استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

 
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم يوم أمس, 06:24 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾

      

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18] [1]

عبدالله بن عبده نعمان العواضي

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:

أيها المسلمون، إن شكر المحسنين، وحفظ المعروف للمتفضلين، يدعو إليه العقل السليم، ويحث عليه الطبع القويم، وقد فُطرت القلوب على حب من أحسن إليها، وأسبل فضله عليها، حتى إن بعض الحيوان البهيم يذكر جميل من أحسن إليه، ويحفظ ودَّ من عطف عليه، ولو بعد سنين، وقد تتخلَّى بعض الحيوانات عن طبعها الوحشي، أو السبعي فتعامل من أنعم عليها بلطف وحنان.

فهل هناك أحد أحسن إلى الإنسان في جميع أحواله كخالقِه، وأمده بأصناف النِّعم في كل أطواره كرازِقِه؟

فهو يتقلب في نعم الله ليلَ نهارَ وقد لا يشكر، ويدفع مولاه عنه كثيرًا من البلايا والأضرار، وهو في ذلك قد لا يشعر.

فما من خير واصل إليه، ولا من شر مدفوع عنه، إلا وربه سبحانه وحده موصل ذلك، ودافعه.

ولو عمل الإنسان صالح أعمال الثقلين، واعتكف في محاريب العبادة، وتحلى بكل زين، وتخلى عن كل شين؛ لما بلغ تمام أداء شكر نعم الله الواصلة إليه، ولا أدَّى نحوها كل واجب عليه.

قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20].

كان بعض العلماء عندما يقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]؛ يقول: سبحان من لم يجعل لحدِّ معرفة نعمه إلا العلمَ بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحدِّ إدراكه أكثرَ من العلمِ أنه لا يُدرك! [2].

أيها المؤمنون، إن نعم الله على عباده كثيرة، وآلاءه النازلة إليهم غزيرة؛ نعم دينية لأهل الإيمان به وبرسله، ونعم دنيوية يشترك فيها المؤمن والكافر، والبَر والفاجر.

وهناك نعم حاصلة للإنسان يعلمها، ونعم غائبة يرجوها، ونعم هو فيها ولا يشعر بها، فمن كان من أهل توفيق الله: عرَّفه الله النعمة الموجودة ومنَّ عليه بشكرها وأسباب بقائها، ووفَّقه لأعمال صالحة يستجلب بها النعم المرجوة، وبصَّره بالنعم التي هو فيها ولا يشعر بها، قال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئنُّ، فقلت له: اذكرِ المطروحين على الطريق، اذكرِ الذين لا مأوى لهم، ولا لهم من يخدمهم.

يحكى أَن أَعْرَابِيًّا دخل على الرشيد، فَقَالَ: يا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثبَّت الله عَلَيْك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا بإدامة شكرها، وحقق لَك النعم الَّتِي ترجوها بِحسن الظَّن بِهِ، ودوام طَاعَته، وعرَّفك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا وَلَا تعرفها لتشكرها. فأعجبه ذَلِك مِنْهُ، وَقَالَ: مَا أحسنَ تقسيمَه! [3].

ليتأمل كل منا- معشر المسلمين- في نعم الله عليه، وليقف مع نفسه وقتًا يُعدِّد ما أنعم الله به عليه.

فإنه سيجد أن أعظم نعمة أنعم الله بها عليه هي نعمة الإسلام التي تتقاصر دونها كل نعمة، هذه النعمة التي أمرنا الله تعالى أن ندعوه في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها؛ فقال تعالى:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 6-7].

وهؤلاء الذين أنعم عليهم هم المذكورون في قوله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].

وأخص النعم في هذه النعمة العظيمة- نعمةِ الإسلام-: نعمةُ الاستقامةِ على دين الله، والعلمِ بشريعته، والفهم الدقيق لما جاء فيها من الهدى، وقوةِ الإيمان بالله سبحانه، ودوامِ الإقبال عليه، والتوبةِ النصوح من كل ذنب، والاستمرارِ على ذكره واستغفاره، والرضا عن الله تعالى في أقضيته وأقداره، حتى يرى الراضي ما يكره من مُرِّ القضاء هو عين ما يحب ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

وفي ذلك السمو الروحي المتألق تتنزل السكينة على قلب مَن هذه حالُه، وتَعمُر نفسَه الطمأنينة، وتتسارع إليه النِّعم من حيث لا يحتسب؛ قال جل وعلا: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

فمن عاش هذه الحياة المصبوغةَ بالقرب من الله اشتاق إلى لقائه، ومن كان من أهل الشوق إلى الله سارع إلى مرضاته، وتحمَّل مكاره الدنيا طمعًا في الوصول إلى أسمى غاياته؛ قال ابن القيم رحمه الله: "فَالشَّوْقُ يَحْمِلُ الْمُشْتَاقَ عَلَى الْجِدِّ فِي السَّيْرِ إِلَى مَحْبُوبِهِ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَيَطْوِي لَهُ الْبَعِيدَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ وَالْمَشَاقَّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ"[4].

ومن أعظم نعم الله على العبد: حسنُ سمعته بين الناس، وأن يكون مرفوع القدر بينهم، عليَّ الشأن فيهم؛ لصلاحه، وطيب أخلاقه، وكثرة إحسانه ومعروفه، فإن مات ذكَرُوه بالدعاء، ولهجوا عليه بكثرة الثناء، وهذا هو الذكر الجميل، ولسان الصدق الباقي بعد الرحيل؛ قال جل وعز: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]، وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم:50].

عباد الله، إن نعم الله تعالى الدنيوية على الإنسان لا تعد ولا تحصى، لكنْ مِن أعظمها: نعمة الصحة والعافية، فمن رُزق العافية في بدنه، وسلم من استمرار الأسقام في جسده، فهو في عطية جزيلة، ومنحة جليلة.

ورؤيةُ المرضى وسماع أخبارهم الأليمة، تذكِّر الغافلَ الصحيحَ بنعمة الله العظيمة.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَاغُ)) [5].

فإذا أُضيفت إلى العافية الكفايةُ في الرزق، والغنى عن الحاجة المالية إلى الخلق؛ فقد تمت النعمة، وكملت المنة.

فعَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)) [6].

وقال وهب بن منبه رحمه الله: "رءوس النِّعم ثلاثة: فأولها: نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها، والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به"[7].

ومن نعم الله في هذه الحياة: نعمة الأمان من المخاوف، ونعمة المراكب التي توصلنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس، ونعمة سهولة دخول الطعام والشراب، ويسر خروجهما.

يقول ربنا عز وجل: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4]، وقال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 12-13].

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: يا لها نعمة، لو يعلم الناس قدرها!

وكان بعض السلف يقول عن الطعام والشراب: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ منفعته، وأذهب عني مضرَّته.

وقال بكر المزني يومًا لبعض إخوانه: والله ما أدري أي النعمتين أفضل عليَّ وعليكم: أنعمة المسلك، أم نعمة المخرج إذا أخرجه منا [8].

ومن نعم الله التي قد لا يعدها بعض الناس نعمة: نزول المكاره على العبد؛ بحصول ألم بسبب مرض، أو ضيق رزق، أو فقدِ محبوب، أو المنعِ من الوصول إلى مراد يُشتهَى. فالبلايا قد تكون أحيانًا من أحسن العطايا؛ فكم من بلية ردت شاردًا عن الله إليه فصار تائبًا، وكم من مصيبة هزت متكبرًا أو مسرفًا أو متجبرًا فعاد متواضعًا راحمًا مقتصدًا، وكم من منحة جاءت في ثوب محنة، وكم من فرحٍ لولا الحزنُ في طريقه لما كان.

"قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ارْضَ عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بِكَ؛ فَإِنَّهُ مَا مَنَعَكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ، وَلَا ابْتَلَاكَ إِلَّا لِيُعَافِيَكَ، وَلَا أَمْرَضَكَ إِلَّا لِيَشْفِيَكَ، وَلَا أَمَاتَكَ إِلَّا لِيُحْيِيَكَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الرِّضَا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَتَسْقُطَ مِنْ عَيْنِهِ"[9].

وصدق من قال:
قد يُنْعِمُ اللهُ بالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ وَيَبْتَلي اللهُ بَعْضَ القَومِ بالنِّعَمِ
ومن نعم الله تعالى على الأحياء: الموت؛ فكم في الموت من تخفيف وتهوين، وإراحة وسلامة؛ فمن كثر شره فمات استراح الناس وتنفسوا الصعداء، ومن طال مرضه وأرهق أقاربَه احتمالُه فمات، ذهب عنهم ذلك العناء، ومن كان مظلومًا مقهورًا- وهو مسلم صالح-، أو كان مؤمنًا مبتلى بمكروه؛ فإنه بالموت يخرج من دار الشقاء إلى دار النعماء، ويتحول من مرارة المعاناة إلى حلاوة الراحة الدائمة.

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) [10].

قال الشاعر:

جَزَى اللَّهُ عَنَّا الْمَوْتَ خَيْرًا فَإِنَّهُ
أَبَرُّ بِنَا مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَأَعْطَفُ
يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الْأَذَى
وَيُدْنِي إلَى الدَّارِ الَّتِي هِيَ أَشْرَف [11]


نسأل الله أن يديم علينا النعم، ويصرف عنا النقم.
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، إن الله تعالى أمر عباده بشكر نعمه، وحمده على فضل مِننه، فمن شكر فرَبَّه أطاع وأرضى، وإلى نعمته استزاد وأبقى؛ قال سبحانه: ﴿ وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: 114].

فمِن شكرِ الله على نعمِه: حمدُه سبحانه، والثناء عليه، والاعتراف بفضله، وجزيل عطائه.

فقد ثبت في صحيح مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)).

ومِن شكرِ الله على نعمِه: تركُ الاستعانة بتلك النعمة على معصية الله، والإحسانُ منها على عباده، قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [القصص: 17].

قال بعض العلماء: "وَالشُّكْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ، وَحُبُّهُ لَهُ، وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَأَلَّا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ"[12].

ومِن شكرِ الله على نعمِه: ألَّا تنسب النعمة عليك إلى ذكائك في تحصيلها، ومثابرتك في الحفاظ عليها، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [الكهف: 39].

ومِن شكرِ الله على نعمِه: طاعتُه، وهجر معصيته؛ فإن ذلك من أسباب بقاء النعمة وزيادتها، فما استجلبت النعم بمثل الطاعات، ولا ذهبت ومحقت بمثل السيئات، وفي أخبار الأمم وأحوالها، وواقع الحياة لمن تأمل فيها عبر واعظة؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [الأنفال: 53].

وقال: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].

ومن كثرت عليه النعم وأُتمت، فينبغي أن تكون طاعته أكمل، وبعده عن الخطايا أكبر، فإن لم يكن ذلك ديانة فليكن حياء من ربِّه صاحب الإحسان عليه.

يا أيها الإنسان:
إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا
فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحَامِ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الْإِلَهِ
فَإِنَّ الْإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ[13]


ولا يظننَّ ظانٌّ مقيم على مساخط ربِّه، وهو يتمتع بكثير من نعم الله ومننه، ويسخرها في معاصيه وتجاوز حدوده- أن ذلك دليل محبة الله ورضاه وإكرامه، وأن تلك النعم ستدوم وتكون خيرًا له يوم بعثه، ليس الأمر كذلك؛ بل هي شر عليه ما دام غير شاكر ولا تائب، واسمعوا قول الله: ﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ [الفجر:15-17].

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ))، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام:44] [14].

عباد الله، إن مَن أنعم الله عليه بنعمة فوفِّق لشكرها، فهذه نعمة أخرى من نعم الله عليه تحتاج إلى شكر جديد. وصدق من قال:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً
عَلَيَّ وَفِي أَمْثَالِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ وُقُوعُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ
وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ[15]


لهذا فإننا مهما شكرنا الله على نعمه فنحن عاجزون عن إيفاء حقه، فهو سبحانه المتفضل بالنعمة، والمتفضل بالتوفيق إلى شكرها.

فعلينا- معشر المسلمين- أن نعرف نعم الله علينا، وعِظمَ آلائه الواصلة إلينا، ومتى غفلنا في متاهات الحياة عن الشعور بنعم الله فلنتذكرها ولنتذاكرها، ولنعدِّدها، قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 231]، وقال: ﴿ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 69].

قدم سعيد الجريري رحمه الله من الحج فجعل يقول: "أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا، ثم قال: تعداد النِّعم من الشكر"[16]، وصدق، قال الله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].

وعلينا تسخير نعم الله علينا فيما أباح لنا، وفيما يقربنا من رضوانه، وأن نعلم أن كل نعمة فهي من الله فضل، وكل زوال أو محق لها فهو منه عدل.

فيا سعادة من عرف النعمة فشكرها، واستبقاها به ولم يكفرها.

فاللهم شكرًا على كل نعمة أنعمت بها علينا، وأبقيتها رغم عصياننا وقلة شكرنا، فأدم علينا- يا كريم- وافرَ فضلك، وزدنا من جزيل عطائك، واجعلنا لك شكَّارين، وإليك أوَّابين منيبين.

هذا وصلوا وسلموا على خير البرية...

[1] ألقيت في جامع الأنوار في: 19/12/1447هـ، 5/6/2026م.

[2] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 145).

[3] ينظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 136)، الفوائد لابن القيم (ص: 173).

[4] زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 15).

[5] رواه البخاري.

[6] رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي في الشعب، وهو حسن.

[7] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 142).

[8] ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 68)، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 144).

[9] مدارج السالكين (2/ 208).

[10] متفق عليه.

[11] اللطائف والظرائف (ص: 270).

[12] مدارج السالكين (2/ 234).

[13] أدب الدنيا والدين (ص: 245).

[14] رواه أحمد، والبيهقي، والطبراني، وهو حسن.

[15] الشكر لابن أبي الدنيا (ص: 31).

[16] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 142).






اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* آفة السلبية ومعالم الإيجابية في القرآن والسنة
* (زمن الدجال وحفظ النفس)
* كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله
* الصراع بين الحق والباطل
* لا تتــوقـف
* مناهج وطرائق التدريس الحديثة
* كيف تحضر درسًا متميزًا؟

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
   
الكلمات الدلالية (Tags)
, ﴿, لا, الله, تحصوها, تعدوا, نغمة, وهو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
﴿ أن الله يعلم ما في أنفسكم ﴾ ابو الوليد المسلم ملتقى الطرائف والغرائب 0 06-30-2026 07:14 PM
تفسير قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...﴾ ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 0 06-24-2026 10:42 AM
﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 0 05-28-2026 12:36 PM
ملامح تربوية مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾ امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 2 11-03-2025 09:33 AM
ملامح تربوية مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها...﴾ امانى يسرى محمد ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 08-22-2025 02:54 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009