعو إلى أن يتحول كل علم أو مال أو نفوذ إلى رافعة لعمل الآخرة؛ فلا توجد نعمة محايدة في ميزان التربية القرآنية؛ فكل نعمة إمّا جسر إلى الآخرة وإما قيد إلى الدنيا.
مشهد نبوي مفسِّر للمقصد

يبرز مقصد الآية جلياً في مشهدٍ بليغ من السيرة حين دخل عبدالرحمن بن عوف على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر طيب، فقال له صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ؟»، قال: تزوجتُ امرأة، قال: «كم سُقتَ إليها؟»، قال: وزن نواةٍ من ذهب، فقال صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك، أولِمْ ولو بشاة».
هذا المشهد يضيء 3 معانٍ من الآية:
1- العمل للآخرة: عبدالرحمن من العشرة المبشرين، ومع ذلك يعمل تجارةً ويعطي ويحضُر الأسواق، مبتغياً بماله نُصرة الدين.
2- عدم نسيان نصيب الدنيا: لم يمنعه زهده من الزواج، والتجمّل، والعيش بقدرٍ كريم.
3- التوازن التربوي: النبي صلى الله عليه وسلم لم يزجره عن الطيب، ولم يفتح له باب الإسراف، بل ضبط المعادلة بعبارة: «أولِم ولو بشاة»، إشباع بلا تجاوز.
المقاربة مع مشاهد معاصرة

في عصرنا -حيث يلتبس مفهوم النجاح بمفهوم الاستحواذ- يظهر رجال ونساء سخّروا ما آتاهم الله من علمٍ أو موقعٍ أو ثروةٍ لخدمة مجتمعاتهم:
  • فمنهم من يبني مستشفى بماله.
  • ومنهم من ينشئ مؤسسةً تعليميةً للفقراء.
  • ومنهم من يجعل نجاحه سبباً لرفع الضعفاء.
هؤلاء يترجمون الآية إلى واقع: لا يغرقون في الدنيا حتى ينسوا الآخرة، ولا يعتزلون الدنيا حتى يتعطّل نفعهم.
حين يتنفس القلب بميزان الوحي

الآية في عمقها ليست معادلةً حسابية بين دنيا وآخرة، وإنما منهج تربية يجعل الإنسان قائماً بين حاجتين؛ حاجة الروح إلى المقصد، وحاجة الجسد إلى القوت.
وما بينهما ينعقد توازنٌ يخلق الإنسان الذي أراده الوحي؛ إنسانٌ يسير إلى الله بقدمين؛ إحداهما على الأرض، والأخرى معلّقة بالسماء.
إنها آية تُعلّمك أن تعيش الدنيا بقدر، والآخرة بكلّك.
وأن تُقبل على الحياة لتكمل طريقك، لا لتكون طريقك.

بهذا تعيش أنفاس الوحي فيك؛ آخرةٌ تُوجِّه، ودنيا تُهيِّئ، وقلبٌ لا ينسى الله في كلا الطريقين.




اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* آبل تستعد لتحديث تصميم MacBook Pro الأساسى وإطلاق أجهزة جديدة خلال 2027
* آبل تختبر نظام تبريد جديدًا لجهاز iPad Pro استعدادًا لاطلاقه فى 2027
* من يوقف الذكاء الاصطناعي إذا أخطأ؟ سؤال يقلق بنك إنجلترا
* ما سر اللون الأزرق فى شعارات شركات التكنولوجيا؟.. فيسبوك وإنتل وibm ضمنهم
* 4 مشكلات فى هواتف أندرويد محدش هيقولك عليها لو هتغير من آيفون
* أساليب "العقلانيين" في التعامل مع "السنة النبوية"
* تفسير سورة الفاتحة

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الابتغاء, البيان, البشري, التوازن, القرآني, بين, شير, في, هندسة, والنسيان..
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سحر البيان في رفع "الصابئون" بين قواعد النحو ولطائف الإعجاز ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 07-08-2026 10:42 AM
بين «سحر البيان» و«بيان السحر».. كيف حددت اللغة مصير الساحر؟ ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 07-06-2026 11:36 AM
عبدالله بن حذافة: التوازن بين المبادئ والمصالح ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 0 12-31-2025 05:50 AM
أسرار البيان في التعبير القرآني كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-20-2023 05:13 PM
قراءة في بحث الايقاع القرآني و الدماغ البشري ابوعمارياسر قسم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 1 06-05-2020 05:32 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009