استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية
ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية فتاوى وأحكام و تشريعات وفقاً لمنهج أهل السنة والجماعة
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم اليوم, 04:32 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي الشرط الجزائي

      

الشرط الجزائي

هيئة كبار العلماء


المراد بالشرط الجزائي والداعي إليه:
الشرط الجزائي لم يكن معروفاً بهذا الاسم لدى فقهائنا الأقدمين، وإنما جاء ذكره في صور مسائل فقهية، ولعل أول وجود له في الفقه الإسلامي ما روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا أو كذا فلك مائة درهم فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه، وقال أيوب، عن ابن سيرين: أن رجلاً باع طعاماً وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع فلم يجيء فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه. اهـ.

أما الفقهاء المعاصرون فقد تعرضوا لبحثه في كتبهم بهذا الاسم وبينوا العوامل التي أدت إلى التوسع في الأخذ به فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء[1].


في أواخر العهد العثماني اتسعت في الدولة التجارة الخارجية مع أوربا وتطورت أساليب التجارة الداخلية والصنائع وتولدت في العصر الحديث أنواع من الحقوق لم تكن معهودة كامتياز المؤلف والمخترع وكل ذي أثر فني جديد في استثمار مؤلفاته، أو مخترعاته، أو آثاره الفنية مما سمى بالملكية الأدبية والصناعية، واحتاج أصحاب هذه الحقوق والامتيازات إلى بيعها والتنازل عنها لغيرهم من القادرين على استثمارها - إلى أن قال: واتسع مجال عقود الاستصناع في التعامل بطريق الإيصاء على المصنوعات مع المعامل والمصانع الأجنبية وكذا عقود المتعهد بتقديم اللوازم والأرزاق والمواد الأوليه إلى الدوائر الحكومية والشركات والمعامل والمدارس مما سمى ((عقود التوريد)) وكل ذلك يعتمد على المشارطات في شتى صورها. وقد ازدادت أيضاً قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية فأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضراً بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل. فلو أن متعهداً بتقديم المواد الصناعية إلى صاحب معمل تأخر عن تسليمها إليه في الموعد المضروب لتَعَطّل العمل وعماله. ولو أن بائع بضاعة لتاجر تأخر في تسليمها حتى هبط سعرها لتضرر التاجر المشتري بخسارة قد تكون فادحه. وكذا تأخر الصانع عن القيام بعمله في وقته. وكل متعاقد إذا تأخر أو امتنع عن تنفيذ عقده في موعده.

ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة، ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاوناً منه أو امتناعاً، وهذا قد ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه، ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي الشرط الجزائي. اهـ.

وذكر الدكتور عبدالرزاق السنهوري تعريف الشرط الجزائي وسبب تسميته بذلك فقال[2]: ((يحدث كثيراً أن الدائن والمدين لا يتركان تقدير التعويض إلى القاضي كما هو الأصل بل يعمدان إلى الاتفاق مقدماً على تقدير هذا التعويض، فيتفقان على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بالتزامه وهذا هو التعويض عن عدم التنفيذ أو على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه وهذا هو التعويض عن التأخير. هذا الاتفاق مقدماً على التعويض يسمى بالشرط الجزائي. وسمى بالشرط الجزائي لأنه يوضع عادة كشرط ضِمْنَ شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه)). اهـ.


وفي الموسوعة العربية الميسرة ما نصه: ((شرط جزائي)): اتفاق يقدر فيه المتعاقدان سلفاً التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه. اهـ.

2- ما للشرط الجزائي من صور مختلفة:

الشرط الجزائي وإن كان يعني اشتراط التعويض عن الضرر اللاحق في طريقة تنفيذ العقد - إلا أن له صوراً مختلفة باختلاف العقود والالتزامات، وقد أشار الدكتور عبدالرزاق السنهوري إلى شيء من هذه الصور فقال[3]: ((والأمثلة على الشرط الجزائي كثيرة ومتنوعة: فشروط المقاوله قد تتضمن شرطاً جزائياً يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو عن كل أسبوع أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه. ولائحة المصنع قد تتضمن شروطاً جزائية تقتضي بخصم مبالغ معينة من أجرة العامل جزاء له على الإخلال بالتزاماته المختلفة. وتعريفة مصلحة السكك الحديدية أو مصلحة البريد قد تتضمن تحديد مبلغ معين هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد معها في حالة فقد طرد أو فقد رسالة واشتراط حلول جميع أقساط الدين إذا تأخر المدين في دفع قسط منها هو أيضاً شرط جزائي ولكن من نوع مختلف، إذ هو هنا ليس مقداراً معيناً من النقود قدر به التعويض، بل هو تعجيل أقساط مؤجله)). اهـ.

وقال في الحاشية في الصفحة نفسها ما نصه: ((هذا والأصل في الشرط الجزائي هو أن يكون تقديراً مقدماً للتعويض كما أسلفنا، ولكن قد يستعمله المتعاقدان لأغراض أخرى: من ذلك أن يتفقا على مبلغ كبير يزيد كثيراً على الضرر الذي يتوقعانه فيكون الشرط الجزائي بمثابة تهديد مالي. وقد يتفقان على مبلغ صغير يقل كثيراً عن الضرر المتوقع فيكون الشرط الجزائي بمثابة إعفاء أو تخفيف من المسئولية... وقد يكون الغرض من الشرط الجزائي تأكيد التزام المتعهد عن الغير بتحديد مبلغ التعويض الذي يكون مسئولاً عنه إذا لم يقم بحمل الغير على التعهد. وقد يوضع شرط جزائي في الاشتراط لمصلحة الغير لتقدير التعويض المستحق للمشترط في حالة إخلال المتعهد بالتزامه نحو المنتفع، فيمثل الشرط الجزائي في هذه الحالة المصلحة المادية للمشترط في اشتراطه لمصلحة الغير)). اهـ.


وجاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودي ما نصه: ((إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملاً في المواعيد المحددة ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعياً لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى أي تنبيه للمقاول ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي: 1% عن الأسبوع الأول 1.5% عن الأسبوع الثاني 2% عن الأسبوع الثالث 2.5% عما زاد عن ثلاثة أسابيع 3% عن أية مدة تزيد على أربعة أسابيع))[4]. اهـ.


3- ما يندرج تحته الشرط الجزائي من أنواع الشروط التي تشترط في عقود المعاملات أو إجارة أو نحو ذلك مع بيان وجه الاندراج:

نستعرض فيما تحت هذا العنوان ما ورد من الأحاديث والآثار في الشروط المقترنة بالعقود من حيث الجملة وما ذكره بعض العلماء في تفسيرها وما بنوه عليها من تقسيم الشروط إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة، وما وضعوه من الضوابط لكل منهما، ليتسنى معرفة ما يندرج تحته الشرط الجزائي من هذه الضوابط، وما يلتحق به من المسائل التي يشبهها وأدرجوها تحتها أو جعلوها أمثلة شارحة لها.

روى البخاري في صحيحه تحت باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله: عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءتْ تَسْتَفْتِيهَا في كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً. فَقَالَتْ لها عَائشَةُ: ارْجِعِي إلىَ أَهْلِكِ فَإنْ أَحبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاَؤكِ لي فَعَلتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهْلِهَا فَأبَوا وَقَالُوا: إنْ شَاءتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((ابْتَاعي فَأعْتِقي فَإنّما الولاء لمنْ أَعْتَق))، قال: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ الله، مَنْ اشْتَرطَ شَرْطاً لَيسَ في كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وإنْ شَرَطَ مائَةَ شَرْط شَرْطُ اللهِ أَحَقُ وَأَوْثَق))- وَفِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنْ تَشْتَرِي جَارِيَةً لتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا عَلىَ أَنَّ وَلاَءهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإنّما الوَلاَء لِمَنْ أَعْتَق)).

قال ابن حجر في الفتح قوله باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله، جمع في هذه الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني، وأن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، وسيأتي في كتاب الشروط أن المراد بما ليس في كتاب الله، ما خالف كتاب الله. وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه: من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة. وقال ابن خزيمة ليس في كتاب الله أي ليس في كتاب الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطاً لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروطاً من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك، فلا يبطل. قال النووي: قال العلماء: الشروط في البيع أقسام:

أحدهما: يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.

الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقاً.

والثالث: اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور، لحديث عائشة وقصة بريرة.

الرابع: ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري، كاستثناء منفعته فهو باطل.

وقال القرطبي: ((قوله ليس في كتاب الله، أي ليس مشروعاً في كتاب الله تأصيلاً ولا تفصيلاً ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله، كالوضوء ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله، كالصلاة ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع، وكذلك القياس الصحيح فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلاً - إلى أن قال - وقال القرطبي: قوله ولو كان مائة شرط، يعني أن الشروط الغير مشروعة باطله ولو كثرت)). اهـ[5].

وقال البخاري في صحيحه (باب الشروط التي لا تحل في الحدود):

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بنِ خَالِدِ الجُهَنيِّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنّهُمَا قَالا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأعْرَابِ أَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ الله إلاَّ قَضَيْتَ لي بِكِتَابِ الله.

فَقَالَ الخصْمُ الآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، وائْذَنْ لي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: قُلْ، قَالَ: إنَّ ابْني كَانَ عَسِيفاً عَلىَ هَذَا، فَزَنى باِمْرَأَتِهِ، وإني أُخْبرْتُ أَنَّ عَلىَ ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيده، فَسَألْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأخْبَرُوني: أَنَّ مَا عَلى ابْني جَلْدُ مائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَام، وأَنَّ عَلى امْرأةِ هَذَا الرَّجْم، فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((والّذِي نَفْسي بِيّدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلىَ ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، أُغْدُ يَا أُنَيْسٍ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فإنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). قَالَ: فَغَدا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأمَرَ بها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

قال ابن حجر في الفتح وقد ترجم له في الصلح إذا اصطلحوا على جور فهو مردود. ويستفاد من الحديث أن كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله فهو باطل، وكل صلح وقع فيه فهو مردود. اهـ[6].

وروى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.


قال ابن حجر: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع مالا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع: لأن الدليل يتركب من مقدمتين والمطلوب بالدليل، إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه، لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل نافٍ لحكم. مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود. فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث وإنما يقع النزاع في الأول، ومفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد فإذاً حديث الباب نصف أدلة الشرع. ((والله أعلم)).

وقوله: ( رد ) معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل: خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ، وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به. واللفظ الثاني وهو قوله: من عمل، أعم من اللفظ الأول وهو قوله: من أحدث، فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: ليس عليه أمرنا، والمراد به أمر الدين وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد ا.هـ[7].

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في العقود والشروط منها، فقال[8].


القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جداً.

والذي يمكن ضبطه فيها قولان، أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا وكثير من أصول الشافعي وطائفة من أصول أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحياناً بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقداً ولا شرطاً إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله، وطردوا ذلك طرداً جارياً. لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.

وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه يصحح في العقود شروطاً يخالف مقتضاها في المطلق. وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار، ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بين العين المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنما جوز الإجارة المؤخرة، لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة، أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به، أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطاً أصلاً، لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقاً. وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر، وهو عنده موضع استحسان.

والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث، ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع، حتى منع الإجارة المؤخرة، لأن موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضاً ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلا العتق، لما فيه من السنة والمعنى، ولكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع، كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه، كبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض، ولا يجوِّز اشتراطها دارها أو بلدها، ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى، ويُجوِّز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه، كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار، وانفساخه بالشروط التي تنافيه، كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف فساد المهر ونحوه.


وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين.

وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه يجوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض.

هؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم، لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيْرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِ عَامٍ أُوقِيّة فَأَعِيْنِينيِ فَقُلْتُ إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُون وَلاَؤُكِ ليِ فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيْرَةُ إلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوا عَليْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوا إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم الْوَلاَء فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُم الوَلاَءَ فإنّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلتْ عَائِشَة ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النّاسِ فَحَمِدَ الله وأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله؟؟ مَا كَانَ مِن شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُو بَاطِلٌ وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإنّمَا الْوَلاَءُ لِمنْ أَعْتَقَ))وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِي ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا))فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْها وَاشْتَرط أَهْلُهَا وَلاَءَها فَقَالَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الْوَلاَءُ لِمنْ أَعْتَق وَإنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْط))- وَفِي لَفْظٍ ((شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ))وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ((عن عَبْدِاللهِ بنِ عُمر، أَنَّ عَائِشَةَ أمَّ المؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَري جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ((لاَ يَمْنَعَنّكِ ذَلِكَ فَإنّما الوَلاَءُ لِمنْ اَعْتَقَ)). وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَريَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَها فأبى أَهْلُهَا إلا أَنْ يكُونَ لَهُمُ الْوَلاء فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال: ((لاَ يَمْنَعَنّكِ ذَلِكَ فَإنّمَا الْوَلاءُ لِمنْ أَعْتَقَ)).


ولهم من هذا الحديث حجتان:

إحداهما قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))فكل شرط ليس في القرآن، ولا في الحديث، ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة، أو في الإجماع. فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع.

ومن قال بالقياس - وهم الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة، أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله.

الحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه: كونه مخالفا لمقتضى العقد. وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع فيعتبر تغييرها تغييراً لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة. وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع. ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطاً يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر، ومتابعة لعبدالله بن عمر، حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ويقول: ((أليس حسبكم سنة نبيكم؟)) وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]. وقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].

قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعدٍ لحدود الله، وزيادة في الدين.

وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين عام الحديبية. أو قالوا: هذا عام أو مطلق. فيخص بالشرط الذي في كتاب الله.


واحتجوا أيضاً بحديث يروي في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهىَ عَنْ بَيْعٍ وَشرْطٍ)) وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنه لا يعرف أن الأحاديث الصحيحة تعارضه. وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه عن غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتباً أو صانعاً، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك: شرط صحيح.

القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصاً أو قياساً، وعند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه، أكثرها يجيء على هذا القول. ومالك قريب منه، ولكن أحمد أكثر تصحيحاً للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحاً للشروط منه.

وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يشتبه بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعاً من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطاً يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة مالا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياساً عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص، فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقاً، فمالك يجوزه بقدر الحاجه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، يجوز شرط الخيار في النكاح أيضاً. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط. والنقص منه بالشرط مالم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله.


فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، وإذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، اتباعاً لحديث جابر، لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة.

ويجوز أيضاً للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما، اتباعاً لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة، واشترطت عليه خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش.

ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره، وإن لم ترض المرأة، كأنه أعتقها واستثنى منفعة البضع، لكنه استثناها بالنكاح، إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز، بخلاف منفعة الخدمة.

واستمر رحمه الله في ذكر الأمثلة إلى أن قال:

وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكلما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع يجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، وجوز أيضاً استثناء بعض التصرفات.

وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقاً؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له، وإنما المحذور: أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط الطلاق في النكاح، أو اشتراط الفسخ في العقد، فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي.

أما الكتاب: فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1] والعقود هي العهود. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ﴾ [الأنعام: 152] وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 34] فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود، وهذا عام، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله، وبالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه، بدليل قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ [الأحزاب: 15] فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود، وهذا عام، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله، وبالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه، بدليل قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الأحزاب: 15] فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه، وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد، كالنذر والبيع، إنما أمر بالوفاء به.

ولهذا قرنه بالصدق في قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ﴾ [الأنعام: 152] لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر، والوفاء بالعهد يكون في القول المتعلق بالمستقبل، كما قال تعالى:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 - 77].

واستمر رحمه الله في ذكر آيات في الحث على الوفاء بالعهود والتحذير من نقضها إلى أن قال:

والأحاديث في هذا كثيرة، مثل ما في الصحيحين عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَان مُنَافِقَاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاق حَتّى يَدَعَهَا: إذَاَ حَدَّثَ كَذَب، وَإذَ وَعَدَ أَخْلَف، وَإذَا عَاهَدَ غَدر وَإذَا خَاصَمَ فَجَر))وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يُنْصَبُ لِكُلِ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَة))وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبي سَعِيدٍ عَنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالْ: ((لِكُلِ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اِسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة))وفِي رِوَايةٍ ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدَرةً مِنْ أَمِيرِ عَامّة))وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الحَصِيْبِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمّر أَمِيراً عَلى جَيْشٍ أَوْ سَرِيّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقَوى اللهِ وفِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمينَ خَيْراً ثُمَّ قَالَ: أُغْزُوا بِاسْمِ اللهِ وفِي سَبِيلِ اللهِ وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللهِ أُغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلا تَغْدُرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تقْتُلُوا وَلِيداً وَإذَا لَقِيتَ عدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ فأَيّتُهُنَّ ما أَجابُوكَ فاقْبلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عنْهُمْ))- الحديث. فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول.

وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل يغدر؟ فقال: لا يغدر، ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئاً إلا هذه الكلمة. وقال هرقل في جوابه: سألتك: هل يغدر؟ فذكرت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر))فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين.

وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: ((إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوْج))فدل على استحقاق الشروط بالوفاء، أن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ الله تَعَالى: ((ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَه: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَر وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا ثُمَّ أَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اِسْتَأجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَه))فذم الغادر. وكل من شرط شرطاً ثم نقضه فقد غدر.

فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك.

ولو كان الأصل فيها الحظر والفساد، إلا ما أباحه الشرع لم يجز أن يؤمر بها مطلقاً ويذم من نقضها وغدر مطلقاً، كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه، لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح، بخلاف ما كان جنسه واجباً، كالصلاة والزكاة، فإنه يؤمر به مطلقاً. وإن كان لذلك شروط وموانع. فينهى عن الصلاة بغير طهارة، وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك. كذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحياناً لعارض، ويجب السكوت أو التعريض.


وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأموراً به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده. ومقصود العقد: هو الوفاء به فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة.

وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سلمان بن بلال، حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((الصُّلْحُ جائز بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ))وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في رواية: هو ثقة. وضعفه في رواية أخرى.

وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: ((الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمينَ إلاَّ صُلْحَاً حَرَّمَ حَلاَلاً أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً))قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروى ابن ماجه منه الفصل الأول، لكن كثير ابن عمرو ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه في المسند، فلم يحدث به. فلعل تصحيح الترمذي له بروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضاً عن محمد بن عبدالرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((النّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقَ الْحَقّ))- وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد منها ضعيفاً - فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضاً.


وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة المذهب، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه الله. فإن شرطه حينئذ يكون مبطلاً لحكم الله وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله، وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط مالم يكن واجباً بدونه، فمقصود الشروط وجوب مالم يكن واجباً ولا حراماً، وعدم الإيجاب ليس نفياً بالإيجاب حتى يكون المشترط مناقضاً للشرع، وكل شرط صحيح فلابد أن يفيد وجوب مالم يكن واجباً، فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الأقباض مالم يكن واجباً، ويباح أيضاً لكل منهما ما لم يكن مباحاً، ويحرم على كل منهما مالم يكن حراماً. وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين. وكذلك إذا اشترط صفة في البيع، أو رهناً، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها، فإنه يجب، ويحرم ويباح بهذا الشرط مالم يكن كذلك.

- وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط، قال: لأنها إما أن تبيح حراماً، أو تحرم حلالاً، أو توجب ساقطاً، أو تسقط واجباً، وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع وأوردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حراماً بدون الشرط: فالشرط لا يبيحه، كالربا وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح، أو ملك يمين، فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك، بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز، وكذلك الولاء، فقد ((نَهَى النّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ)) وجعل الله الولاء كالنسب، يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد.


وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ ادَّعَى إلى غيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَليْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِين، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفَاً وَلاَ عَدْلا))وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من تبني الرجل ابن غيره، وانتساب المعتق إلى غير مولاه. فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط، فلا يبيح الشرط منه ما كان حراماً، وأما ما كان مباحاً بدون الشرط: فالشرط يوجبه، كالزيادة في المهر والثمن والرهن، وتأخير الاستيفاء. فإن الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن وبالأنظار، ونحو ذلك، فإذا شرطه صار واجباً، وإذا وجب فقد حرَّم المطالبة التي كانت حلالاً بدونه، لأن المطالبة لم تكن حلالاً مع عدم الشرط فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقاً فما كان حلالاً وحراماً مطلقاً فالشرط لا يغيره.

وأما ما أباحه الله في حال مخصوصية ولم يبحه مطلقاً، فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله، كذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة، ولم يحرمه مطلقاً، لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله، وإن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم، لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب، وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب.

فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب، لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع وآثار الصحابة توافق ذلك، كما قال عمر رضي الله عنه ((مقطع الحقوق عند الشروط)).

وأما الاعتبار فمن وجوه. أحدها: أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية. والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل ذلك على التحريم، كما أن الأعيان: فيها عدم التحريم. وقوله: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 119] عام في الأعيان والأفعال، الأصل وإذا لم يكن حراماً لم تكن فاسدة، وكانت صحيحة.


وأيضاً فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت حله بعينه، وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة، وأن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالاً وإما عفواً، كالأعيان التي لم تحرم.

وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة، والاستصحاب العقلي، وانتفاء الحكم لانتفاء دليله، فإنه يستدل به على عدم تحريم العقود والشروط فيها، سواء سمي ذلك حلالاً أو عفواً على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم، فإن ما ذكره الله في القرآن من ذم الكفار على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان، ومنه ما سببه تحريم الأفعال. كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن أحمسياً ويأمرونه بالتعري، إلا أن يعيره أحمسي ثوبه، ويحرمون عليه الدخول تحت سقف، كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل إمرأته في فرجها إذا كانت مجنبة، ويحرمون الطواف بالصفا والمروة، وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي عقدوها بلا شرع. فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم.


فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة، وإن لم يثبت حلها بشرع خاص، كالعهود التي عقدها في الجاهلية وأمر بالوفاء بها، وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما حرمه الله لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين مالم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه الله. فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي، كنا محرمين ما لم يحرمه الله. بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله. فإن الله حرم أن يشرع من الدين مالم يأذن به. فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله، والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر، وإن كان فيها قربة من وجه آخر. فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع. كالعتق والصدقة.


فإن قيل: العقود تغير ما كان مشروعاً، لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتاً على حال فعقد عقداً أزاله عن تلك الحال: فقد غير ما كان مشروعاً، بخلاف الأعيان التي لم تحرم، فإنه لا يعتبر في إباحتها.

فيقال: لا فرق بينهما. وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكاً لشخص أو لا تكون. فإن كانت ملكاً فانتقالها بالبيع إلى غيره لا يغيرها، وهو من باب العقود. وإن لم تكن ملكاً فملكها بالاستيلاء ونحوه: هو فعل من الأفعال مغير لحكمها، بمنزلة العقود.

وأيضاً فإنها قبل الزكاة محرمة. فالزكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال. فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والزكاة: الأصل فيه الحل، وإن غير حكم العين. فكذلك أفعالنا في الأملاك في العقود ونحوها: الأصل فيها الحل وإن غيرت حكم الملك.

وسبب ذلك: أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام، والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا، لم يثبته ابتداء، كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة، فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم، ولم يحرم الشارع علينا رفعه: لم يَحْرُم علينا رفعه. فمن اشترى عيناً فالشارع أحلها له وحرمها على غيره، لإثباته سبب ذلك. وهو الملك الثابت بالبيع. وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك، فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب، مالم يحرمه الشارع عليه. كمن أعطى رجلاً مالاً: فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه. وإن كان مزيلاً للملك الذي أثبته المعطي مالم يمنع مانع. وهذا نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها، وهو أن الأحكام الجزئية - من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو - لم يشرعها الشارع شرعاً جزئياً، وإنما شرعها شرعاً كلياً، مثل قوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275] وقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ [النساء: 24] وقوله: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 3] وهذا الحكم الكلي ثابت، سواء وجد هذا البيع المعين أو لم يوجد. فإذا وجد بيع معين أثبت ملكاً معيناً. فهذا المعين سببه فعل العبد. فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته الله من الحكم الجزئي، إنما هو تابع لفعل العبد سببه فقط، لأن الشارع أثبته ابتداء.


وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام. وليس كذلك فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته الشارع. وأما هذا المعين فإنما ثبت؛ لأن العبد أدخله في المطلق، فإدخاله في المطلق إليه، فكذلك إخراجه. إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبداً، مثل أن يقول: هذا الثوب بعه أو لا تبعه، أو هبه أو لا تهبه، وإنما حكمه على المطلق الذي إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين.


فتدبر هذا، وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله في المطلق وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد. وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع، فإنما وجب الوفاء بها لايجاب الشارع الوفاء بها مطلقاً، إلا ما خصه الدليل، على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل والعقلاء جميعهم وقد أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي، ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم الشارع، والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذن، ولايجاب العقل أيضاً.

وأيضاً فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾[النساء: 29]. وقال: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4] فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم. وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات، قياساً عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن. وكذلك قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29] لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة. وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة، أو طابت نفس المتبرع بتبرع: ثبت حله بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله، كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.


وأيضاً فإن العقد له حالان: حال إطلاق، وحال تقييد. ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود، فإذا قيل هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فإن أريد به ينافي العقد المطلق. فكذلك كل شرط زائد. وهذا لا يضره، وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد: احتاج إلى دليل على ذلك، وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد. فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود. فقد جمع بين المتناقضين: بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء. ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق، بل هو مبطل العقد عندنا.


تعاد الفاسدة قد تبطل لكونها تنافي مقصود الشارع، مثل اشتراط الولاء لغير المعتق فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصود الملك، والعتق قد يكون مقصوداً للعقد. فإن اشتراءَ العبد لعتقه يقصد كثيراً. فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد، وإنما ينافي كتاب الله وشرطه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقْ))فإذا كان الشرط منافياً لمقصود العقد كان العقد لغواً. وإذا كان منافياً لمقصود الشارع كان مخالفاً الله ورسوله. فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما، فلم يكن لغواً، ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله، فلا وجه لتحريمه، بل الواجب حله، لأنه عمل مقصود الناس يحتاجون إليه، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه، ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج.


وأيضاً فإن العقود والشروط لا تخلو، إما أن يقال لا يحل ولا يصح، إن لم يدل على حلها دليل شرعي خاص، من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور. كما ذكرناه من القول الأول، أو يقال: لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي، وإن كان عاماً، أو يقال: تصح ولا تحرم إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام.
يتبع


اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* آبل تراجع إنتاج iPhone 17 بسبب ارتفاع تكاليف المكونات ونقص الذاكرة
* كل ما تريد معرفته عن إمكانيات نموذج الذكاء الاصطناعى الجديد Grok 4.5
* آبل تكشف عن تقنية حماية بيانات متقدمة في تحديث نظام تشغيل هواتف آيفون
* OpenAI تطلق GPT-5.6 بثلاثة إصدارات جديدة مع تركيز على البرمجة والأمن السيبراني
* اكتشاف ثغرة أمنية خطيرة تهدد خوادم البيانات المعتمدة على أشباه الموصلات
* شات جى بى تى يقتحم متصفح كروم ويشعل المنافسة مع جوجل
* وسعر قد يتجاوز 2000 دولار.. آيفون ألترا القابل للطي يقترب من الواقع.. شاشة شبه خالية

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الجزاوي, الشرط
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفرع الرابع: أحكام نية الإمام والمأموم من [الشرط العاشر من شروط الصلاة: النية] ابو الوليد المسلم ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 03-29-2026 12:14 PM
الفرع الثالث: أحكام الاجتهاد في القبلة من [الشرط التاسع من شروط الصلاة: استقبال القبل ابو الوليد المسلم ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 01-27-2026 04:55 PM
الفرع الثاني: الأمور التي يستدل بها على القبلة: من [الشرط التاسع من شروط الصلاة: ابو الوليد المسلم ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 01-21-2026 12:20 PM
الفرع التاسع: لبس المعصفر والمزعفر من [الشرط السابع من شروط الصلاة: ستر العورة] ابو الوليد المسلم ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 12-24-2025 08:02 PM
محمد الجزاوي مصحف مجود 5 سورة من اسلام ويب تلاوات برابط 1 ومزيد الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 08-21-2017 04:00 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009