مفعول به مكروب!
مفعول به مكروب!
مروان محمد أبو بكر
تدور الأيام.. ومع دورانها؛ تتسارع عجلة (التكنولوجيا)، التي جعلت من عالمنا غرفة واحدة، يلتقي فيها العالم كله! فقد طوت تلك الثورة (التكنولوجية) العالمَ بأسره، فلم يعد يخفى حدث، أو تُحتَكر معلومة، وهو ما أشار إليه الشاعر محمود غنيم في وصفه ليلةً أمضاها بجوار التلفاز، فكان مما قال:
لَقَدْ طُفْتُ بِالدُّنيَا وَصَاحَبْتُ أَهْلَهَا وَحَدَّثَنِي أَقْطَابُهَا رُغْمَ وَحْدَتِي
وَلَوْ كَانَ كُلُّ الأَمْرِ لَحْناً وَصُورَةً مَا قَنَّعْتُ نَفْسِي بِلَحْنٍ وَصُورَةِ
لَكِنَّهُ الْكَوْنُ الْكَبِيرُ أَرُودُهُ وَإِنِّي لَفِي بَيْتِي وَفِي ظِلِّ غُرْفَتِي
تَنَقَّلْتُ فِي اليَابَانِ أَرْتَادُ آهِلاً وَعُدْتُ إِلَى أَسْوَانَ بَعْدَ هُنَيْهَةِ
أُقَابِلُ أَمجَادَ الشُّعُوبِ بِمَا بَنَتْ مِنَ الْمَجْدِ لِلدُّنيَا سَوَاعِدُ أُمَّتِي
ولم يكن -يومَ ميلاد هذه القصيدة- قد انتشرت مواقع الإنترنت، التي لو اطَّلع عليها شاعرنا؛ لأطال قصيدته جداً، فلقد صارت المعلومة تنقاد مذلَّلةً، بلمسات من أطراف الأصابع!!!
ولقد أشار الشاعر في البيت الأخير إلى واقع أمتنا المؤسف، وموقعها من جملة (التكنولوجيا)، إذ غالباً ما تُعرب مفعولاً به منصوباً!! وإن كان الشاعر يتألم لهذا الواقع، ويقارن بينه وبين من بنى وعمَّر وأنشأ..؛ فلأنَّ أمتنا بذلك الإعمار والإنشاء أحق؛ فديننا يدعو إلى عمارة الأرض، وتاريخنا مليء بالإنجازات العلمية التي بنى عليها الآخرون ما وصلوا إليه.
وليسمح لي شاعرنا أن أختلف معه؛ فموقع أمتنا من جملة (التكنولوجيا) له إعرابان؛ الأول: مفعول به منصوب، كما أشار، والثاني: مفعول به مكروب!
فالناظر إلى فضائياتنا يرى كثيراً منها -بعد أن أسعر الغرائز، وتفنن في عرض اللحوم المتعفنة- يحلق بنا في عالم السحر والشعوذة، باذلاً في ذلك –وبسخاء- الأموالَ والأوقات، إسهاماً منه في إجهاد العقول، وإفساد العقائد.
إننا لا نجد ديانة حاربت الشعوذة والتخيلات والوهمية، وحذرت الناس من عالم اللامعقول؛ مثل الإسلام. بل ذهب الإسلام أبعد من ذلك؛ فَعَدَّ السحرَ وأضرابه كفراً بالله؛ فعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ، أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ، أَوْ سُحِرَ لَهُ. وَمَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))[1].
بهذه العبارات الجامعة المانعة؛ يضع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حدّاً فاصلاً بين الإيمان، والسحر والشعوذة والتطير وما شاكلها من عالم الأوهام؛ الذي لم يجد البعض باباً من أبواب الرزق العديدة سواه، عملاً أو ترويجاً. فخزائن الله التي وسعت السماوات والأرض، وكفت الخلق -{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَْرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:6]- ضاقت في أعين أؤلئك، فلم يجدوا سبيلاً يستنزلون به رزق ربهم؛ إلا بالكفر والترويج له!!
إننا لم ننتج تلك الأقمار الصناعية، ولم نصنع تلك المُعَدَّاتِ اللازمةَ لنقل الصورة والصوت عبر الأثير.. فلا أَقَلَّ من أن نحسِن استخدامها بعد أن صنعها غيرنا!!
ــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البزار بإسناد حيد، وصححه الألباني في الترغيب: 3/97، (3041).
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|