الجهاد في سبيل الله من واجبات الدين
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
الحمد لله القوي العزيز؛ يُعز من يشاء ويُذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أحمده سبحانه، وهو أهل الحمد والثناء، وأَشكُره على آلائه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ليُظهره على الدين كله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، وامتثِلوا أوامره، واجتنبوه نواهيه، واعلموا أن أوجب الدين الإسلامي يحتِّم على الأمة الإسلامية تحقيقَ العدالة في كل الشؤون، وفي جميع الحالات؛ يحتم عليها القيام بما أوجَب عليها من الحقوق، سواء الحقوق الواجبة لله، أو لعباد الله، فعلى المسلم أن يتَّقي الله فيما بينه وبين ربه، ويقوم بما فرَض الله عليه؛ من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمضمون هاتين الشهادتين الالتزام بجميع ما أمر الله به، أو أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إخلاص العمل لله وحده، فلا يعبد إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يُرجى سواه، ولا يَلتفت العبد بقلبه إلى أحدٍ غير خالقه وإلهه، وكيف يلتفت العبد بقلبه إلى أحد سوى الله؟! وهو يعلم أن الله هو الخالق الرازق، وأنه المحيي والمميت وحده، وأنه هو الإله الحق المستحق للعبادة وحده، وهو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه؛ يقول الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].
أما غير الله، فلا يَملِك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يَملِك لغيره شيئًا من ذلك؟ يقول الله عز وجل: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 13، 14].
ومن تحقيق شهادة (أن محمدًا رسول الله) طاعته في جميع أوامره، وتصديقه في جميع ما أخبر به، واجتناب كل ما نهى عنه، ولا يكون في قلبه حرج مما جاء به صلى الله عليه وسلم، ولا يعبد ربه بعبادة يخترعها من نفسه، أو من قبل أحدٍ غير نبيه؛ يقول الله سبحانه: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 74، 76].
فالطاغوت والطغيان هو مجاوزة الحد في الظلم والاعتداء، وكل من تجاوز حده في العُتو على الله أو على عباده، فهو طاغٍ وطاغوت، وإذا تجاوز الإنسان الحدَّ وعاث في الأرض فسادًا، وذهب يستبعد الناس ويُذلهم، ويَسلُبهم حقوقَهم الشرعية، فهو يقاتل في سبيل الطاغوت، ومن يقاتل في سبيل الطاغوت، فهو في سبيل الشيطان، ووليه الشيطان، والله عز وجل يقول: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 74، 76].
فقاتلوا أيها المسلمون في سبيل الله، ولتكن الغاية من ذلك أن يسيطر العدل الإلهي على العالمين، وأن تكون العزة لله ورسوله وللمؤمنين، دون أن يكون هناك غايةٌ شخصية، أو عُلو في الأرض أو فساد فيها، ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83].
نفَعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.