عبادات لا تحتاج إلى مال
عدنان بن سلمان الدريويش
قد يقف بعض الشباب والفتيات أمام أبواب الخير وهم يظنون أن المال هو مفتاحها، فإذا رأوا الأغنياء يبنون المساجد، ويحفرون الآبار، ويتصدقون بالأموال، قالوا في أنفسهم: ماذا نصنع ونحن لا نملك شيئًا؟ وهنا يقع الخطأ، لأن الله سبحانه لم يجعل أبواب الأجر حكرًا على الأغنياء، بل فتح لكل مسلم ومسلمة أبوابًا واسعة من العبادات التي لا تحتاج إلى دينار ولا درهم، وإنما تحتاج إلى قلب حيٍّ، ولسان صادق، ونفس محبة للخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا))؛ [رواه مسلم]، فقد تكون كلمة واحدة، أو ابتسامة، أو دعوة، أو إصلاحًا بين اثنين، سببًا في رضا الله عن العبد ودخوله الجنة.
أيها الشباب، ومن رحمة الله بعباده أن جعل الأعمال اليسيرة تتضاعف أجورها إذا صدقت النية، ومنها:
أولًا: الابتسامة، وهي تعتبر رسالة محبة، ودواء للقلوب، ومفتاحًا للعلاقات الطيبة، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات فقال: ((تبسمك في وجه أخيك لك صدقة))؛ [رواه الترمذي]، فكم من مهموم زال همه بابتسامة صادقة، وكم من غريب شعر بالألفة بسبب وجه بشوش! فلا تبخل على الناس بابتسامتك، فإنها لا تكلفك شيئًا، لكنها قد تدخل السرور على قلب مسلم.
ثانيًا: الدعاء بظهر الغيب، وهو من أعظم العبادات الخفية أن تدعو لأخيك وهو لا يعلم، قال صلى الله عليه وسلم: ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل))؛ [رواه مسلم]، فأنت في دقائق معدودة تجمع بين الإحسان إلى غيرك، ونيل مثل ما دعوت به.
ثالثًا: ستر المسلم، فكل إنسان معرض للخطأ، ويحب أن يستره الناس، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم بأجر عظيم لمن ستر على مسلم فقال: ((ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))؛ [رواه البخاري]، وليس المقصود ستر الجرائم التي يترتب على إخفائها ضرر عام، وإنما ستر الزلات التي يرجى معها الإصلاح وعدم إشاعة الفضيحة.
رابعًا: جبر الخواطر، فجبر الخاطر قد يكون بكلمة، أو اتصال، أو زيارة، أو سؤال، أو مشاركة في هم أو مصيبة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس))؛ [رواه الطبراني]، فرُب كلمة لطيفة تداوي قلبًا مكسورًا أكثر من هدية باهظة الثمن.
خامسًا: إفشاء السلام، فالسلام شعار الإسلام، وهو مفتاح المحبة بين المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: ((أفشوا السلام بينكم))؛ [رواه مسلم]، فالسلام دعاء، وألفة، وإحياء لسنة نبوية لا تكلف شيئًا.
سادسًا: المصافحة، والمصافحة الصادقة تزيد المحبة، وتمحو ما في القلوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا))؛ [رواه أبو داود]، فكم من قلوب عادت متآلفة بسبب مصافحة صادقة!
سابعًا: الكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة قد ترفع إنسانًا بعد أن كاد يسقط، قال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والكلمة الطيبة صدقة))؛ [رواه البخاري]، فلا تحتقر كلمة تشجيع، أو ثناءً صادقًا، أو مواساة، أو شكرًا، فإنها قد تُغير حياة إنسان.
ثامنًا: العفو، فالعفو دليل قوة النفس، وليس ضعفًا، قال تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا))؛ [رواه مسلم]، فمن عفا عن الناس، عفا الله عنه.
تاسعًا: التغافل، فليس كل خطأ يستحق الوقوف عنده، ومن حسن العشرة أن يتغافل الإنسان عن الزلات اليسيرة، قال الإمام أحمد رحمه الله: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل، فالتغافل يحفظ البيوت، ويصلح العلاقات، ويطفئ كثيرًا من أسباب النزاع.
عاشرًا: الإصلاح بين الناس، فكم من خصومة طالت سنوات، ثم أصلحها رجل بكلمة صادقة، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114]، وقال سبحانه: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]، فالإصلاح عبادة عظيمة لا تحتاج إلا إلى حكمة وإخلاص.
الحادي عشر: تعليم الجاهل، قد تعلم طفلًا سورة قصيرة، أو تشرح لصديق حكمًا شرعيًّا، أو تدل إنسانًا على عمل صالح، قال صلى الله عليه وسلم: ((من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله))؛ [رواه مسلم]، ورب كلمة علمتها لإنسان بقيَ أجرها يجري بعد موتك.
الثاني عشر: توقير الكبير، فاحترام كبار السن خلق نبوي، قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا))؛ [رواه أحمد]، والتوقير يكون بالاحترام، والإنصات، والتقديم، والكلمة الطيبة، ومساعدتهم عند الحاجة.
الثالث عشر: رحمة الصغير، فمن علامات كمال الإيمان الرحمة بالصغار، قال صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم، لا يُرحم))؛ [متفق عليه]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّل الأطفال، ويمزح معهم، ويحملهم، ويخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمة بأمه.
الرابع عشر: إزالة الهم عن المسلم، فكم من إنسان يحمل همًّا أثقل قلبه، ينتظر من يواسيه أو يساعده أو يسمعه! قال صلى الله عليه وسلم: ((من نفَّس عن مسلم كربةً من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة))؛ [رواه الترمذي]، وقد تكون إزالة الهم بكلمة، أو دعاء، أو نصيحة، أو مساعدة، أو مشاركة وجدانية، وكلها لا تحتاج إلى مال، وإنما إلى قلب رحيم.
أيها الشاب، لا تقل: لا أملك مالًا، بل قل: كم أملك من أبواب الخير التي لم أطرقها بعد؟ فقد تدخل الجنة بابتسامة، أو بدعوة في جوف الليل، أو بستر مسلم، أو بجبر خاطر، أو بكلمة طيبة، أو بإصلاح بين متخاصمين، أو بإزالة هم عن أخيك، فأبواب الخير ليست حكرًا على الأغنياء، وإنما هي مفتوحة لكل قلب يريد وجه الله، فابدأ من اليوم، واجعل لنفسك نصيبًا من هذه العبادات، واحتسبها عند الله، فما كان خالصًا له بقي أثره، وعظم أجره، وبارك الله في صاحبه.
يا أخي، ليس الغني من كثرت أمواله، وإنما الغني من كثرت أبواب الخير التي يسلكها إلى الله، فمن جعل يومه مليئًا بابتسامة صادقة، وكلمة طيبة، ورحمة بالناس، ودعاء في الخفاء، وإصلاح بين المتخاصمين، عاد في آخر يومه وقد جمع من الحسنات ما قد لا يجمعه صاحب المال الكثير إذا غفل عن الإخلاص واحتساب الأجر، فالسعيد من عرف أن طريق الجنة لا يقاس بما يملك، وإنما بما يقدمه من خير، ولو كان يسيرًا في أعين الناس، عظيمًا عند الله.