باب في فضل هذه الأمة
د. خالد النجار
** ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].
** ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ ﴾ [الفتح: 29] [الوصف المذكور]، ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ﴾ [الفتح: 29]: [زرع أخرج ساقه وفرعه, ثم تكاثرت فروعه بعد ذلك, وشدَّت الزرع, فقَوِيَ واستوى قائمًا على سيقانه جميلًا منظره]، ﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ [الفتح: 29] [في كثرتهم وجمالهم]، ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29]، وفي هذا دليلٌ على كفر مَن أبغَض الصحابة - رضي الله عنهم - لأن من غاظه الله بالصحابة, فقد وجد في حقه موجب ذاك, وهو الكفر.
** ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78]، ﴿ وَفِي هَذَا ﴾؛ أي: القرآن.
** ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: 32].
قال عمر بن الخطاب: إِنَّ سابقنا سابقٌ، ومقتصدنا ناجٍ، وظالِمَنا مغفورٌ له.
** ومما فضِّلت به هذه الأمة: أن الله عز وجل خصَّها بفضل يوم الجمعة، وكانت اليهود قد أُمرت بالجمعة، فاختارت السبت، وأمرت النصارى بالجمعة، فاختارتالأحد.
** ومما فضِّلت به هذه الأمة: ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
** ومما فضِّلت به هذه الأمة: أن الله عز وجل جعل توبتها الاستغفار، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.
** ومما فضلت به هذه الأمة: قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 156]، عند المصائب، ولم تُعطَها أمةٌ قبلها، ألا تسمع إلى قول يعقوب: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ [يوسف: 84]، ولو علِمها لقالها.
** ومما فضلت به هذه الأمة: أن الله عز وجل أعطاها خصالًا لم يُعطها إلا للأنبياء عليهم السلام، فمنها:
// أن الله عز وجل كان إذا بعث نبيًّا قال: سَلْ تُعطَ، وأعطى هذه الأمة مثلها، فقال: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60].
// وكان عز وجل إذا بعث نبيًّا، قال: اذهَب ولا حَرَجَ عليك، وأعطى هذه الأمة مثلها، فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
// وكان عز وجل إذا بعث نبيًّا قال له: أنت شهيد على أُمتك، وأعطى هذه الأمة مثلها، فقال عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143].
** ومما فضِّلت به هذه الأمة أن الله - عز وجل - كتب لها الرحمة، وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، طمع فيها كل شيء حتى إبليس، فلما قال: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، يئس منها إبليس، وطمِعت فيها اليهود، وقالوا: نحن نتقي الله عز وجل، فلما قال: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ [الأعراف: 156]، قالت اليهود: نحن نتصدق، فلما قال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، قالت اليهود: نحن نؤمن بالتوراة، ثم بيَّن الله عز وجل أنها لهذه الأمة خاصة، بقوله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].
** ومما فضِّلت به هذه الأمة أن الله عز وجل أجابهم قبل أن يدعوه، وأعطاهم قبلأن يسألوه، وذلك أن الله عز وجل قال لنبيه: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ [القصص: 46]، بفضل أمتك.
وكان موسى على الطور يناجي ربه، فسمِعه وهو يقول: يا أمة محمد، أَجبتكم قبل أن تدعوني، وأَعطيتكم قبل أن تسألوني، فقال موسى: يا ربجعلتَ وفادتي لغيري؛ [النسائي، والطبري في التفسير].
** ومما فضِّلت به هذه الأمة: ما رواه الترمذي عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم)؛ [هذا حديث حسن].
** وقال الحسن: أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرُمها على الله عز وجل.
وقال قتادة: لَما أخذ موسى الألواح، قال: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد،
قال: يا رب إني لأجد في الألواح أمة هي خير الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم من أمتي، قال: يا موسى تلك أمة أحمد، قال موسى: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد، وكانوا يقرؤون نظرًا، قال: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، ويُؤجَرون عليها، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد، وكانوا من قبلنا يقربون صدقاتهم، فإن قبلت منهم جاءت نارٌ فأكلتها، وإن لم تُقبل تُركت، فجاءت السِّباع فأكلتها، قال: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة هم الشافعون المشفَّع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد، قال: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد، قال: يا رب، إني لأجد في الألواح أمة يقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلون المسيح الدجال، فاجعلهم أمتي، قال: يا موسى، تلك أمة أحمد، قال: يا رب، فاجعلني من أمة محمد، فلم أرَ الخير كله إلا لأحمد وأمته، قال تعالى له ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 144]؛ [الطبري في التفسير، وابن عساكر في تاريخ دمشق].