![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع د. شعبان رمضان محمود مقلد المقدمة الحمد لله رب العالمين، أنزل كتابه هُدًى ورحمة وفرقانًا للعالمين، وجعله العُروة الوثقى وحبله المتين، مَن تمسَّك به سعد واهتدى، وفاز ونجا يوم الدين، ومن أعرض عنه خسر وغوى، وحاد عن الطريق المستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته الطيبين الطاهرين، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد: فلكل منا همَّة تسكن قلبه، وتيسر دربه، ويخطط على منوالها مستقبله، والهمم تتفاوت بين البشر، فشتَّان بين همة في الثرى وأخرى في الثريا! وعلو الهمة مبتغى كل إنسان ناجح يتطلع إلى حياة أفضل، بَيْدَ أن شروطها هنا يراد بها وجه الله تعالى وأن تكون عونًا على البذل والعطاء لهذا الدِّين. إذًا؛ نحن لا نقصد علو الهمة لذاته؛ بل نقصد ما وراءها من رضا الله، والعمل على رفعة هذا الدِّين وعزِّه، وما يستتبع ذلك من فوز في الآخرة، ونجاة من غضب الله وعذابه، ولله در القائل: إِذَا مَا كُنْتَ فِي أَمْرٍ مَرُومٍ ![]() فَلاَ تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ ![]() فَطَعْمُ المَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ ![]() كَطَعْمِ المَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ ![]() أ - أهمية الموضوع، وأسباب الدراسة: وانطلاقًا من ذلك، فإن المسلم مطالَبٌ دائمًا وأبدًا بالتمسُّك بكتاب الله تعالى حقَّ التمسك، وتطبيق منهجه في حياته كلها، وبدهي أن تكون بداية التمسك والتطبيق بالتعليم والتعلم. ولكن الملاحظ - وبخاصة في عصرنا الحاضر - انصراف كثير من المسلمين عن تعليم القرآن وتعلُّمه، وإن أظهروا حبَّهم وتقديسهم له، إلا أن واقعهم المعيشي يغاير ذلك، ومن هنا يبدو الخلل واضحًا في حياة المسلمين أفرادًا ومجتمعات، الأمر الذي جعلهم غثاءً كغثاء السيل، وجعل الأمم تتداعى عليهم، وجعل الوهن يتمكَّن من قلوبهم، ونزعت مهابتهم - بأمر الله - من قلوب عدوهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وما من شك في أن أول آيات القرآن نزولاً، كانت دعوة صريحة للقراءة والعلم والتعلم، وما يستتبع ذلك من تطبيق لما نتعلمه ونتوصل إليه، وآثار ذلك على الفرد والمجتمع. ومن هنا كان الدافع للكتابة في هذا الموضوع الدعوي القرآني المهم، وكذا لعدم وجود مؤلَّف خاص في هذا الموضوع - على حد علمي - وإنما هنالك إشارات متناثرة في بطون الكتب والمؤلفات، فأحببت أن أجمع هذا المتناثر، وأبرز معالمه، وأوضح مقاصده؛ علَّه يكون دعوة خيرة لكل مَن يطلع عليه من المسلمين، وطريقًا أو بداية طريق للهدى. كما أرجو من الله تعالى أن أوفق، وأنا أقدم هذا البحث المتواضع للملتقى الثالث للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم والمجتمع بالرياض. ب - تساؤلات البحث: يهدف البحث إلى الإجابة عن التساؤلات التالية: أولاً: ما المقصود بالقرآن الكريم؟ وما معنى الآثار الإيمانية؟ وما مفهوم تعليم وتعلم القرآن؟ ثانيًا: ما أهمية الدعوة والعودة إلى تعليم وتعلم القرآن الكريم؟ وما كيفية ذلك؟ ثالثًا: ما الآثار الإيمانية التي تعود على الفرد المسلم والمجتمع المسلم من تعليم وتعلم القرآن الكريم؟ ج - منهج البحث والخطوات البحثية: استخدم الباحث منهج البحث الوصفي، وكذا منهج البحث التحليلي التأملي؛ لمحاولة الخروج بفوائد علمية مهمة دقيقة. كما اتَّبع الباحث الخطوات البحثية المختصرة التالية: 1 - عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف الشريف. 2 - تخريج الأحاديث من مظانها الحديثية، وإيراد حكم العلماء عليها، إن وجد. 3 - توثيق الأقوال والآثار بإرجاعها إلى مصادرها الأصلية. 4 - التأصيل العلمي للموضوعات البحثية، والوصول إلى نتائج محددة قدر الوسع والطاقة. د - خطة البحث بالتفصيل: جاء البحث بعنوان: "من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع"، ثم اشتمل على ما يلي: المقدمة: وتضمنت الحديث عن أهمية الموضوع، والباعث على دراسته، وتساؤلات البحث، ومنهج البحث وخطواته البحثية، كذلك تضمنت المقدمة خطةَ البحث بالتفصيل. الفصل الأول: التعريف بالقرآن الكريم ومفهوم تعليمه وتعلمه. وتحته مباحث ثلاثة: المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وأوصافه. المبحث الثاني: مفهوم الآثار الإيمانية. المبحث الثالث: مفهوم تعليم وتعلم القرآن الكريم. الفصل الثاني: أهمية الدعوة والعودة إلى القرآن الكريم. ويشمل مباحث ثلاثة: المبحث الأول: أهمية تعليم وتعلم القرآن الكريم. المبحث الثاني: كيفية العودة إلى القرآن. المبحث الثالث: تدبُّر القرآن الكريم وأهمية ذلك. الفصل الثالث: من الآثار الإيمانية على الفرد والمجتمع المسلم من تعليم وتعلم القرآن الكريم. وتحته مبحثان: المبحث الأول: من الآثار الإيمانية التي تعود على الفرد المسلم من تعليم القرآن وتعلمه. المبحث الثاني: من الآثار الإيمانية على المجتمع المسلم والأمة المسلمة. الخاتمة: وفيها خلاصة البحث، ونتائجه، وتوصياته. الفهارس. وأخيرًا: نضرع إلى الله سبحانه أن ينوِّر بالقرآن العظيم قلوبنا، وأن يفتح به أبصارنا، وأن يشرح به صدورنا، وأن يحفظنا به من أمامنا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، آمين، إنه على كل شيء قدير. الفصل الأول التعريف بالقرآن الكريم ومفهوم تعليمه وتعلمه المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وأوصافه: القرآن في اللغة: اختلف أهل اللغة في أصل كلمة (قرآن)، ويمكن اختصار وحصر أقوالهم في اتجاهين يوردهما السيوطي في قوله: وأما القرآن، فاختُلف فيه؛ فقال جماعة: هو اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله، فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير، وهو مروي عن الشافعي، أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه أنه كان يهمز قرأت، ولا يهمز القرآن، ويقول: القرآن اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت؛ ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل، وهذا هو الاتجاه الأول. الاتجاه الثاني: يذهب إلى أن لفظ (القرآن) مشتق، وجاء في هذا الاتجاه أربعة أقوال: 1 - أن القرآن مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران، سمي به الكتاب المقروء، من باب تسمية المفعول بالمصدر، وبه قال اللحياني وآخرون. 2 - وقال قوم - منهم الأشعري -: هو مشتق من قرنتُ الشيء بالشيء: إذا ضممتَ أحدهما إلى الآخر. 3 - وقال الفراء: هو مشتـق من القرائن؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهي قرائن، وعلى القولين بلا همز أيضًا، ونونه أصلية. 4 - وقال آخرون - منهم الزجاج -: هو وصف على فعلان، مشتق من القرء، بمعنى الجمع، ومنه قرأتُ الماء في الحوض؛ أي: جمعتُه. وبعد أن ذكر السيوطي تلك الأقوال قال: والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي - وهو الاتجاه الأول[1]. أما الشيخ الزرقاني، فيرى أن القرآن مشتق، ويقول: القرآن مصدر مرادف للقراءة، ومنه قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ [القيامة: 17، 18]، ثم نُقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسمًا للكلام المعجز المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من باب إطلاق المصدر على مفعوله. وعلى الرأي المختار، فلفظ قرآن مهموز، وإذا حذف همزه فإنما ذلك للتخفيف، وإذا دخلتْه "أل" بعد التسمية، فإنما هي للمح الأصل، لا للتعريف[2]. القرآن في اصطلاح العلماء: معلوم أن القرآن كلام الله، وأن كلام الله غير كلام البشر، ما في ذلك ريب، والقرآن يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص، بحيث يكون تعريفه حدًّا حقيقيًّا، ويذكر العلماء له تعريفًا يقرِّب معناه، ويميِّزه عن غيره. يقول الدكتور محمد عبدالله دراز - رحمه الله -: أما ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تُعرف الحقائق الكلية، فإنما أرادوا به تقريب معناه، وتمييزه عن بعض ما عداه، مما قد يشاركه في الاسم ولو توهمًا؛ ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية، وبعض الأحاديث النبوية، تشارك القرآن في كونها وحيًا إلهيًّا، فربما ظن ظانٌّ أنها تشاركه في اسم القرآن أيضًا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به، ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع[3]. ومن التعاريف التي ذكرها العلماء للقرآن الكريم ما يلي: أ - جاء في تعريفه أنه: اسم للمتلوِّ المحفوظ المرسوم في المصاحف[4]. ب - وقيل أيضًا: اللفظ المنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس[5]. ج - ويعرفونه أيضًا بأنه: كلام الله المعجز المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم المنقول عنه بالتواتر، المتعبَّد بتلاوته[6]. د - وقيل أيضًا في تعريفه: القرآن هو كلام الله المعجز، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته[7]. هـ - وقيل في تعريفه: هو كلام الله المنزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بوساطة الأمين جبريل - عليه السلام - المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس[8]. و - وقيل في تعريف القرآن: هو المنزَّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلاً متواترًا بلا شبهة[9]. ومن هذه التعريفات نستطيع أن نقول: إن القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم المعجز، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المحفوظ في الصدور. أسماء القرآن وأوصافه: للقرآن أسماء كثيرة، وهذا إن دلَّ، فإنما يدل على عظمة القرآن، فكما هو معلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى، ولا ريب أن القرآن الكريم هو أعظم وأشرف كتاب. ومن أسماء القرآن "الفرقان"؛ باعتبار أنه كلام فارق بين الحق والباطل، أو مفروق بعضه عن بعض في النزول، أو في السور والآيات؛ قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1]. ثم إن هذين الاسمين هما أشهر أسماء النظم الكريم؛ بل جعلهما بعض المفسرين مرجع جميع أسمائه، ويلي هذين الاسمين في الشهرة هذه الأسماءُ الثلاثة: الكتاب، والذِّكر، والتنزيل[10]. وقد وردت هذه الأسماء في القرآن نفسه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 10]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وقال أيضًا: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 192]. أما عن أوصافه، فقد وصفه الله بأوصاف كثيرة أيضًا وردت في آياته، منها قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 97]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 174]. ومن الأوصاف كذلك قوله: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [الأنعام: 92]، وقوله: ﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 15]. ومنها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]، وقوله: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ [فصلت: 3، 4]، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ [فصلت: 41]، وقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ [البروج: 21]. المبحث الثاني: مفهوم الآثار الإيمانية: الآثار: جمع أثر، والأثر جاء عنه في كتب أهل اللغة: أثر الشيء: بقيته، والجمع آثار وأثور، وتأثرته: تتبعت أثره، والأثَر بالتحريك: ما بقي من رسم الشيء، والتأثير: إبقاء الأثر في الشيء، وأثَّر في الشيء: ترك فيه أثرًا. والأثر: الخبر، والجمع آثار، وقوله عز وجل: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ [يس: 12]؛ أي: نكتب ما أسلفوا من أعمالهم، ونكتب آثارهم؛ أي: مَن سنَّ سنة حسنة، كتب له ثوابها، ومن سن سنة سيئة، كتب عليه عقابها، وسنن النبي: آثاره. وأُثْر الجرح: أثَرُه يبقى بعدما يبرأ، والإِثْر: خلاصة السمن إذا سُلِئَ، وهو الخِلاص[11]. وأثر الحديث: ذكره عن غيره، والأثر (بفتحتين): ما بقي من رسم الشيء[12]. الأثر: حصول ما يدل على وجود الشيء والنتيجة[13]. الأثر له ثلاثة معانٍ: الأول: بمعنى النتيجة، وهو الحاصل من شيء، والثاني: بمعنى العلامة، والثالث: بمعنى الجزء[14]. إذًا؛ فالأثر المقصود هنا هو: الخبر والنتيجة الحاصلة من تعليم وتعلم القرآن الكريم. والإيمان بالله عز وجل معناه: الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الذي يستحق وحده أن يُفرَد بالعبادة، وأنه المتَّصف بصفات الكمال كلها، المنزَّه عن كل نقص. فالإيمان بالله تعالى يتضمن: توحيده في ربوبيته، وتوحيده في ألوهيته، وتوحيده في أسمائه وصفاته. ومعنى توحيد الربوبية - إجمالاً -: الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء، ولا رب غيره. وتوحيد الألوهية معناه: الاعتقاد الجازم بأن الله - سبحانه - هو الإله الحق، ولا إله غيره، وإفراده سبحانه بالعبادة. أما توحيد الأسماء والصفات، فمعناه: الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل متَّصف بجميع صفات الكمال، ومنزَّه عن جميع صفات النقص، وأنه متفرد عن جميع الكائنات، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، من غير تحريف ألفاظها أو معانيها، ولا تعطيلها بنفيها، أو نفي بعضها عن الله - عز وجل - ولا بالتأويل الباطل، ولا تكييفها بتحديد كنهها وإثبات كيفية معينة لها، ولا تشبيهها بصفات المخلوقين. وعند أهل السنة: يقع اسم الإيمان على الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، والعمل بالجوارح[15]. أركان الإيمان: أما محتوى الإيمان، فهو ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بيانه: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))[16]. فالإيمان بالله يجعل المؤمنَ يشعر بأن الله يراقبه في أفعاله، والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحيي من معصية خالقه - سبحانه - لعلمه أن الملائكة معه تحصي عليه أعماله، والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتزُّ بكلام ربه - جلا وعلا - القرآنِ، فيتقرب إليه بتلاوته، والعمل بتعاليمه وأحكامه، والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم وسيرهم، لا سيما سيرة المصطفى، فيتخذهم أسوة وقدوة، والإيمان باليوم الآخر ينمي في نفس المؤمن حبَّ الخير والعطاء؛ ليحوز ثوابه في الجنة، والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن ترضى وتصبر. وخلاصة معنى الآثار الإيمانية: الخبر والنتيجة الحاصلة من تعليم وتعلم القرآن الكريم، والتي توصل إلى زيادة الإيمان بالله، وطاعته، والتقرب له. المبحث الثالث: مفهوم التعليم والتعلم: التعليم والتعلم في اللغة: عَلِم الشيء بالكسر، يعلَمه عِلمًا: عرَفه، ورجل علاَّمة؛ أي: عالم جدًّا، والهاء للمبالغة، واستعلمه الخبر فأعلمه إياه، وعلَّمه الشيء تعليمًا فتعلم، وليس التشديد هنا للتكثير؛ بل للتَّعْدِية، ويقال أيضًا: تعلَّمْ بمعنى: اعلم، وإذا قيل لك: اعلم أن زيدًا خارج، قلت: قد علمت، وإذا قيل: تعلم أن زيدًا خارج، لم تقل: قد تعلمت، وتعالَمَه الجميع؛ أي: علموه، والأيام المعلومات: عشر من ذي الحجة، والمَعْلَم: الأثر يستدل به على الطريق.[17]. العلم: إدراك الشيء بحقيقته؛ وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء. والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه[18]. التعليم والتعلم في الاصطلاح: التعليم: تنبيه النفس لتصوُّر المعاني. والتعلم: تنبُّه النفس لتصور ذلك، وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكرير، نحو: ï´؟ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ï´¾ [الحجرات: 16]. فمن التعليم قوله: ï´؟ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ ï´¾ [الرحمن: 1 - 4]. لكن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير، حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم[19]. المعنى الإجمالي لعنوان البحث: وعلى ضوء ما تقدَّم من التعاريف التي ذكرناها، نستخلص معنًى إجماليًّا لعنوان البحث: "الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع"، ويكون هذا المعنى: النتيجة الحاصلة من تعليم وتعلم القرآن الكريم، والتي توصل إلى زيادة الإيمان بالله، وطاعته والتقرب له، والتي بها يتقرب العبد من ربه سبحانه وتعالى فيزداد معرفة بالله، ويزداد يقينًا وعملاً، ويسعد في دنياه وأخراه. الفصل الثاني أهمية الدعوة والعودة إلى القرآن الكريم المبحث الأول: أهمية تعليم وتعلم القرآن الكريم: أنزل الله سبحانه القرآنَ، والعربُ - بل والعالم كله - في أشد الحاجة إليه، فأتاهم بالعقيدة الحقَّة بعد أن كانوا منها في أمر مريج، والشريعةِ الصحيحة بعدما تفرَّقتْ بهم الطرق، وتقطَّعت بينهم الأسباب، وأتاهم بالنظم الصالحة لبناء أمة قادرة على أن تسهم في بعث العالم ونهضته ووحدته، والأخلاقِ الفاضلة بعد أن سادتْ في المجتمع الجاهلي - بل في المجتمع الإنساني بصفة عامة - الرذائلُ والمنكرات: من ضلال في العقيدة، وفوضى في التشريع، وفسادٍ في الأخلاق، فأحدث في العالم تحوُّلاً وتجديدًا لم يشهد لهما التاريخ مثيلاً من قبل، تحولاً في التفكير، تحولاً في الأخلاق، وتجديدًا في الحضارة والمدنية، تحولاً إصلاحيًّا شاملاً لكل مرافق الحياة الإنسانية، في كل بقعة من بقاع الأرض التي استظلَّتْ بظل الإسلام، كما قدم للإنسانية نموذجًا رائعًا للإنسان المتكامل في عقيدته وسلوكه وأخلاقه، فأقبل عليه الناسُ من جميع البقاع، ومن كل الأجناس، وربط القرآن بينهم برباط العقيدة، وألَّف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا متحابِّين، وكانوا بذلك خيرَ أمة أخرجتْ للناس، قادَتِ العالمَ وعلَّمت البشريةَ قرونًا طويلة. ولا يكون المسلم مسلمًا حقًّا إلا إذا آمن بذلك كله، آمن بأنه على خير دين، وأنه أوتي خير كتاب إلهي، وأن أمَّته خير أمة أخرجت للناس، وأن حضارته صلَحتْ بها الإنسانيةُ قرونًا طويلة، ولا تزال صالحة لقيادة العالم إلى يومنا هذا، وهو الكتاب الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ العالمَ من الحيرة والضلال، والتخبط والاضطراب. ولن يعود للمسلمين عزُّهم ومجدهم، إلا إذا عادوا من جديد إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، عند ذلك - فقط - يتحقق لهم ما ينشدونه من التقدم والحضارة والرقي، والأمن والسلام، ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى القرآن، ففيه وحده الشفاء من كل الأدواء التي تعاني منها الإنسانية اليوم[20]. وتعلُّم القرآن الكريم من أجلِّ القربات، وأفضل الطاعات، وأهم المهمات، وحَمَلَةُ القرآن هم أرفع الناس قَدرًا، وأشرفهم عِلمًا، وأقومهم طريقًا. وقد حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّتَه على حفظ القرآن الكريم ومدارسته، وتعلمه وتعليمه، وبيَّن فضل أهله وحَمَلته، والأحاديث في هذا الباب معلومة مشهورة. وقد عُني المسلمون بكتاب ربهم عناية فائقة، تميَّزوا بها على مَن سبقهم من الأمم؛ حيث تنافسوا في قراءته وحفظه، وتسابقوا إلى دراسته والعمل به. وقد ظل هذا الكتاب الكريم على مرِّ القرون - منذ نزوله إلى يومنا هذا - محفوظًا في الصدور، كما هو مكتوب في المصاحف، يأخذه اللاحق عن السابق، فالحمد لله على منَّته وفضله. والله سبحانه وتعالى لفت النظر لأهمية تعليم القرآن وتعلمه؛ فقال - سبحانه -: ï´؟ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ ï´¾ [الرحمن: 1 - 4]. قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: يقول - تعالى ذِكره -: الرحمن - أيها الناس - برحمته إياكم علَّمكم القرآن، فأنعم بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربكم، وعرَّفكم ما فيه سخطه؛ لتطيعوه باتِّباعكم ما يرضيه عنكم، وعملكم بما أمركم به، وبتجنُّبكم ما يسخطه عليكم، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه، وتنجوا من أليم عقابه[21]. ولنا أن نتساءل: لماذا قدَّم الله - سبحانه - تعليم القرآن على خلْق الإنسان، مع أن المشهود أن الإنسان يُخلق أولاً؟ أليست هذه إشارة إلى أن الإنسان لا يكون إنسانًا حقيقيًّا إلا إذا تعلَّم القرآن؟ "إن السلوك السويَّ للفرد لا يمكن أن يغرس وينمو في شخص لم يخالط عقلَه وقلبه القرآنُ الكريم؛ ذلك لأن القرآن يجمع عليه أمرَه في الاعتقاد، ويرسخ فيه مَلَكةَ الرقابة الذاتية في السلوك، وفي ذلك يقول البيضاوي عند تفسيره لهذه الآية: "لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، صدرها بـ ï´؟ الرَّحْمَنُ ï´¾ [الرحمن: 1]، وقدَّم ما هو أصل النعم الدينية وأجلّها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه؛ فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوعظ، وأعز الكتب؛ إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدِّق لنفسه، ومصداق لها، ثم أتبعه قوله: ï´؟ خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ ï´¾ [الرحمن: 3 ،4]؛ إيماء بأن خلق البشر، وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو التعبير عما في الضمير، وإفهام الغير لما أدركه؛ لتلقي الوحي، وتعرُّف الحق، وتعلُّم الشرع[22]. ومن هنا، فتعلُّم القرآن خيرُ ما يتعلَّمه المسلم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه))[23]. ومن تعلم القرآن ثم علمه لغيره، فهو خير الناس؛ فهو قد جمع بين تكميل نفسه بتعلُّم القرآن، وتكميل غيره بتعليمه القرآن، هذا ومِن لازِم تعلُّم القرآن وتعليمه للغير، حفظُه وفهمه والعمل به، فمَن حفِظَه وفهمه ولم يعمل به، فهو حُجة عليه. ولأهمية هذا الكتاب وحاجة الأمة إليه؛ فقد أكرمنا الله به فأنزله علينا، وتكفل لنا بحفظه فقال: ï´؟ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ï´¾ [الحجر: 9]. نظرة في الواقع: وبالنظر في الواقع المعيش للطلاب الذين ينتسبون إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم، نجد أن الآثار الإيجابية للقرآن تظهر بصورة أكبر على الطفل؛ لأن الطفل يسهل تشكيله وتعليمه، وكما قالوا قديمًا: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر". فالطفل الذي تلقَّى القرآن منذ الطفولة يمتاز في كل أحواله عن الطفل الفاقد لهذا الخير، فالقرآن يعطي قوة نفسية، ومتانة في الأخلاق، تظهر في المحن والابتلاءات. والقرآن ينشئ العقلية العلمية الموضوعية، التي لا تقبل نتائجَ بغير مقدمات، ولا تخضع إلا للحجة والبرهان، وهو مدرسة لتعلم الفضائل السلوكية، وتجنب القبيح، وكذلك يعلِّم المرء الدراسة والتخطيط، والاهتمام بالنظر، والتفكر، والتأمل. وفي تعلُّم القرآن للطفل فائدةٌ من جميع النواحي؛ ففي حفظه له استقامةٌ للسانه، وحفظٌ له من التلفظ بالسوء، كما يرزقه الله به فهمًا يتفرد به بين أقرانه ومَن في سنِّه، وتقوى عنده أيضًا ملَكةُ الحفظ، ويتعذر اختراق عقله بأوهام الدنيا، فيشبّ مشغولَ الذهن بالقرآن وآياته ومعانيه، وأخلاق أهله ومجالسه. وحفظُ القرآن يساعد صاحبَه على التفوق في دراسته، ويعوِّده على نطق الألفاظ والتحدث باللغة العربية، حتى في لعبه وترويحه مع أقرانه. وبسؤالنا فضيلة الشيخ عيسى بن إبراهيم الدريويش[24] عما يُحدِثه الاشتغالُ بالقرآن الكريم تعليمًا وتعلمًا، أجاب فضيلته بقوله: مما لا شك فيه أن الاشتغال بالقرآن الكريم يُحدِث أثرًا إيمانيًّا بالغًا لدى المعلم والمتعلم، أما عن أثره على المعلم، فالاشتغال به يؤثِّر في استقامة شخصيته، وزيادة الوازع الإيماني، فيَصِل لديه إلى الذروة الإيمانية، التي تنعكس على أدائه في العبادات، ونمطه في السلوك، وقد سبق أن وضَّحتْ كتبُ التراجم والسِّير أن البيئة لها أثرها على السلوك والتصرف في كل أمور الحياة. أما أثره على الطالب، فنجد أن انتظامه في حلق التحفيظ يميِّزه عن غيره من أقرانه، سواء كان ذلك في دراسته، أم في بقية أحواله المعيشية، فارتباطُ الطالب بحلق التحفيظ يُحدِث لديه سلوكًا حسنًا، وسمتًا طيبًا، وكذلك يميزه في هيئته وسلوكه وأخلاقه ومعاشرته مع الآخرين، وقبل ذلك كله يحقِّق له الأثر الواضح في السلوك التعبُّدي والإيماني، الذي يستفيد منه ويتأثر به كلُّ من يتعاملون معه. وتقول والدة عن ابنها - الذي يدرس بالصف الثاني الثانوي -: "يحفظ نجلي القرآن كاملاً، وهو يحترم إخوته الكبار، ويعاملني ووالدَه معاملةً حسنة، وقد تأثَّر بالقرآن الكريم، فهو هادئ الطبع، حَسَن الخلق، في لسانه فصاحة، وهو متفوق في دراسته، فقد أورثه القرآن حسنًا في أخلاقه، وقوةً في لغته العربية، وإتقانًا لعبادته، وحبًّا للطاعة". وعن نظرة الأبناء في ذلك، يؤكِّد بعض الطلاب أن حفظ القرآن جعله من الأوائل في مادة اللغة العربية، وكذلك ساعَدَه على سرعة استيعاب المواد الدراسية؛ لأنه أصبح يستوعب بسهولة ويسر، وللقرآن أثر كبير في حياته؛ فبه يعامل أهله وإخوته وأصدقاءه، ثم يقول: وبه اكتسبت احترام الجميع. دور الوالدين: برغم الآثار الإيجابية، والأمثلة الطيبة للقرآن في تنشئة الأطفال، فإن الكثير من الآباء والأمهات - للأسف - لا يوجِّهون أبناءهم لحفظ القرآن، ولا يستثمرون عقول أبنائهم ولا أوقاتهم في ذلك؛ بل يتركون أبناءهم يبدِّدون الأوقات هنا وهناك في اللهو والمرح، وأمام أدوات اللهو الحديثة. ومما لا شك فيه أن أعداء الإسلام لجؤوا إلى صرف المسلمين عن دينهم، عن طريق صرفهم عن القرآن، حتى أصبحتْ صورة حامل القرآن في نظر كثير مِن الذين لا يدركون قيمته - صورةً لا يرجوها الآباء لأبنائهم! ففطن مِن المسلمين مَن فطن إلى ذلك الأمر، واتَّجه غيرهم إلى الأندية والملاعب، كوسيلة لتسلية الأبناء، وهؤلاء يَحرِمون أبناءهم وأنفسهم فوائدَ القرآن، وبركته، والتنشئة عليه، فيكون أبناؤهم - بعد ذلك - وبالاً عليهم؛ لأنهم تربَّوا بلا رادع رباني، أو مقوم إلهي. ويجب أن يعي الآباء أن كل العلوم لا فائدة من النبوغ فيها، إلا إذا ربطها صاحبُها بالقرآن الكريم، كذلك لا بد أن يتذكَّر الآباء والأمهات قولَ الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إلا من ثلاث))، ومن هذه الثلاث: ((أو لد صالح يدعو له))[25]. وهذا شرف عظيم يناله مَن حَمَل ابنُه القرآنَ، ولا بد من أن يعي ذلك المحفِّظون والمعلمون. ودور الأم كذلك مهم في توجيه أطفالها لحفظ القرآن؛ فعلى الأم تشجيعُ ابنها على حفظ القرآن، والذهاب للمسجد، وتحبيبه في كتاب الله وتلاوته بالأحكام، وأن ترغبه في حفظه بهدايا وجوائزَ نافعةٍ، وبكافة وسائل الترغيب. وكثير من النساء ظهر لهن دور بارز في توجيه أبنائهن نحو الاهتمام بالقرآن الكريم وتعلُّم علومه، ولم يغفل التاريخ دورَ والدة الإمام الشافعي في هذا المجال، وتوجيهها له، وحثه على الترحال والتنقل؛ طلبًا لإتقان حفظ القرآن وتلقي علومه، وما أقسام النساء في جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، التي تنتشر في كل مكان في هذا البلد الطيب - المملكة العربية السعودية - ببعيد عن الأذهان، وما مكاتب التحفيظ الخاصة بالنساء في مصر واليمن، وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، ببعيد عن الواقع، وأذكر أنني عندما كنت مقيمًا في دولة المالديف[26]، كنت أرى في كل مكان أذهب إليه معلماتٍ للقرآن الكريم، وكن يعلمن الصبية الصغار قراءة وكتابة اللغة العربية، ثم قراءة وكتابة القرآن الكريم. الحاجة إلى القرآن: وحاجتنا إلى القرآن دائمًا ضرورية وملحَّة، وتتأكد تلك الحاجة في هذا العصر الذي ضعُف فيه الوازع الإيماني عند كثير من الناس، فلهثوا وراء المترفات حلالها وحرامها، ومن هنا نحتاج إلى ما يقوي هذا الوازعَ ويجدِّده، وأفضلُ منبع مستمر ومتجدد للإيمان هو القرآن؛ يقول تعالى: ï´؟ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ï´¾ [الأنفال: 2]. فالقرآن له تأثيرات عجيبة على استثارة المشاعر، والسيطرة عليها، وتوجيهها لله - عز وجل - وليس ذلك فحسب؛ بل إن للقرآن خاصيةً عجيبة لا توجد في غيره، وهي قدرته على جعل مَن يتعامل معه بطريقة صحيحة في حالة دائمة من الهمَّة والنشاط، والتوقد والإيجابية، وذلك من خلال توليده المستمر للطاقة داخل نفس صاحبه كلما قرأ وتجاوب معه، وتأثرت به مشاعره، هذه الطاقة ستدفعه ليصرفها في أعمال البر المختلفة. وتتأكَّد حاجتنا إلى القرآن الكريم، حينما ندرك يقينًا أن القرآن له دور كبير في علاج أمراض القلوب، وعلى رأسها مرض العُجب، وما يُحدِثه هذا المرض في نفس الإنسان مِن تعاظم واستعظام على الآخرين؛ قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [يونس: 57]. ويعرفنا القرآن كذلك بطبيعة النفس، وبأنها أمَّارة بالسوء، لديها قابليه للفجور والطغيان، تحب الاستئثار بكل خير، ولا تنظر للعواقب. وعليه؛ فضروري أن يعود المسلم إلى القيمة الحقيقية للقرآن، التي أنزله الله من أجلها كأداة ووسيلة ربانية للهداية والشفاء، والتقويم والتغيير؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ï´¾ [الإسراء: 9]. هذا هو دور القرآن الحقيقي، وما قراءتُه أو حفظه إلا وسائلُ لتيسير الانتفاع بمعجزته، ومعنى ذلك أنه ينبغي على جيلنا الحالي - إذا كان يريد نصرًا وتمكينًا - أن يُقبِل على القرآن بكيانه، وأن يفرِّغ له أكبر وقت لديه، وينشغل به، ويجعله مصدره الأول للتلقِّي، ومما يعينه على ذلك أن يخصص له وقتًا كل يوم، وأن يقرأه في مكان هادئ بعيدًا عن الضوضاء؛ لتحسن استفادته منه، والتعبير عن مشاعره تجاه الآيات بالبكاء والدعاء، وعليه كذلك أن يهيئ قلبه وفكره للتلاوة بتذكر الموت والآخرة؛ فقد قال تعالى: ï´؟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ï´¾ [ق: 45][27]. وقد أدرك سلفُ الأمة هذا الدورَ للقرآن والحاجة إليه، فكانوا يتعاهدون القرآن الكريم علمًا، وتعلُّمًا، وتعليمًا، وكانت لهم في ذلك عناية ورعاية خاصة، ومما يدل على ذلك ما ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن كل مؤدب يحب أن يُؤتى أدبه، وإن أدب الله تبارك وتعالى القرآن. وعن الأعمش قال: مرَّ أعرابي بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو يُقرئ قومًا القرآنَ، أو قال: وعنده قوم يتعلَّمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. وورد أيضًا عن عمرو بن قيس السكوتي، قال: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: عليكم بالقرآن، فتعلَّموه وعلِّموه أبناءكم؛ فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقَل[28]. كذلك مِن حثِّ الصحابة على تعلُّم مَن بعدهم للقرآن وتعليمه؛ لازدياد الأجر والمثوبة والهداية: قولُ كعب: عليكم بالقرآن؛ فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدثُ الكتبِ بالرحمن عهدًا، وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "إن هذا القرآن كان لكم أجرًا، وكائن لكم ذِكرًا، وكائن بكم نورًا، وكائن عليكم وزرًا، اتَّبعوا هذا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن؛ فإنه من يتبع القرآنَ يهبط في رياض الجنة، ومن اتَّبعه القرآنُ يزج في قفاه، فيقذفه في جهنم"[29]. حفظ القرآن من خصائص هذه الأمة: ولا يزال حفظ القرآن شعارًا لهذه الأمة، وشوكةً في حلوق أعدائها، تقول المستشرقة لورا فاغليري: "إننا اليوم نجد - على الرغم من انحسار موجة الإيمان - آلافًا من الناس القادرين على ترديده عن ظهر قلب، وفي مصر وحدها عددٌ من الحفَّاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوروبا كلها". ويعترف أحد مَن حُرِموا نورَ القرآن بهذه الميزة والخاصية؛ إذ يقول جيمس منشيز: "لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تُقرأ في العالم، وهو بكل تأكيد أيسرها حفظًا"[30]. المبحث الثاني: كيفية العودة إلى القرآن: ما دامت حاجتنا إلى القرآن ملحة لهذه الدرجة، وما دام تعلُّمه له هذه الأهمية، وما دمنا قد وصلنا في هذا العصر إلى هذه الدرجة مِن هجْرنا لروح القرآن، وتدبُّره، والانتفاع به - إلا من رحم ربي - فيرد السؤال: كيف نعود إلى القرآن، وكيف ننتفع به؟ وللإجابة عن هذا السؤال؛ لا بد أن نعلم يقينًا أن القرآن هو حبل الله الذي أنزله من السماء؛ ليخلصنا مما نحن فيه، وأنه مشروع النهضة للأمة جمعاء، ومن هنا علينا أولاً بالاعتصام بهذا الحبل، والإقبال عليه إقبال الظمآن على الماء؛ بل أشد، وأن نعطيه أفضل وأكثر أوقاتنا، فالحل يقينًا للخروج من المأزق الذي نعيش فيه، يبدأ بالتمسك بهذا الكتاب، فإذا ما تمَّ لنا ذلك - وهو يسير لكل مَن أراده بصدق - فعلينا ثانيًا أن ندعو الناس إليه، ونبث فيهم روحه، وننتشل من نستطيع انتشاله من جاذبية الأرض والطين؛ لنربطه بحبل القرآن، وأن نستمر على ذلك، حتى موعود الله - سبحانه - لأن المتأمل في القرآن يجد أنه يعيد تشكيل العقل من جديد، ويصوب كل فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات. ندرك ذلك تمامًا، حين ندقِّق النظر في العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور، ومن أهم هذه الوسائل: الإقناع، وتَكرار الموضوعات. أما الاقتناع، ففيه يبرز احترام القرآن للعقل، ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة، والقارئ المتدبِّر للقرآن يجد المولى - سبحانه وتعالى، وهو الكبير المتعال - يخاطب عقولنا، ويبيِّن لنا الكثيرَ من الأمور، التي من شأنها أن تقنعنا بما يريده منا؛ بل إنه سبحانه وتعالى يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكير في كلامه؛ كقوله تعالى: ï´؟ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ï´¾ [البقرة: 266]؛ لنقتنع بما يحمله هذا الكلام من معانٍ وأفكار، فينتقل ذلك كلُّه إلى اللاشعور، ويترسخ فيه؛ لينطلق بعد ذلك السلوك المعبِّر عنها بصورة تلقائية. "وأما تَكرار الموضوعات، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه، يجدها متكررة ومتشابهة؛ كما قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ï´¾ [الزمر: 23]، وقال: ï´؟ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ï´¾ [الفرقان: 50]. وصرفنا؛ أي: كررناه بأساليبَ مختلفةٍ، ومن فوائد التَّكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكُّر واليقظة. وخلاصة القول: إن القرآن يعيد تشكيل العقل، ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه، من خلال مخاطبته له بأساليبَ شتَّى؛ مما يؤدي إلى إقناعه بما يحمل من أفكار، فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلى منطقة اللاشعور، وتترسخ فيها، من خلال تكرارها في السُّور والآيات؛ لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها. والقرآن لا يركز على قضايا بعينها؛ بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام، ويعطي كلَّ جزء فيها اهتمامًا يناسب حجمَه، فينشأ عن هذا كلِّه تصحيحٌ للمفاهيم الخاطئة، وتغييرٌ للثوابت الموروثة؛ لتحل محلَّها معاني القرآن وثوابتُه، وهذا من شأنه أن يحدث وحدة التصور لدى أفراد الأمة"[31]. وهذا كله يدعونا إلى المزيد من التأمل في هذا الكتاب الحكيم، والفكر الدؤوب للوصول إلى طريق تعيدنا إليه. فإن كنا حقًّا نريد العودة إلى القرآن والانتفاع به، واستخدامه كعلاج فعَّال لما نعانيه من أدواء، فعلينا أن نغيِّر طريقة تعاملنا معه، وأن يكون همنا من قراءته الانتفاع بمعجزته، والدخول في دائرة تأثيره، وهذا يحتاج منا إلى بعض الوسائل العلمية المتدرجة، التي تعيينا على العودة الهادئة إليه، وهناك وسائل تساعد المسلم - بفضل الله سبحانه - على العودة الصحيحة إلى القرآن، ومنها: 1 - الانشغال بالقرآن. 2 - تهيئة الجو المناسب له. 3 - القراءة المتأنية. 4 - التركيز عند القراءة. 5 - التجاوب مع الآيات. 6 - أن نجعل المعنى هو المقصود. 7 - ترديد الآية التي تؤثِّر في القلب. 8 - تعلم الآيات والعمل بها[32]. ولنا في الصحابة رضوان الله عليهم أسوةٌ في ذلك، فلقد ذاق الصحابةُ حلاوةَ الانشغال بالقرآن، وأدركوا قيمته، وشاهدوا ثمرة ذلك في واقعهم الذي تغيَّر تغيرًا جذريًّا، وأصبحوا شخصياتٍ أخرى غير تلك التي كانت قبل إسلامهم، وكأنهم وُلِدوا من جديد، ومن هنا كان حرصهم الشديد على تبليغ هذه الرسالة إلى مَن بعدهم، وكانوا ينزعجون من انشغال الناس بشيء غير القرآن. فهذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يأتيه اثنان من التابعين بصحيفة، يريدان منه أن يقرأها، ويقولان له: هذه صحيفة فيها كلام حسن، فقال: هاتها يا جارية، هاتي الطست، فاسكبي فيها الماء، فجعل يمحوها بيده، ويقول: ï´؟ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ï´¾ [يوسف: 3]، فقلنا: انظر فيها؛ فإن فيها كلامًا عجبًا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره[33]. والقرآن كما قال محمد بن واسع: بستان العارفين، فأينما حلُّوا منه، حلُّوا في نزهة. وللعودة إليه؛ لا بد من اتِّباع عدة أمور: أولاً: التضرع إلى الله، والإكثار من الدعاء بطلب العون منه سبحانه على حفظ القرآن، والإلحاحُ في الدعاء من أعظم آداب الدعاء. ثانيًا: جعل وِرْد يومي يُتلى فيه القرآن، وحبذا أن يكون ذلك في بداية اليوم، ولا يشغل الحفظ عن التلاوة؛ فإن التلاوة وقود الحفظ. ثالثًا: المداومة على أذكار الصباح والمساء والنوم، وكذلك المداومة على الأذكار التي تحفظ المسلم - بإذن الله - من الشيطان؛ فإن الذِّكر عدو الشيطان؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ï´¾ [المائدة: 91]. فإِنْ حَفِظَ اللهُ المسلم من الشيطان، استطاع المداومة على تلاوة كتابه وحفظه. رابعًا: الحرص على حضور مجالس العلماء، وعدم التخلف عنها، خاصة مجالس القرآن، إلا لعذر؛ روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))[34]. خامسًا: على كل مَن يودُّ التقرُّبَ من القرآن والانتفاعَ به: الاهتمامُ بالصاحب الذي يساعد على ذِكر الله، ويعين - بعد الله - على تلاوة القرآن؛ فإنه كنز نفيس. سادسًا: عليه أن يَحذَر من الغرور، وألاَّ يباهي بتعلمه وحفظه، ولا يماري بهما؛ حتى لا يقع في تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: ((مَن تعلَّم العلم؛ ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوهَ الناس إليه - أدخله الله جهنم))[35]. وليكن تعلُّمه للقرآن ابتغاء ما عند الله، واكتساب الخشية والسكينة والوقار، لا للاستكبار. سابعًا: ليعلم مَن يريد تعلُّم العِلم - أيّ علم من العلوم - أن بداية العلم هو حفظ القرآن، وكل آية يحفظها باب مفتوح إلى الله تعالى وكل آية لا يحفظها أو نُسِّيها باب مغلق، حال بينه وبين ربه، فينبغي أن يكون حرصه على ما لا يحفظه من القرآن أكثرَ مِن حرصه على التقدم في أي علم من العلوم. ثامنًا: المحافظة على الاستغفار والإكثار منه؛ فإن نسيان القرآن من الذنوب، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ï´¾ [الشورى: 30]، عن الضحاك قال: ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ... ï´¾ [الشورى: 30] الآية، ثم قال الضحاك: وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن؟![36]. وقال الشافعي: شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ![]() فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي ![]() وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ![]() وَنُورُ اللَّهِ لاَ يُهْدَى لِعَاصِي[37] ![]() تاسعًا: أن يحافظ على الوضوء عند قراءته للقرآن مع إحسانه، ومعنى إحسانه هنا: اتِّباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء. عاشرًا: حفظ القرآن نعمة عظيمة تستحق الشكر، حيث يكون القلب عامرًا، فعلى الحافظ لكتاب الله أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة؛ قال تعالى: ï´؟ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ï´¾ [إبراهيم: 7]. وكما ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناسُ نائمون، وبنهاره إذا الناسُ مُفطرون، وبوَرَعه إذا الناسُ يخلطون، وبتواضعه إذا الناسُ يختالون، وبحزنه إذا الناسُ يفرحون، وببكائه إذا الناسُ يضحكون، وبصمْتِه إذا الناسُ يخوضون". ومع هذه الأمور، ينبغي أن تكون القراءة بهدوء وترسل وترتيل، وكذلك بتركيز، وأن يجعل المعنى الإجمالي للآية هو المقصود، ولا يتوقف بتعسف عند تفسير كل كلمة؛ بل ينبغي عليه أن يسمح لآيات القرآن أن تنساب داخله، ويتصاعد تأثيرُها شيئًا فشيئًا، حتى تسيطر على المشاعر وتوجهها لله - عز وجل - وهذا هو المقصد الأسمى من القراءة والتعلم، فالتدبر المجرد لا يكفي؛ بل لا بد من التأثر الذي من خلاله يزداد الإيمان، وتتولد الطاقة، ويحدث التغيير والتقويم، وعندما يجد أحدُنا قلبَه ينفعل ويتحرك مع آية من الآيات، فعليه أن يردِّدها مرات ومرات؛ لأنه كلما فعل ذلك، ازداد الإيمان في قلبه، هذا الترديد لا يوجد له حد أقصى، فما دام وجد التجاوب استمر في ترديده، فإذا توقف التجاوب انتقل إلى ما بعدها من آيات[38]. المبحث الثالث: تدبر القرآن وأهميته: معنى التدبر وحقيقته: إن تدبُّر القرآن هو أرفع صور تلاوته وترتيله، التي جاءت نصوص القرآن والسنة ببيان فضلها وثوابها، والتدبر هو الذي يساعد قارئَ القرآن على النهم من خيراته وفضائله. التدبر لغة: دبر الأمر وتدبَّره: نظر في عاقبته، واستدبره: رأى في عاقبته ما لم يرَ في صدره، وعرف الأمر تدبرًا؛ أي: بأَخَرَةٍ... والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبر: التفكر فيه... ويقال: إن فلانًا لو استقبل من أمره ما استدبره، لهدي لوجهة أمره؛ أي: لو علم في بدء أمره ما علمه في آخره، لاسترشد لأمره... والتدبير أن يتدبر الرجل أمره ويدبره؛ أي: ينظر في عواقبه[39]. التدبر: النظر في دبر الأمور؛ أي: عواقبها، وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكر تصرف بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب[40]. إذًا؛ فالتدبر: التفكر، ومادته تدور حول أواخر الأمور وعواقبها، "فالتدبر هو النظر في عواقب الأمور وما تؤول إليه، ومن هنا نستطيع أن نفهم التدبر، هو التفكر الشامل، الواصل إلى أواخر دلالات الكلم، ومراميه البعيدة". فاعتمادًا على هذا التعريف، يكون التدبر هو: "التفكر باستخدام وسائل التفكير، والتساؤل المنطقي؛ للوصول إلى معانٍ جديدة يحتملها النص القرآني وفق قواعد اللغة العربية، وربط الجمل القرآنية ببعضها، وربط السور القرآنية ببعضها، وإضفاء تساؤلات مختلفة حول هذا الربط أو ذاك". وعلى ذلك، فحقيقة تدبر القرآن: أن يقرأ المسلم كتاب الله بتأمل وتفكر، وعناية وحضور، فيتأمل في أخباره ومواعظه، وأوامره ونواهيه، وأحكامه وآياته، وأن يعزم النية على العمل بما يؤمر، وعلى الانتهاء عما نُهي عنه، وأن يتَّعظ بما فيه من المواعظ والأخبار، ويستحضر ما أخبر الله به عبادَه من أمور المعاد؛ فالخشوع والتدبر هما المقصودان، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تأمل، وبالخشوع والتدبر تنشرح الصدور، وتستنير القلوب؛ ولذلك أخبر الله جل وعلا أن التذكر والتعقل هو ثمرة التدبر؛ فقال سبحانه: ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29]. قال الطبري في تفسيرها: يقول - تعالى ذكره - لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: وهذا القرآن ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ï´¾ [ص: 29] يا محمد ï´؟ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ ï´¾ [ص: 29] يقول: ليتدبروا حجج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به[41]. فعلينا ألاَّ ننسى حظنا من القرآن؛ فإنه أساس الثبات إذا عصفت الفتن، وعلاج الأحزان إذا نزلت المحن، وشفاء إذا نالت منك الأسقام والعلل، وحظك إنما يكون منه أنفع وأوفر إذا فتحتَ لآيات الله قلبَك وتدبرتها وتأملتها؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ï´¾ [التوبة: 124]. أهمية التدبر: وتكمن أهمية تدبُّر القرآن الكريم فيما يلي: 1 - الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى: فلقد أمرنا بذلك؛ فقال: ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82]، ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24]. قال البيضاوي في تفسيرها: يتصفَّحونه وما فيه من المواعظ والزواجر؛ حتى لا يجسروا على المعاصي، ï´؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24] لا يصل إليها ذِكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التقرير، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها؛ للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها، لا تُجانس الأقفال المعهودة[42]. 2 - كذلك أهمية التدبر في أنه سبب لشحن النفوس نحو الخير، والبُعد عن الشر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الآية الواحدة مرات ومرات، ويقلِّبها ويتفكر فيها؛ إذ ليس هناك فائدة في أن يكرر الإنسان آية عشرات المرات إذا لم يكن فيها تقليب الآية والتفكر فيها، وكثير من الصحابة والصالحين كانوا يكررون كثيرًا من الآيات يتفكرون، وينظرون، ويعتبرون. 3 - والتدبر يعني الاهتمام، ثم التطبيق والممارسة، وهي النقطة الأهم في حياة الأمة، فإذا تدبرنا القرآن، نقلناه إلى حقول الممارسة، وميادين السلوك. 4 - ومن أهمية التدبر أنه سبب في تغيير حياة كثير من الناس، فقيمة القرآن الحقيقية في قدرته على التغيير، وهذا بلا شك يستدعي فهم معانيه، والتأثر بها، والعمل بمقتضاها، وفي مقدمة من غيَّر القرآنُ حياتَهم صحابةُ رسول الله، الذين كانوا يسمعون القرآن فيقولون: والله إنه ليس بقول البشر، وما هي إلا لحظات تفكر وتدبر قليلة، حتى يدخل ذلك الرجلُ في الإسلام دون تردُّد، وحينما كانوا يقرؤونه للتلاوة أو في صلاتهم، كانوا يقفون عند آياته وقوفًا طويلاً؛ لطلب الهداية علمًا وعملاً، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به؛ ولكن انظروا من يعمل به[43]. وإن أردت مثالاً لطريقة الصحابة في قراءة القرآن، فإليك هذا الأثرَ: عن أبي ذئب - رحمه الله - عن صالح قال: كنت جارًا لابن عباس - رضي الله عنهما - وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية، ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذاك طويل، ثم يقرأ، قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل، يفكر فيه[44]. ويقول عباد بن حمزة: دخلت على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ: ï´؟ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ï´¾ [الطور: 27]، فوقفتْ عندها تعيدها وتدعو، فطال عليَّ ذلك، فذهبتُ إلى السوق فقضيت حاجتي، وهي تعيدها وتدعو[45]. كيف نتدبر القرآن العظيم؟ روى الإمام مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))[46]. ما من شك في أن رفعة السلف الصالح كانت مصداقًا للشق الأول من هذا الحديث، وبسب التصاقهم بالقرآن الكريم فهمًا وتطبيقًا وحسن تدبر؛ رفعهم الله سبحانه. وما من شك في أن سبب المذلة التي نعانيها اليوم هو مصداق للشق الثاني من الحديث، حيث ابتعدنا عن القرآن الكريم فهمًا وتطبيقًا وتدبرًا، فتداعتْ علينا الأمم، أو قاربنا أن نصل إلى هذه الحال. لذا كان لزامًا علينا - إن كنَّا نريد لأمَّتنا أن تستعيد مجدها وشهودها الحضاري - أن نعيد تنظيم علاقتنا مع القرآن الكريم، وفق المنهج الذي ارتضاه الله لنا، وهذا المنهج يكمن في قوله تعالى: ï´؟ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24]. ويكمن أيضًا في علاقة الرسول الكريم مع القرآن، فقد كان - عليه السلام - قرآنًا يمشي على الأرض، والصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا لا يتعلَّمون الآية، حتى ينتهوا من الآية التي سبقتها فهمًا وتدبرًا، فانعكس ذلك على سلوكهم وحياتهم؛ فلذلك رفعهم الله به. وسار التابعون على ذلك، فارتقوا وارتفعوا، وجعلهم الله سادة للأمم، بعد أن كانوا رعاة للغنم، ثم خلف من بعدهم خَلْف، وجاءت أقوام جعلت العلاقةَ بينها وبين القرآن على غير الذي كانت عليه، وما زالت الهوة تتباعد، حتى وصل المسلمون إلى ما هم عليه الآن، وتنحَّت فكرة التدبر للقرآن جانبًا عند أكثر الناس لأسباب مختلفة، وتنحى بعدها الاهتمام بالدين شيئًا فشيئًا. وحتى نعيد علاقتنا مع القرآن الكريم؛ فلا بد من التدبُّر؛ لأنه هو المفتاح الذي يعني الاهتمام، والمسلم اليوم لا ينقصه شيء مثل ما ينقصه الاهتمام بدينه وقرآنه. وهنا يتأتى السؤال: ما الطريق التي توصلنا إلى التدبر؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن هناك بعض الأمور التي إن حققناها، تدبَّرنا القرآن تدبرًا حقيقيًّا، ومنها: ♦ الاهتمام بلغة القرآن: فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية؛ قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ï´¾ [يوسف: 2]، ï´؟ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ï´¾ [طه: 113]. فتلك أول خطوة في طريق تصحيح علاقتنا مع القرآن الكريم، فمَن يريد أن يتعامل مع القرآن، فلا بد أن يتفهم لغته، ويعتني بممارستها، ويتعرف على أساليبها، ويتذوق معانيَها، ويدرك مراميَها. ♦ الاهتمام بالصحيح من تفسير القرآن الكريم: ذلك أن النبي عليه السلام هو الناقل عن الله، وهو المبين للقرآن الكريم. ♦ الاهتمام بالتلاوة الصحيحة، والفهم الصحيح، والتطبيق السليم. ثمرات تدبر القرآن: إن لتدبُّرِ القرآن شأنًا عظيمًا، فهو مادة حياة القلب، وانشراح الصدر، وتجدد الإيمان؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ï´¾ [الإسراء: 9][47]. 1 - صلاح القلب: فتدبُّر القرآن شفاء من الشبهات والشهوات، وهو من أعظم وسائل الثبات، فبه تطمئن القلوب وتسكن، وبه تقر الأعين، وقد جمع ابن القيم رحمه الله ثمرات تدبر القرآن اليانعة، فقال: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العالمين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّر حتى إذا مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب[48]. 2 - صلاح العمل: فإن الجوارح للقلب تبع، فإذا خشع القلب للحق، وشفي من الأمراض والأسقام بتدبُّر القرآن، انساقتْ لأوامره الجوارحُ، وظهر ذلك صلاحًا في العمل؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلَحَتْ، صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))[49]. ويقول ابن القيم رحمه الله: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته - من تدبُّر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها... تثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه، وتُقعد أركانه، وتُريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العِبر، وتشهده عدل الله وفضله،... وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال، والغنى والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعادة وانشراحًا وبهجة وسرورًا، فيصير في شأن، والناس في شأن آخر. كما يقول رحمه الله أيضًا: فإذا حصل المؤثِّر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووُجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر - حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكر[50]. يتبع اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| المقاصد العامة والخاصة للأوقاف في الفرد والمجتمع | ابو الوليد المسلم | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 0 | 03-03-2026 05:01 PM |
| الدرس السابع عشر: آثار الذنوب على الفرد والمجتمع | ابو الوليد المسلم | قسم المناسبات الدينية | 0 | 01-30-2026 10:45 PM |
| اسم الله النصير (الآثار الإيمانية والتربوية و صور من نصرته لعباده) | امانى يسرى محمد | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 01-06-2026 10:21 PM |
| الآثار الإيمانية للصلاة | امانى يسرى محمد | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 1 | 12-13-2025 05:52 PM |
|
|