النقاشات العقيمة
د. سعد الله المحمدي
المعاركُ الجانبيَّةُ في المسائل الفقهية التي يُصِرُّ فيها كلُّ طرفٍ على الانتصار لرأيهِ وإثبات ذاته، وتغيبُ عنها المرونة وحُسْن الاستماع والدَّليل والحُجَّة، أصبحتْ تستحوذُ على جزءٍ كبيرٍ مِنْ حياة بعض النَّاس، خاصَّة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي غدت ميدانًا واسِعًا للجِدالِ العقيم والمراءِ المذموم الذي لا يثمر فائدة، ولا يقرِّب وجهات النظر، ولا يُسهِم في جمع الكلمة ولمِّ الشَّمْل وتوحيد الصفِّ.
وعندما تغيبُ النيَّةُ الصادقةُ، والاستعدادُ لقبول الرأي الآخر، ويغلب الحرص على المنافسة، تتحوَّل المناقشات الدينيَّة إلى سببٍ للتوتُّرِ وسوء الفهم، وتصبحُ مدخلًا لاتِّساع الفجوة بين الناس، في قضايا الأصل فيها العدل والإنصاف والرحمة والتعاوُن.
يقول مالك بن أنس: "المراءُ في العلم يُقسِّي القلوبَ ويُورِثُ الضغائن"؛ (تاريخ دمشق، ج: 61 ص: 502)، ويقول بلال بن سعد: "إذا رأيتَ الرجلَ لجُوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمَّتْ خسارته"؛ (حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 5، ص 228). وعن الحسن قال: "ما رأينا فقيهًا يُماري ... المؤمن يُداري ولا يُماري، ينشر حكمة الله، فإن قُبِلت حمد الله، وإنْ رُدَّت حمد الله"؛ (أخلاق العلماء للآجري، ص: 58).
تذكرت هذه المعاني وأنا أستمعُ إلى بعض المناظرات التي جَرَتْ في بعض الدول الآسيوية عبر الهاتف؛ حيث يتَّصل شخصٌ بآخر ليسأله في مسائل فقهية على سبيل المغالبة، ثم يسجِّل المكالمة دون عِلْمِه، ويقوم بتعديلها ونشرها. فأيُّ أخلاق هذه؟ وأيُّ أمانة؟ وكيف يُدَّعى العلم مع البُعْد عن هذه القيم؟
يقول معروف الكَرْخي: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد به شرًّا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل"؛ (حلية الأولياء، أبو نعيم 8 /361).
ومن الملاحظ في كثير من المساجلات الدينية عبر وسائل التواصل أنَّك لا تعرف المستوى العلمي ولا الخلفية الحقيقية لمن يناقشك، فقد يكون صغيرَ السنِّ لم يجاوز قشور العلم، لكنَّه يتصدر للموعظة والفتوى، وربما يختبئ خلف اسم مستعار وصورة مزيَّفة، ويتكلم في مسائل عظيمة تفوق قدره؛ بحيث لو عُرضت بعض هذه الأمور على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجَمَع لها كِبارَ الصحابة، قبل أخذ القرار فيها.
والناظر في هذه النقاشات يدرك أن كثيرًا من الآراء تفتقر إلى التأصيل العلمي، فلا تقوم على دليل راسخ، بل يغلب عليها التأثر بالعاطفة أو التقليد.
وقد ذكر لي أحد الزملاء أنه يلوم نفسه كثيرًا على الوقت الذي أضاعه في مثل هذه النقاشات أيام دراسته الجامعية، لما تركتْه من آثار سلبية عليه وعلى غيره؛ إذ أدَّتْ إلى خسارة علاقات كان يمكن الحفاظ عليها لو تحلَّى الجميع بالحكمة والرفق.
شمعة أخيرة:
ينبغي التفريق بين الجدال بالتي هي أحسن والمراء؛ فالأول يقصد به بيان الحق بعلم وبصيرة، أما الثاني فيقوم على المكابرة والاستعلاء، ويؤدي إلى الفرقة والتنافر.