![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله د. عبد الرقيب الراشدي الحمدُ للهِ، نَحمَدُهُ تعالى ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ، أعاذنا اللهُ وإياكم منَ البدعِ والضلالاتِ ومنَ النارِ؛ أما بعد: فأيها المؤمنون، روى الإمام الترمذي في سننه بسندٍ صححه الألباني، وابن ماجه في سننه عن عبدالله بن بُسْرٍ رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثُرت عليَّ، فدلَّني على عملٍ أتشبَّثُ به، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله". أيها المؤمنون، جاء هذا الرجل يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لأصحابه فضائل الأعمال: الصلوات، والصيام، وتلاوة القرآن، والنوافل، وقيام الليل، فخاف أن يَعجِز عن بعضها؛ كقيام الليل، أو صيام يوم وإفطار يوم، أو الإنفاق الكثير في سبيل الله، فطلب عملًا يسيرًا يداوم عليه، يرجو به أجرًا عظيمًا من الله، فدلَّه النبي صلى الله عليه وسلم على وصيةٍ جامعةٍ نحتاجها جميعًا: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله". وما أحوجنا إلى التأمل في هذه الوصية النبوية بالمداومة على ذكر الله تعالى، وهو ما سنتحدث عنه في هذه الخطبة؛ لعلنا أن نكون من الذاكرين لله تعالى والذاكرات. أيها المؤمنون، معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله"؛ أي: داوم على تحريك لسانك بذكر الله في كل حال: وأنت ماشٍ، وأنت قاعد، وأنت مضطجع، وهذا هو حال أولي الألباب، أصحاب العقول الراجحة، الذين وصفهم الله بقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191]. فالإنسان لا يخرج عن ثلاث حالات: قائم، أو جالس، أو مضطجع، وأولو الألباب يذكرون الله في أحوالهم كلها، وقد كان هذا حال نبينا صلى الله عليه وسلم؛ روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه". أيها المؤمنون، ذكر الله عبادة سهلة يسيرة، لا تحتاج إلى وضوء كالصلاة، ولا إلى امتناع عن الطعام والشراب كالصيام، ولا إلى سفر إلى مكة كالحج، ومع ذلك فأجرُه عظيم، وفضلُه كبير، وهو عبادة يؤديها المسلم بلسانه. هذا اللسان عضو صغير، لكن جُرمه كبير، إن حرَّكته في ذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فبها النجاة، وإن حرَّكته في معصية الله، فبها الهلاك؛ روى الترمذي بسندٍ صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم". وقال الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، فكل كلمة نتكلم بها مسجلة، إما لنا أو علينا. أيها المؤمنون، لن ينشط المسلم لذكر الله إلا إذا عرَف بعض فضائله، وقد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه "الوابل الصيب" أكثر من سبعين فضيلة من فضائل ذكر الله تعالى. فمن فضائل ذكر الله: أنه سبب لطمأنينة القلوب وانشراح الصدور. القلب هو أشرف عضو في الإنسان، وهو ملك الجوارح، ولا تطمئن حياته ولا تستقر إلا بذكر الله؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، فالقلب كالسمكة، وذكر الله كالماء، فإذا فارقت السمكة الماء ماتت، وإذا غفل القلب عن ذكر الله قَسَا ومات؛ روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره، مثل الحي والميت". فإذا اطمأن القلب بذكر الله، وجلَ عند ذكر الله، وزاد إيمانًا عند تلاوة آياته: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [الأنفال: 2]. فإذا شعرت بضيقٍ أو قلقٍ أو همٍّ، فاجلِس مع نفسك واذكُر الله، سبِّح، واستغفر، وصلِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثِر من ذلك، خاصة في يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام، ليُذهب الله همَّك وغمك؛ روى الترمذي بسندٍ حسن صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت"، قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدتَ فهو خير لك"، قلت: فالثُّلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن تُكفى همَّك، ويُغفَر ذنبك". وقال صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود بسندٍ صحيح عن أوس بن أوس رضي الله عنه: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه". أيها المؤمنون، من فضائل ذكر الله: أنه سبب للسبق إلى الدرجات العالية في الجنة، تريد أن تسبق غيرك إلى منازل الآخرة؟ كن من الذاكرين الله كثيرًا؛ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبق المفردون"، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات". المفردون هم الذين تفرَّدوا بكثرة ذكر الله، فسبقوا غيرهم، حتى وإن تساووا مع الناس في الصلاة والصدقة وتلاوة القرآن، وقد امتثل المفردون أمر الله لهم بالإكثار من ذكره سبحانه وتعالى القائل لهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 41 - 43]. وقد وعد الله الذاكرين له كثيرًا بالمغفرة والأجر العظيم؛ قال تعالى: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]. وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في المسابقة إلى ذكر الله؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أَتَوْا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على شيء تدركون به مَن سبَقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا مَن صنَعَ مثلَ ما صنعتُم؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". فرجعوا ففعلوا ذلك، فسمع بهم أهل الدثور، ففعلوا مثله، فرجع الفقراء فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في كثرة ذكر الله تعالى؛ روى أبو داود بسندٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كنا نَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم". أيها المؤمنون، من فضائل ذكر الله أنه من غِراس الجنة؛ نعم، الذكر ليس مجرد كلمات تُردَّد باللسان، بل هو غرس حقيقي في أرض الجنة، وأرض الجنة قيعان طيبة التربة، عذبة الماء. وتأملوا الفرق بين غراس الدنيا وغراس الجنة؛ غراس الدنيا يتعب الإنسان أعوامًا ليتملك قطعة أرض أو يغرس غرسًا، ثم لا يدري: هل تثمر؟ هل تبقى له؟ أو يأكلها غيره بعد موته؟ ويحتاج إلى مال وجهد ورعاية، وقد يزول عنه بموته. أما غراس الجنة، فتجارة رابحة لا خسارة فيها، ولا تعب ولا نصب؛ يغرسها العبد في دقائق بذكر الله، ويَجني ثمرها نعيمًا مقيمًا لا ينقطع، ولا يذبل ولا يتلف، والدليل على ذلك: ما رواه ابن ماجه بسندٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أغرس غرسًا، فقال: "يا أبا هريرة، ما الذي تغرس؟" قلت: غراسًا لي، قال: "ألا أدلك على غراس خير لك من هذا؟"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ يُغرَس لك بكل واحدة شجرة في الجنة". وروى الترمذي بسندٍ حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقيتُ إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد، أَقرئ أُمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". وروى الترمذي أيضًا بسندٍ حسن عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غُرست له نخلة في الجنة". أيها المؤمنون، تأملوا عِظم هذا الغراس؛ أشجار الجنة ليست كأشجار الدنيا، بل ساقها من ذهب؛ روى الترمذي بسندٍ حسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب"، وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها". فكل تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة أو تكبيرة، هي نخلة أو شجرة ساقها ذهب، في أرض طيبة، يسير في ظلها أعوامًا. أيها المؤمنون، الناس في الدنيا يتنافسون على شراء عمارة أو قطعة أرض بملايين، وأنت تستطيع أن تغرس لك بساتين في الجنة بعشر دقائق من ذكر الله، فلا تغفل عن وردك اليومي من ذكر الله تعالى على كل أحوالك، وكلما زدتَ، زاد غرسُك، وزاد نعيمُك. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي خير المرسلين؛ أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي جعل الذاكرين له كثيرًا من السابقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:فأيها المؤمنون، من فضائل ذكر الله أنه سبب لجلب الخيرات والبركات، ودفع النِّقم والملمات، ونحن في هذه الأيام نعيش فصل الصيف، قد قلَّت فيه الأمطار واشتد فيه الحر، فأجدبت الأرض وأوشكت الزروع على الهلاك، فضاقت النفوس، واشتدت الحاجة إلى الغيث الذي تحتاجه الزروع والثمار، كما يحتاجه الإنسان والحيوان، ونمر بشدة وقحط، وقلة في البركة في الأرزاق والأعمار، وإن لنا دواءً ربانيًّا عظيمًا لهذه الشدة قد غفلنا عنه، ألا وهو: كثرة ذكر الله والاستغفار، فذكر الله والاستغفار مفتاح الرزق والمطر، فإذا أردنا الغيث النافع، والذرية الصالحة، والرخاء، فعلينا بكثرة ذكر الله تعالى، والتوبة إليه، وأداء ما افترَضه الله علينا، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، فقد قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10-12]، وقال هود عليه السلام لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ [هود: 52]. فالسماء تنزل أمطارها بإذن ربها على القلوب التائبة، والألسن الذاكرة؛ فأكثروا من قول: "أستغفر الله العظيم وأتوب إليه"، وأكثروا من: "اللهم اسْقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل"، وأكثروا من: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". لعل الله أن يرحَمَنا برحمته، فينزل علينا الغيث بعد القنوط، ويحيي به الأرض بعد موتها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها المؤمنون، مما ينبغي التنبيه إليه أن أنواع ذكر الله على ثلاث مراتب، كما ذكر أهل العلم: المرتبة الأولى، ذكر اللسان المجرد، وهو أن يحرك الإنسان لسانه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، دون أن يستحضر معناها بقلبه، وهذا فيه خيرٌ وأجر، وهو أدنى مراتب الذكر؛ قال صلى الله عليه وسلم كما روى الترمذي بسندٍ صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟"، قالوا: بلى، قال: "ذكر الله تعالى". المرتبة الثانية: ذكر القلب، وهو أن يتفكر الإنسان في خلق السماوات والأرض، وفي عظمة الله وكبريائه، وفي آلائه ونِعمه، فيمتلئ قلبه تعظيمًا لله ومحبة له، وهذا أعلى من ذكر اللسان المجرد؛ قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]. المرتبة الثالثة: ذكر اللسان مع حضور القلب، وهو أكمل مراتب الذكر، أن يذكر الإنسان ربه بلسانه، ويستحضر بقلبه معنى ما يقول، ويتفكر في عظمة المذكور سبحانه؛ فإذا قال: "سبحان الله"، استحضر تنزيه الله عن كل نقصٍ، وإذا قال: "الحمد لله"، استحضر نعم الله عليه، وإذا قال: "الله أكبر"، استحضر أن الله أكبر من كل شيء، وهذا هو الذكر الذي يورث الخشوع، ويحيي القلب، ويجدِّد الإيمان. أيها المؤمنون، إذا أردنا أن يغفر الله لنا خطايانا، وتطمئن قلوبنا، وتُصلَح أحوالنا، فلنَكُن من الذاكرين الله كثيرًا في سائر أحوالنا: في دخولنا وخروجنا، وأكلنا وشربنا، وركوبنا ونزولنا، حتى تَحل البركة في حياتنا، ويُطرَد الشيطانُ من حياتنا. ومن داوَم على ذلك طول حياته، يُرجى أن يَختم الله له بخاتمة حسنة عند موته، بأن يوفِّقه لأن يكون آخر كلامه عند موته ذكرًا لله تعالى، كما كان ذاكرًا له في حياته؛ روى أبو داود بسندٍ صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة". أيها المؤمنون، اشغلوا ألسنتكم بذكر الله، ودعوا لغوَ الكلام الذي لا فائدة فيه، فإن كل كلمة ستُسجل، وستُعرَض علينا يوم القيامة، فنَتحسَّر في وقت لا ينفع فيه الندم! أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يُلهمنا ذكره، ويجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، إنه أرحم الراحمين. هذا وصلُّوا وسلِّموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا". اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد. وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمِ حَوزة الدين. اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل. اللهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير مَن زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شرٍّ. اللهم اغفِر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. ربَّنا إنَّا ظلَمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحَمنا لنكوننَّ من الخاسرين. ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| احفظ لسانك | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 1 | 07-11-2026 08:29 PM |
| جزاء الشاكرين وثبات المؤمنين {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاك | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 07-08-2026 02:53 PM |
| معنى لفظ الجلالة (الله): فائدة من كتاب (إتمام الرصف بذكر ما حوته سورة الصف من الأحكام | ابو الوليد المسلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 05-03-2026 08:53 PM |
| أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 10-11-2025 03:08 PM |
| اجعل لسانك رطبا بذكر الله.. | آمال | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 8 | 05-13-2012 12:01 AM |
|
|