![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
الابتلاء بالمصائب والنِّعم د. محمود بن أحمد الدوسري الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ ابْتِلَاءُ عِبَادِهِ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَبِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ، وَعَدَّدَ الْمَصَائِبَ وَالنِّعَمَ، وَنَوَّعَهَا عَلَيْهِمْ، وَقَرَنَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِكَمِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 35] أَيْ: وَنَخْتَبِرُكُمْ – أَيُّهَا النَّاسُ – بِالْمَصَائِبِ وَالشِّدَّةِ تَارَةً، وَبِالرَّخَاءِ وَالنِّعَمِ تَارَةً أُخْرَى؛ فِتْنَةً لَكُمْ، لِنَنْظُرَ صَبْرَكُمْ وَشُكْرَكُمْ، ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أَيْ: وَإِلَيْنَا – أَيُّهَا النَّاسُ – تُرَدُّونَ لَا إِلَى غَيْرِنَا، فَنُجَازِيكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِكُمْ[1]، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 168]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نَبْتَلِيكُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ»[2]. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «نَبْلُوهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ، نَخْتَبِرُهُمْ بِذَلِكَ؛ لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ فِيمَا يُحِبُّونَ، وَكَيْفَ صَبْرُهُمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ»[3]. وَابْتِلَاءُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ بِالْمَصَائِبِ، وَتَقْتِيرُ الرِّزْقِ وَتَضْيِيقُهُ لَيْسَ إِهَانَةً وَإِذْلَالًا لَهُمْ، كَمَا أَنَّ ابْتِلَاءَهُمْ بِالنِّعَمِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ لَا يَدُلُّ عَلَى إِكْرَامِهِ، وَتَفْضِيلِهِ لَهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا ذَلِكَ لِلِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ، لِتَظْهَرَ طَاعَةُ الطَّائِعِ، مِنْ مَعْصِيَةِ الْعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ [الْفَجْرِ: 15-17]. فَإِكْرَامُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ يَكُونُ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، وَإِهَانَتُهُ لَهُ تَكُونُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالذَّنْبِ، لَا بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ. وَقَالَ تَعَالَى - فِي مَعْرِضِ الِابْتِلَاءِ بِالنِّعَمِ: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الْكَهْفِ: 7]. فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ زِينَةٍ - كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمَسَاكِنِ، وَالْمَلَابِسِ، وَالْمَرَاكِبِ، وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبَنِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ؛ كُلُّ ذَلِكَ خَلَقَهُ لِابْتِلَاءِ عِبَادِهِ، أَيُّهُمْ أَطْوَعُ لَهُ، وَأَرْضَى[4]. وَمِصْدَاقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 14]. وَقَالَ تَعَالَى – فِي مَعْرِضِ الِابْتِلَاءِ بِالْمَصَائِبِ وَالْمِحَنِ: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 155]. فَلَا بُدَّ مِنِ ابْتِلَاءِ الْعِبَادِ بِالْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ؛ لِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَأَهْلُ الْخَيْرِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ، وَلِتَظْهَرَ طَاعَتُهُمْ وَصَبْرُهُمْ، وَرُجُوعُهُمْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ[5]. وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 186]. وَالْأَذَى: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يَحْدُثُ بِهِ الضَّرَرُ، وَالْمُرَادُ: أَنْوَاعُ مَا يَقَعُ مِنْ أَذًى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا؛ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَفِي دِينِهِمْ، وَكِتَابِهِمْ، وَرَسُولِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَحَرْبِهِمْ، وَتَثْبِيطِهِمْ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِابْتِلَاءِ؛ لِتَظْهَرَ تَقْوَى الْمُؤْمِنِينَ وَصَبْرُهُمْ، وَلِيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَيَسْتَعِدُّوا لَهُ طَائِعِينَ مُنْقَادِينَ[6]. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنَّ الْبَلَاءَ الَّذِي يُصِيبُ الْعَبْدَ فِي اللَّهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي عِرْضِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ وَمَنْ يُحِبُّ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ بِتَلَفِهَا تَارَةً، وَبِتَأَلُّمِهَا بِدُونِ التَّلَفِ. فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ فِي اللَّهِ. وَأَشَدُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْمُصِيبَةُ فِي النَّفْسِ)[7]. وَالْمِحَنُ وَالْمَصَائِبُ سَبَبُهَا: الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي؛ إِمَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَالنِّعَمُ سَبَبُهَا: فَضْلُ اللَّهِ، وَمَنُّهُ، وَكَرَمُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ الِابْتِلَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النِّسَاءِ: 78، 79]. وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ: النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ. فَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ – كَخِصْبٍ، وَرِزْقٍ مِنْ ثِمَارٍ وَأَوْلَادٍ وَنَتَاجٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ – قَالُوا: هَذَا مِنَ اللَّهِ؛ لِمَا عَلِمَ فِينَا مِنَ الْخَيْرِ! وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ – كَقَحْطٍ، وَجَدْبٍ، وَنَقْصٍ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ أَوْ مَوْتِ أَوْلَادٍ وَنَتَاجٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ – قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ؛ تَشَاؤُمًا وَتَطَيُّرًا! وَهِيَ نَفْسُهَا عَادَةُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلُ: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 131]؛ وَهِيَ ذَاتُهَا عَادَةُ قَوْمِ صَالِحٍ: ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ [النَّمْلِ: 47]. سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، وَعَادَاتُهُمْ، وَأَخْلَاقُهُمُ السَّيِّئَةُ! وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ – فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ: أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ إِلَى فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ! فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَمُصِيبَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى – خَلْقًا وَإِيجَادًا وَتَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾. وَبَيَّنَ لَهُ أَيْضًا: أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ، وَعَافِيَةٍ وَسَلَامَةٍ؛ فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَنِعْمَتِهِ، وَكَرَمِهِ، وَمَنِّهِ عَلَيْهِ، وَمَا أَصَابَهُ مِنْ مُصِيبَةٍ، وَشِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَأَذًى وَمَكْرُوهٍ؛ فَبِسَبَبِ ذَنْبِهِ وَمَا كَسَبَتْهُ يَدُهُ – وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾. عَنْ أَبِي صَالِحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ قَالَ: (بِذَنْبِكَ، وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ)[8]. فَالْخِطَابُ: لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ: جِنْسُ الْإِنْسَانِ. فَالنِّعَمُ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمَصَائِبُ: بِسَبَبِ الذُّنُوبِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشُّورَى: 30]؛ وَقَالَ: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الرُّومِ: 41]؛ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الرُّومِ: 36]. الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْمَصَائِبِ، وَرَتَّبَ وُقُوعَهَا عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا ابْتِلَاءً، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ - وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ؛ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ - وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ؛ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ.فَالِابْتِلَاءُ بِالْمَصَائِبِ وَالنِّعَمِ، وَبِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: تُبْتَلَى الْأُمَمُ بِالْبَأْسَاءِ؛ وَهِيَ مَا يُصِيبُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ، وَبِالضَّرَّاءِ؛ وَهِيَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَخْشَعُونَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ وَيَبْتَهِلُونَ فِي كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُمْ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 94]. فَإِذَا لَمْ يُجْدِ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ طُغْيَانُهُمْ؛ قَلَبْنَا عَلَيْهِمُ الْحَالَ، فَأَبْدَلْنَا الشِّدَّةَ رَخَاءً، وَالْمَرَضَ وَالسَّقَمَ صِحَّةً وَعَافِيَةً، وَالْفَقْرَ غِنًى؛ لِيَشْكُرُوا وَيُنِيبُوا إِلَى اللَّهِ: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ﴾. وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، وَلَا ذَاكَ، وَلَا اسْتَشْعَرُوا ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ! ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ﴾؛ أَيْ: ادَّعَوْا أَنَّ تِلْكَ عَادَةٌ جَارِيَةٌ فِي الْأَوَّلِينَ وَاللَّاحِقِينَ، فَتَارَةً يَكُونُونَ فِي سَرَّاءَ، وَأُخْرَى فِي ضَرَّاءَ؛ إِذْ هِيَ تَقَلُّبَاتُ الزَّمَنِ! ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 95]؛ أَيْ: عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ بَغْتَةً، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ لَا يَشْعُرُونَ[9]؛ بَلْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ أَنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ، ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 44]. [1] انظر: تفسير الطبري، (16/ 268)؛ تفسير القرطبي، (11/ 287)؛ تفسير ابن كثير، (5/ 342). [2] تفسير الطبري، (16/ 269). [3] المصدر نفسه، والصفحة نفسها. [4] انظر: عدة الصابرين، (ص133). [5] انظر: تفسير السعدي، (ص58). [6] انظر: تفسير الطبري، (7/ 454)؛ تفسير القرطبي، (4/ 303)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 653)؛ تفسير السعدي، (ص127). [7] إغاثة اللهفان، (2/ 941). [8] تفسير الطبري، (7/ 243)؛ تفسير ابن أبي حاتم، (3/ 1011). [9] انظر: تفسير الطبري، (10/ 332)؛ تفسير القرطبي، (7/ 252)؛ تفسير ابن عاشور، (9/ 20)؛ العذب النمير، للشنقيطي (3/ 629). اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الأمن والنعم شكر وحذر | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 08-06-2026 12:04 PM |
| (الابتلاء) | ابونواف | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 22 | 03-26-2025 02:19 PM |
| فوائد الابتلاء..! | آمال | قسم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة | 5 | 03-27-2019 05:21 PM |
| الابتلاء بالخيـــرات والنعم | ابومهاجر الخرساني | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 5 | 11-21-2018 04:51 PM |
| نعمة الابتلاء | صادق الصلوي | ملتقى الأسرة المسلمة | 3 | 02-06-2013 04:26 AM |
|
|