استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ الثقــــــافـــة و الأدب ۩ > ملتقى اللغة العربية
ملتقى اللغة العربية يهتم بعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب ونقد ...
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-31-2026, 11:56 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي البعد النفسي لـ (قفا نبك)

      

البعد النفسي لـ (قفا نبك)


خليل خلف سويحل





لعلَّ أشهر بيت عرَفتْه العرب جاء في مطلع معلقة امرئ القيس، وهو قوله:
قِفا نَبْكِ من ذِكرى حبيبٍ ومَنزلِ = بسِقْطِ اللِّوى بينَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

وسنحاول في هذه الأسطر أن نُزيح اللِّثام عن بعض أسرار البيان في هذا البيت، متلمِّسين الأبعادَ النفسية له، ومستوضحين بعضَ المعاني الكامنة فيه، ويكفي أن نعرف من حياة امرئ القيس أنه سليلُ أسرة عُرِفَتْ بالإمارة، ومن الطبيعي أن تكون حياتُه مترفةً، يَرفُلُ فيها في حلل المتعة، والانغماس في اللذة؛ فالكأسُ جليسُه، والمرأةُ أنيسُه، وعلى الدنيا السلام.

لكنَّ الدَّهر أنزله على مواقعة الحياة؛ فكانت الأيام حُبلى بما لا يحبُّ، فمقتلُ أبيه جعله في الواجهة والمواجهة، فقد مضى الزمن الذي يَتَّكئُ فيه على الآخرين، ويرمي بحِملِه على عاتقهم، وفاتَه أن يعلم أنَّ للحياة عبئًا ثقيلاً، وعناء طويلاً، سيحمله على عاتقه بمفرده في نهاية المطاف، فقد ظنَّ في لحظةٍ ما أنَّ أصحابه وأصدقاءه سيتكفَّلون له بحمل هذه الأعباء - لأنهم كُثُر كعدد شعر رأسه - ولكنَّ مفاجآت الأيام أثبتت له أنه كان أصلعَ الرأس؛ فالآخرون شاركوه المتعةَ واللذَّةَ، لكنَّهم لم يشاركوه الحزن والحسرة، فحاول لاهثًا أن يطارد لحظات الفرح؛ لعله يتشبَّث بلحظة منها، ولكن هيهات! فهي تمضي بعيدًا وتغيب، حتى لتبدو كالسراب.

يبدو لأول وهلة أن قوله: "قفا نبكِ" عبارةٌ كغيرها من عبارات الشعر وتراكيبه، والحقُّ أنها تختزن بين جنبات حروفها نفسًا محترقة، ومشاعرَ متوهجة، وأحاديثَ يطول المقام بذكرها؛ فهي الباب الذي نَلِجُ منه إلى عالم امرئ القيس، والنافذة التي نطلُّ منها على لواعج صدره، والمِرآةُ التي تنعكس فيها مكنونات نفسه.

حقًّا إنها أشبهُ بلمعة البرق التي لا تلبث أن يعقبها غيث من الأفكار والتساؤلات، فلماذا يستفتح معلقته بطلب الوقوف، والوقوف ضد الحركة، ومطلع المعلقة هو بداية الحركة والانطلاق؟ ثم لماذا يوجه خطابه لاثنين (قفا)؟ ولماذا يطالب بالوقوف من أجل البكاء؟ وهل يحتاج الإنسان إلى أن يقف لكي يبكي؟ ثم لماذا أشرَك الآخرين ببكائه (نَبْكِ) ولم يقل: (أَبْكِ)؟ ولماذا حدَّد علَّة الوقوف بالبكاء فقط دون سبب آخر؟... إنها عبارة مكثَّفة أشبه بقطرة عطر فوَّاح، يَنسابُ عبيرها في حنايا الضلوع.

(قفا): خطاب لاثنين، وهو أسلوب عربي عريق، ولكنَّ المراد بالاثنين هو حيرةُ الحير؛ فقد قيل: المقصود بالاثنين صاحباه، وقيل: الاثنان هما ذات الشاعر وآخر، وقيل: إنها خطاب لكل حبيبَيْنِ؛ لأن الحب أنانيَّة بين اثنين، وقيل: إنها خطاب للوالدين اللذين غابا جسدًا لا روحًا، وعلى كلٍّ: هو طلب بالوقوف، وهذا ظاهر السياق، ولكنَّنا عندما نقوم بإسقاط نفسي من خلال الواقع الذي عاينه، نجد أنه وقوف وتوقُّف لمسار محدَّد في حياته، وانطلاقة نحو أُفُق جديد، واتجاه آخر فيها.

ويتساءل المرءُ: لماذا لم يطالب بالتمهُّل لا بالوقوف؟ ولعلها إشارة غير واعية من امرئ القيس إلى توقف الحياة التي كان يحياها، فعندما دفَن والده، دفَن معه لهوَه ومتعتَه، فتصلَّبتِ الدماءُ الحارة في عروقه، وتملَّكه القنوط، واستبدَّ به اليأس، وكم من ذكرى جميلة ضاعت على هذا الدرب! ممَّا ضاعف الألم في النفس؛ فانهارت قواه النفسية والجسدية أمام الأهوال التي واجهته؛ فلم يمتلك القدرةَ على فعل أيِّ شيء سوى البكاء، وهي حالة نفسية اضطرارية لا مفرَّ منها، فالموقف الذي أصبح فيه لا يحتمل فرصةً للتأمل، أو برهة للتفكُّر، أو لحظة للتذكُّر؛ ولذا كان البكاء علَّةَ الوقوف، وإذا كان بكاء الرجل صعبًا، فكيف يكون بكاء الأمير؟! ولنا أن نتصوَّر حينئذٍ عمقَ المأزق النفسي الذي قادته إليه الأيام.

وهو لم يستطع كبتَ جموحه العاطفي، لكنه حاولَ التخفيفَ منه بإشراك الآخرين في بكائه (نَبْكِ)، ولعل لنشأته الملكيَّة أثرًا كبيرًا في هذا المقام؛ فلا يرضى لنفسه أن يبكي وحيدًا، وإن كان في قرارة نفسه يشعر بهذه الحقيقة المُرَّة.

وبكاؤه في هذا السياق له ما يسوِّغه؛ فهو القائل:
وإن شفائي عَبرةٌ مهَراقة = فهل عند رسمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ

فالدمع يُخفِّفُ من وطأة الحزن الثقيلة؛ ولذا قيل:
فاثلج ببرد الدمع صدرًا واغرًا = وجوانحًا مسجورةَ الرمضاءِ

وهذان العنصران اللُّغويَّان (قفا نبكِ) يرصدان - بدقة - التحوُّلَ النفسيَّ المُشبعَ بالقهر عند امرئ القيس؛ إذ هو انتقالٌ من عقدة نرجسية مشوبة بالسادية، ويجسِّدها قوله: (قفا)، إلى عقدة مازوشية توقع الألم بالذات، ويجسِّدها قوله: (نبكِ).

ولم يتوقف امرؤُ القيس هنا، بل راح يُعلِّل انكسارَه النفسي بتذكُّر الأحبة ومنازلهم، ومن المعلوم أن التذكُّر يعيد تصوُّرات الماضي، لكن من دون قدرة على تغييره؛ لأنه ماضٍ قد انتهى كحدث، ولم ينتهِ من حيث التأثيرُ النفسيُّ، ولله درُّ من قال:
ذكراك حلَّتْ فدمع العين مهمورُ = والكون باكٍ حزين القلب مكدورُ

فتجدُّدُ الذكرى هو تجددٌ للألم؛ وهذا ما يؤذي التفكير السليم، فلولا نعمةُ النسيان لأصبح الإنسان مختلاًّ نفسيًّا، ولامرئ القيس ذاكرةٌ مُثقلةٌ بأيام المراهقة والشرب والنساء لا يمكن محوُها بسهولة، وكم هو مؤلمٌ على الذات أن يتذكر الإنسان لحظات من فرحه، وهو في خضم الشقاء ومرارة الاغتراب!

وكان امرؤ القيس ذكيًّا فيما يفعل؛ فلم يكن تقديمُ الحبيب على المنزل اعتباطيًّا، فما قيمة المكان إلا بأهله، وهذا تعبير عن الربط الوثيق بين المكان والحبيب، ولعل ابن الملوَّح كان أوضح معنًى عن هذه الفكرة، بأسلوب فصيح صريح، فهو القائل:
أمرُّ على الديار ديار ليلى
أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارَا

وما حب الديار شغفن قلبي
ولكنْ حبُّ من سكن الديارَا


والوقوف على أطلال الديار يبثُّ في الروح مِسكَ الذكريات؛ فيتضوع في أرجائها الإحساسُ بحرقة الاغتراب ومرارة الغياب، وهذا ما يذكي جذوة الحنين، وهي لحظة نفسية مؤثِّرة أيَّما تأثير في الباثِّ والمتلقِّي، ولعلنا نجد تناصًّا مبدعًا خلاَّقًا عند شاعر محدث آخر، عندما وقف على الأطلال مناجيًا الروح:
يا لروحي التي أرهقتني
تسألين وما وجدت جوابَا

إن تحنِّي إلى الديار فأبكي
قد غصبنا على الرحيل اغتصابَا

من أنت ومن أنا ولماذا
نزرع الحب فنجني العذابَا

هل لنا عودة لست أدري
لم أجد للسؤال جوابَا


فالحنين إلى الماضي جذر ضارب في أعماق نفس امرئ القيس، ومُتَغلغِلٌ في سراديبها؛ لأنَّه اكتشف أن المستقبل الذي كان يرنو إليه اصطبغ بالسواد والموت، كالطفل الذي يأمل أن يكبر؛ ليعرف حقيقة الحياة، ولكنَّه عندما يكبر يتمنَّى أن يعود صغيرًا، فهناك هُوَّة سحيقة بين آماله وواقعه، ويحاول بهذه العبارة (قفا نبكِ) أن يملأ فراغ الروح، ويُرمِّمَ ثلمات النفس، لكن دون جدوى.


وبكلمة عابرة مختصرة:
إن قول امرئ القيس: (قفا نبك) عبارةٌ ملفَّعة بالرمز، ومتسربلة بالغموض، ومتبرقعة بالإيحاء، وما تقدَّم ما هو إلا كشعاع الشمس المتسلل من حنايا النافذة.

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* آبل تفاجئ مستخدمى آيفون بإصدار تجريبي جديد لـ iOS 27.. وهذه أبرز المزايا
* واتساب يستعد لتعزيز حماية الحسابات.. كلمة مرور تحل محل رمز التحقق
* جوجل تعزز أمان الحسابات بميزة تسجيل الدخول عبر فيديو السيلفى
* 5 مزايا فى iCloud ربما لا تستخدمها.. أكثر من مجرد حفظ الصور
* حرارة الصيف تهدد هاتفك.. 7 نصائح تحافظ على الأداء وتطيل عمر البطارية
* 5 أسباب تجعل الباور بانك يشحن ببطء رغم استخدام شاحن سريع
* هل من الآمن استخدام راوتر توقف عن تلقى التحديثات الأمنية؟

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
(قفا, لـ, البعد, النفسي, نبك)
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السلام النفسي وحصانة القلب ابو الوليد المسلم ملتقى الطرائف والغرائب 1 07-17-2026 05:53 PM
القلق النفسي..أنـواعه وآثاره ابو الوليد المسلم قسم الطب العام 0 07-10-2026 10:25 PM
السلام النفسي في فريضة الحج ابو الوليد المسلم قسم المناسبات الدينية 0 07-04-2026 11:19 PM
البعد عن إيذاء الناس بمختلف الصور ابو الوليد المسلم ملتقى فيض القلم 0 03-09-2026 12:43 PM
خطبة في البعد عن الشبهات براءة في الدين والعرض. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله أسامة خضر قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله 3 01-21-2012 11:15 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009