استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة > قسم الفرق والنحل
قسم الفرق والنحل القضايا الفكرية والعقائدية في الاسلام والرد على الشبهات.
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم اليوم, 02:48 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية

      

إِضَاءَاتٌ منهجِيَّة

من بعضِ مواقفِ الإمام مالك العَقَدِيَّة

محفوظ بن ضيف الله شيحاني

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ، ونستعينُه، ونستغفره، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله؛أمَّا بعد:
فلقد كان الإمام مالك بن أنس (رحمه الله) - وهو إمام دار الهجرة، وشيخ الإسلام، وفقيه الأمَّة، وأحد "العلماء الجهابذة النُّقاد الذين جعلهم الله عَلَمًا للإسلام، وقُدوةً في الدِّين"[1] -: صاحب عقيدة صَّحيحة وراسِخة، سَلفيَّة أثرِيَّة نَقيَّة، صافية من الشَّوائِب والبدع، بعيدة عن التَّأويل والتَّعطيل، والتَّشبِيه، والتَّعقيد والتعْجِيز، وعن عِلم الكلام والجدل، ومناهج أهلها.

وهي العقيدة الصَّحيحة المباركة التي كان عليها سَلف الأمَّة الصَّالح من الصَّحابة الكرام الأبرار، ومن تبعهم بإحسَانٍ من التَّابعين وتابعيهم الأخيار، ومن سلك سبيلهم من أئمَّة السُّنة والحديث، ورواة الأخبار والآثار.

وكان (رحمه الله)على طريقتِهم وأصولهم في كلِّ مسائِل وقضايا الاعتقاد جملةً وتفصيلًا؛ ومذهب السَّلف ومنهجهم في المعتقد معروف، وخاصةً في باب الأسماءِ والصِّفات، إنَّهم يصفون الله تعالى بما وصفَ به نفسه، وبما وصفه به رسوله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل؛ فيُثبِتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصِّفات، وينزِّهونه عمَّا نزَّه عنه نفسه من مُماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل؛ كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

ولهذا الإمام العَلَم، والحَبرِ الهُمَام، والقُدوَة الحسَنة، مواقف عَقدِّية كثيرة، قوية وحكِيمة، وأجوبة لمسائِلها سَديدِة ومَرضِيَّة، تدلُّ على علمه، وحكمته، وفقهه (رحمه الله)، وتعدُّ بحقٍّ نموذجًا يُحتَذى به، ومنارًا يُهتدى به، ومسلكً عِلمِيًّا متينًا وقويمًا يُقتدى به، ومنهجًا سليمًا مستقيمًا، لكلِّ من يُريد معرفة المنهج الحقِّ، والمعتقد الصَّحيح السَّليم، بعيدًا عن تحريفات المحرّفين، وتأويلات الجاهلين، وانتحال المبطلين.

وقد حاولتُ في هذه المباحث المختصَرة أن أذكُرَ بعضًا من تلك المواقف الطَّيبة، والنُّصُوص والنُّقول المهمَّة الدَّالة عليها، والمرويَّة عن هذا الإمام الجليل، بشرط صحَّة نسبتها إليه، وثبوتها عنه، مع التعليق عليها بما يتناسب معها من فوائد علميَّة، ولم أتوسع في ذلك، ولا في تخريج ودراسة الأسانيد، مراعاة لجانب الاختصار وعدم التطويل، وتيسيرًا على القرَّاء الكرام،والله من وراء القصد، وهو يهدي السَّبيل.

المبحث الأول: نماذجمن مواقف الإمام العقديَّة والمنهجية:
في باب الأسماء والصِّفات:
النموذج الأوّل: موقفه الحكيم والمنهجي (رحمه الله) لما سأله رجلٌ عن صِفة الاستواء، في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، كيف استوى؟ فقال له: »الاستِواءُ مَعْلُومٌ، والكيْفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أرَاك إلَّا رَجُل سَوْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ به فَأُخْرِجَ«[2].

قلت: وهذا القول المسَّدَّد، والجواب الموفَّق من الإمام مالك، أجمع عليه أهل السُّنة أوُّلهم عن آخرهم، واتَّخذوه إمامًا وقُدوَةً؛ وأصبح قاعدة أساسيَّة، وثابتة، ومنهجيَّة عند أهل السُّنة والجماعة عبرَ العُصور، تجرى عليها سائِر الصِّفات الإلهيَّة الواردة في الكتاب الكريم، وصحيح السُّنة النَّبوية المطهرة؛قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله)في كتابه: "شرح حديث النُّزول"[3]: "وقول مالكٍ من أنبلِ جوابٍ وقع في هذه المسألة وأشدِّه استيعابًا؛ لأنَّه فيه نبذ التَّكييفِ وإثبات الاستواء المعقُول، وقد ائتمَّ أهلُ العِلْم بقوله واستَجودُوهُ واستَحسنُوه"؛ اهـ.

وقال أيضًا: "وهذَا الجوابُ من مَالِكٍ (رحمه الله) في الاسْتِوَاءِ شَافٍ كَافٍ في جميعِ الصِّفات، مثلَ النُّزُول، والمَجِيءِ، واليدِ، والوجهِ، وغيرها"[4].

وقال أيضًا في رسالة "الإكليل في المتشابه والتأويل"[5]: "وقد تلقَّى النَّاسُ هذا الكلام بالقبُول، فليسَ في أهل السُّنة من يُنكره، وقد بَيَّنَ أَنَّ الاستوَاءَ معلُومٌ كما أنَّ سائر ما أخبرَ به مَعْلُوم، ولكنَّ الكَيْفِيَّةَ لا تُعلم ولا يجوزُ السُّؤالُ عنها، لا يُقالُ كيف اسْتَوَى، ولَم يقُل مالكٌ الكَيْفُ معدُوم، وإنَّما قال الكيفُ مَجْهُولٌ".

قلت: وقول الإمام مالك "والكيفُ مجهُولٌ"، ليس المراد منه نفيُ الكيفِيَّة مطلقًا؛ لأنَّ هذا تعطيل مَحْض، ولأنَّ كلَّ شيءٍ لا بُدَّ أن يكون على كيفيَّة ما، ولكنَّ المراد منه عند السَّلف - أهل السُّنة والجماعة - أنهم يَنفُون عِلمهم بالكيفيَّة، مع إثباتهم لحقيقة الصِّفات وعلم معانيها - على وجهٍ يليق بجلال الله وعظمته - فإنَّهم (رحمهم الله) لم يكونوا يُفوِّضون في علم المعنى، ولا كانوا يقرؤون كلامًا لا يفهمون معناه، بل كانوا يفهمون معاني الصِّفات الواردةِ في الكتاب والسُّنة، ويثْبِتونها لله(عزَّ وجَلَّ)، ثم يُفوِّضون فيما وراء ذلك من كُنْهِ الصِّفات وكيفيَّاتها، ويردُّون علمها إلى قائلها، ومعناها إلى المتكلِّم بها، ولا يخُوضون في شأنها؛ لأنَّها مما استأثَر الله تعالى بعلمه؛ إذ لا يعلمُ كيفيَّة ذات الله وصفاته إلاَّ هو سبحانه وتعالى.

قال الإمام الذَّهبي في كتابه العظيم: "العلو للعلي الغفَّار"[6] - بعد نقله لكلام السَّلف في هذا الباب -: "وهو قول أهل السُّنة قاطبة: أنَّ كيفيَّة الاستواء لا نعقِلها بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلومٌ، كما أخبر في كتابه، وأنَّه كما يليقُ به، لا نتعمَّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك، نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكتُ ونقِف كما وقف السَّلف، ونعلم أنَّه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصَّحابة والتَّابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره، والسُّكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أنَّ الله (جلَّ جلاله) لا مثلَ له في صِفاته، ولا في استوائه، ولا في نُزوله، سُبحانه وتعالى عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا"؛ ا. هـ.

وقال الإمام ابن القيِّم (رحمه الله): "وهذا الجوابُ من مالك (رضي اللَّه عَنْه) شافٍ، عامٌّ في جميع مسائل الصٍّفات، فمن سألَ عن قوله: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه، الآية: 46]، كيف يسمعُ ويرى؟ أُجيبَ بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السَّمع والبصر معلومٌ، والكيف غير معقول، وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنُّزول، والغضب، والرضا، والرَّحمة، والضَّحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيَّتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّلُ الكيفيَّة فرع العلم بكيفية الذَّات وكُنهِها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصِّفات؟!

والعِصْمة النَّافعة في هذا الباب: أن يُوصف الله بما وصف به نفسَه، وبما وصفه به رسوله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيلٍ، بل تثبِتُ له الأسماء والصِّفات، وتنفِي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتُك مُنزَّهًا عن التشبيه، ونفيُك منزَّهًا عن التَّعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطِّل، ومن شبَّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّلٌ، ومن قال: استواءٌ ليس كمثله شيءٌ، فهو الموحِّد المنزِّه.

وهكذا الكلام في السَّمع، والبصر، والحياة، والإرادة، والقدرة، واليد، والوجه، والرِّضا، والغضب، والنُّزول، والضَّحك، وسائر ما وصف الله به نفسه"[7].

قلت: وقول الإمام مالك (رحمه الله): "والسُّؤال عنه بِدْعَة"؛ أي: "السُّؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنَّ من هم أحرص منَّا على العلم ما سألوا عنها، وهم الصَّحابة لَما قال الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، عرَفوا عظمة الله (عزَّ وجَلَّ)، ومعنى الاستواء على العرش، وأنَّه لا يمكن أن تسأل: كيف استوى؟ لأنَّك لن تدرك ذلك، فنحن إذا سُئلنا، فنقول: هذا السُّؤال بدعة.

وكلام مالك (رحمه الله) ميزان لجميع الصِّفات؛ فإن قيل لك مثلًا: إنَّ الله ينزل إلى السَّماء الدُّنيا؛ كيف ينزل؟ فالنزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بدعة، والذين يسألون: كيف يمكن النزول، وثلث الليل يتنقل؟!

فنقول: السُّؤال هذا بدعة، كيف تسأل عن شيءٍ ما سأل عنه الصَّحابة، وهم أحرصُ منك على الخير، وعلى العلم بما يجب لله (عزَّ وجَلَّ)، ولسنا بأعلم من الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فهو لم يعلِّمهم، فسؤالك هذا بدعة، ولولا أننا نحسن الظنَّ بك، لقُلنا ما يليق بك بأنك رجلٌ مبتدع.

والإمام مالك (رحمه الله) قال: (ما أراك إلا مبتدعًا)، ثم أمرَ به فأُخرج؛ لأن السَّلف يكرهون أهل البدع، وكلامهم، واعتراضاتهم، وتقديراتهم، ومجادلاتهم"[8].

[1]ما بين الهلالين من "مقدمة الجرح والتعديل" (ص/ 10)؛ للإمام ابن أبي حاتم الرازي؛ طبع دار إحياء التراث العربي/ بيروت؛ الطبعة الأولى: 1271 هـ/ 1952 م.

[2]أثر صحيح الإسناد: أخرجه الإمام اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة" (3/ 398)، والدَّارمي في "الردّ على الجهمية" (104)، والصَّابوني في "عقيدة السَّلف" (24)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 325)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص/ 116)، وفي "الأسماء والصفات" (2/ 204) وغيرهم، بألفاظ مُتقاربة المعنى.
ولهذا الأثر طُرق مُتعدِّدة يصحّ بها، ولأجل ذلك جوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/ 406-407)، وصحَّحَه الألباني في "مختصر العلو" (رقم:132)، واحتجَّ به شيخ الإسلام ابن تيمية مرارًا في كتبه، وكذلك تلميذه الإمام ابن القيم؛ واحتج به أيضًا كثير من علماء السُّنة في مصنفاتهم.
وقال الإمام الذَّهبي في كتابه: "العلوّ" (رقم:344): هذا ثابتٌ عن مالك، وتقدَّم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السُّنة قاطبة".

[3]ضمن: "مجموع الفتاوى": (5/ 520)؛ وله طبعات أخرى مُستقلة ومحقَّقة.

[4]ضمن: "مجموع الفتاوى": (4/ 4).

[5]ضمن: "مجموع الفتاوى -أيضًا-": (13/ 309).

[6] (ص/ 139، رقم: 378)، طبع مكتبة أضواء السَّلف، الرياض؛ الطبعة الأولى سنة 1995م.

[7]"مدارج السَّالكين" له (2/ 85)، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة: 1996م.
وانظر للمزيد من البيان في هذه المسألة المهمَّة الجليلة، المصادر والمراجع التالية: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (1/ 153) لابن القيِّم، و"شرح قصيدة ابن القيّم (الكافية الشافية) (1/ 455)، و"ذم التأويل" (1/ 11) لابن قدامة المقدسي، و"مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام (4/ 2)(5/ 39، 41)، و"معارج القبول" (1/ 202/ فما بعد)، و"قطف الثَّمر" (ص/ 53) للصديق حسَن خان، و"شرح العقيدة الواسطيَّة" (68، 71) للهرَّاس، و"المنهج السَّلفي عند الشيخ الألباني" (ص/ 118)، و"القواعد المثلى" (33/ فما بعد) للعلامة ابن عثيمين، و"فتح ربِّ البريَّة" (ص/ 64) له أيضًا، وغيرها.

[8]ما بين الهلالين من كلام العلامة ابن عثيمين في: "شرح العقيدة الواسطية" (1/ 100)، طبع دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: السَّادسة، 1421 هـ.

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* صاحب المقام المحمود
* محمد صلى الله عليه وسلم رائد العمل الخيري والإنساني
* من أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم
* كتب عجائب المخلوقات والبلدان في المكتبة التراثية
* أبو موسى وعمه أبو عامر الأشعريان وقصة عجيبة دروس وعِبرٌ
* التغلغل التجاري البرتغالي في غرب إفريقيا خلال القرنين التاسع والعاشر

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم اليوم, 02:50 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

إِضَاءَاتٌ منهجِيَّة

من بعضِ مواقفِ الإمام مالك العَقَدِيَّة (2)

محفوظ بن ضيف الله شيحاني

نماذج من مواقف الإمام مالك العقديَّة والمنهجية
تابع باب الأسماء والصفات
النموذج الثاني:
موقف الإمام التَّأصِيلي والمنهجي أيضًا، وفي نفس الباب؛ حيث إنَّه سُئِل (رحمه الله) عن الأحاديث الواردة في الصفات، فقال: "أمِرُّوها كما جاءَت بلا كَيْف".

فعن الوليد بن مُسْلِم، قال: سألتُ الأوزاعيَّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثَّوري، واللَّيثَ بن سعد - عن هذه الأحاديث التي فيها الصفات، فقالوا: " أمِرُّوهَا كما جاءَت، بلاَ كَيْف"[1].

قلت: فقد قرَّرَ الإمام مالك ومن ذُكِرَ معه من الأئمَّة (رحمهم الله جميعًا) في هذا الجواب العظيم والسَّديد - المنهج العام والقاعدة الأساسيَّة لعلماء السَّلف الصَّالح الكِرام في فَهْم والتَّعامل مع جميع آيات الصفات، وأحاديثها، والمتمثل فيما يلي:
أ- قولهم: (أمِرُّوها كما جاءَت) المراد به: الإمرار والإثبات؛ أي: إثبات علم المعنى اللُّغوي للصفات؛ لأنَّ معناها معلوم من لسان العربِ ولُغتها، و"لأنَّ لغة العرب أفصحُ اللُّغات وأبينُها وأوسعها، وأكثرها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنُّفوس" [2]؛ فمقصود السَّلف بهذا القول هو: إثبات حقيقة معاني ألفاظ الصفات، والإيمان بها؛كالاستواء، والنزول، والعُلو، وغيره، ويؤمنون بذلك على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، وليس المقصود أنهم يؤمنون باللَّفظ من غير فهمٍ لحقيقة معناه.

ب- قولهم: (بلا كَيْف)؛ أي: التَّفويض في علم الكيفيَّات، وعدم الخوض فيه؛ لأنَّ كيفية الصفات الإلهية مجهولة للعباد، ولأنَّ العقول لا يمكن لها أن تدرك كيفية صفات الباري (جلَّ جلاله)، وقد نصَّ الله (عزَّ وجَلَّ) على ذلك في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]، وهذا التفويض يدلُّ على وجود أصل المعنى؛ لأنَّ نفي الكيفيَّة عن شيءٍ لا يُوجَد، لغوٌ وعبَث؛ كما يقول علماء التَّوحيد.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في كتابه "الفتوى الحمويَّة الكبرى"[3]:
"فقولُهُم: أَمِرُّوها كما جَاءَتْ يقتَضي إبقاءَ دلالَتِها على ما هي عليه، فإنَّها جاءت ألفاظٌ دالَّةٌ على معانٍ، فلو كانت دلالتها مُنْتَفِيَةً لكان الواجب أن يُقال: أَمِرُّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مُراد، أو أَمِرُّوا لفظها مع اعتقادِ أنَّ اللَّه لا يُوصفُ بما دلَّت عليه حقيقةً، وحينئذٍ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جَاءَتْ، ولا يُقال حينئذ بلا كيف؛ إذ نفيُ الكيف عمَّا ليس بثابت لَغوٌ من القَول".

وقال أيضًا (رحمه الله): "ولهذا لماَّ سُئل مالك وغيره من السَّلف عن قوله تعالى:،﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، قالوا: الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعة، وكذلك قال ربيعةُ شيخ مالكٍ قبله: "الاستِوَاءُ مَعلُومٌ، والكَيْفُ مَجهُولٌ، وَمِن الله البَيَانُ، وعلَى الرسُولِ البَلَاغُ، وعَلَيْنَا الإِيمَانُ"[4].

فبيَّن أنَّ الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية ذلك مجهول، ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السَّلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفيَّة صفات الله، وأنَّه لا يعلم كيف الله إلاَّ الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النَّبي (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ[5]"، وهذا في "صحيح مسلم"، وغيره"؛ ا.هـ[6].

[1] أثر صحيح الإسناد: أخرجه أبو بكر الخلال في "السُّنة" (رقم: 313)، والدارقطني في "الصفات" (رقم:67)، وابن منده في "التوحيد" (رقم:894)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنة" (رقم:735)، والصابوني في "عقيدة السلف" (رقم:90)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (2/ 377)، وفي "الاعتقاد" (ص/ 118)، وفي "سننه" (3/ 2)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 149، 158)، وأورده الإمام الذهبي في "العلو" (رقم:345، و384)، بسنده من طريق الدارقطني، وأورده أيضًا في "سير أعلام النبلاء" (8/ 105)، وفي "الأربعين في صفات ربِّ العالمين" (رقم:82)، وقال قبله: "صحَّ عن الوليد بن مسلم"، وقال العلامة الألباني في مختصر العلو (رقم: 134): إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.

[2] ما بين هلالين من كلام الإمام ابن كثير الدمشقي في "تفسير القرآن العظيم"، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ - 1999م.

[3] ضمن: "مجموع الفتاوى": (5/ 41-42)، وفي طبعة مستقلة لدار الصميعي (ص/ 307)، بتحقيق د. حمد التويجري، الرياض، الطبعة الثانية 1425هـ - 2004م.

[4] أثر صحيح الإسناد: أخرجه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنة" (3/ 398)، والبيهقي في "الأسماء والصِّفات" (2/ 306)، والذَّهبي في "العلو" (رقم/ 322)، وغيرهم من طرق عدَّة عن سفيان بن عيينة، عن ربيعة الرَّأي به، بألفاظ مُتقاربة، وصحَّحه الذَّهبي، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحمويَّة الكبرى" (ص/ 304): "رواه الخلال بإسناد كلهم ثقات"، وقال في "مجموع الفتاوى": (5/ 365): "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالكووافقه ابن القيِّم في "الصَّواعق المرسلة" (4/ 1304)، وصحَّحه الألباني في "مختصر العلو" (رقم/ 111).

[5] حديث صحيح: أخرجه مسلم (486)، والترمذي (3493)، وأبو داود (879)، وغيرهم عن عائِشة (رضي اللَّه عنها).

[6] ضمن: "مجموع الفتاوى": (4/ 4).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* صاحب المقام المحمود
* محمد صلى الله عليه وسلم رائد العمل الخيري والإنساني
* من أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم
* كتب عجائب المخلوقات والبلدان في المكتبة التراثية
* أبو موسى وعمه أبو عامر الأشعريان وقصة عجيبة دروس وعِبرٌ
* التغلغل التجاري البرتغالي في غرب إفريقيا خلال القرنين التاسع والعاشر

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم اليوم, 02:52 PM   #3

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

إِضَاءَاتٌ منهجِيَّة

من بعضِ مواقفِ الإمام مالك العَقَدِيَّة (3)

نماذج من مواقف الإمام مالك العقديَّة والمنهجية

تابع باب توحيد الأسماء والصِّفات

محفوظ بن ضيف الله شيحاني
النموذج الثَّالث:
ومن مواقفه الحكيمة- أيضًا- (رحمه الله):موقفهالصَّريح والواضحمن صفة العُلوِّ والفوقيَّة لله تعالى؛ فإنَّه قد سُئِل عن ذلك، فقال: "إنَّ الله في السَّماءِ، وعِلْمُه في كلِّ مكانٍ، لا يخلو منه شيءٌ".

فعن عَبْداللَّهِ بن نَافِعٍ [الصائغ المدني]، قال: قال مالك بن أنس: "اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لا يَخْلُو مِنْهُ شَيءٌ"[1].

قلت: وهذا الجواب المحرَّر والموفَّق الذي قرَّر فيه الإمام مالك وصرَّح بإثبات صفة العُلُوِّ لله تعالى على خلقِه، وإثبات صفة مَعيَّة العِلم أيضًا؛ أجمعَ على مضمُونِه أهل العلم من أئمَّة السُّنة والحديث، ولم يخالف فيه أحد منهم.

فأئمَّةُ السَّلف الصَّالح- أهل السُّنَّة والجماعة- يعتقدونَ جميعًا أنَّ الله تعالى فوقَ جميع مخلوقاتِه، مُستوٍ على عرشِه، في سمائِه، عَالٍ على خَلْقِه، بائنٌ[2] منهم، يعلمُ أعمالَهم، ويسمعُ أقوالَهم، ويرى حركاتِهم وسكناتهم، فهو سبحانه وتعالى معهم بعلمِه في كلِّ مكان، لا يخلو مكان عن علمه، فهو مُطَّلِعٌ على العباد، لا تَخفَى عليه خافيةٌ منهم، قد أحاط علمه بكل شيءٍ.

وهذه الصِّفة العظيمة (صفة العلوِّ على الخَلْق) صفةٌ ذاتيَّةٌ ثابتةٌ لله (عزَّ وجلَّ) بالقرآن الكريم، والسُّنَّةِ المتواترةِ، والإجماع؛ ودلَّ عليها أيضًا العقل والفِطْرة.

ومِن أسمائِه الحسنى الثَّابتة- سبحانه-: (العَلِيُّ) و(الأَعْلى) و(المُتعالي)؛ قال أئمة اللُّغة: المتعالي هو المتفاعِلُ من العُلُوِّ، واللهُ تعالى عالٍ ومُتَعالٍ وعَلِيّ.

قال الإمام الذَّهبي في مقدِّمة كتابه النَّفيس "العَرْش": "الدَّليلُ على أنَّ الله تعالى فوقَ العرش، فوق المخلوقات، مُبايِنٌ لها، ليس بداخِلٍ في شيءٍ منها، على أنَّ عِلْمَه في كلِّ مكانٍ: الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الصَّحابة، والتَّابعين، والأئمَّةِ المهْدِيِّين ..."[3] ، ثم شرَع في تفصيل ذلك.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله): "قال مالك بن أنسٍ الإمام فيما رواه عنه عبداللَّه بن نافع، وهو مشهورٌ عنه: "إنَّ اللَّه في السَّماء؛ وعلْمُهُ في كُلِّ مكانٍ لا يخْلُو من عِلمِه مكانٌ"؛ وقال الإمام أحمد بنُ حنْبَل[4] مثلَ ما قال مالكٌ وما قاله ابن المبارك[5]؛ والآثار عن النَّبِيِّ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأَصحابه وسائِر علماء الأمَّة بذلك مُتواتِرةٌ عند مَنْ تَتَبَّعَها؟ وقد جمع العُلماء فيها مصنَّفاتٍ صغارًا وكبارًا؛ ومَنْ تَتَبَّع الآثار عَلِم أيضًا قطعًا أنَّه لا يُمْكِنُ أَن يُنقل عن أحدٍ منهم حرفٌ واحدٌ يُناقضُ ذلك؛ بل كلُّهم مُجمِعون على كلمةٍ واحدةٍ، وعقيدةٍ واحدة، يُصدِّقُ بعضُهم بعضًا"[6].

وقال أيضًا: "وصفَ اللهُ نفسَه في كتابه وعلى لسان رَسُوله (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بالعُلُوِّ والاستواءِ على العرشِ والفَوقِيَّة في كتابه في آيات كثيرة"، حتَّى قال بعض أكابر أصحاب الشَّافعي: "في القرآن ألفُ دليلٍ أو أزيد تدلُّ على أنَّ الله عَالٍ على الخَلْق، وأنَّه فوق عباده"، وقال غيره: "فيه ثلاثمائة دليلٍ تدُلُّ على ذلك"[7]؛ اهـ.

والعُلُوُّ عند أئمَّة السَّلف- أهل السُّنة والجماعة- على ثلاثة أقسامٍ:
1- عُلُوُّ شأنٍ وقَدْر؛ (أي معناه: أنَّ الله تعالى له أعلى صفات الكمال، فهو منزه عن كلِّ نقصٍ، ولا يماثله أحد في قدره وعظمته).

2- عُلُوُّ قَهْرٍ؛ (ومعناه: أنَّ الله تعالى قهرَ جميع المخلوقات، فلا يخرج أحد من خلقه عن سلطانه وقهره، كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: 18]).

3- عُلُوُّ فَوْقِيَّةٍ؛ (وهو: عُلُوُّ الله تعالى بذاتهِ فوقَ جميع المخلوقات؛ فهو سبحانه العليُّ الأعلى فوقَ كلِّ شيء).

وكذلك صفة المعيَّة لله تعالى عندهم- وقد قرَّرها الإمام مالك (رحمه الله) أيضًا في جوابه السَّابق وسارَ فيها على هدي وسَنَنِ السَّلف الصَّالح- على نوعين:
1- معيَّة عامَّة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهي إحاطة علمٍ وسمعٍ وبصرٍ واطِّلاع؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: 4].

2- معيَّة خاصَّة تقتضي التَّوفيقَ والإلهام، والنُّصرة، والتَّأييد، والعَون لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ[النحل: 128].

وإثبات هذه الصِّفة (صفة المعِيَّة) لا يَنْفِي عُلوَّ الله على خلقه واستواءه على عرشِه، بل هو سبحانه في عُلوِّه قريبٌ من عباده، ومعهم في آنٍ واحدٍ بعلمهِ المحيط؛ والآثار والأقوال المرويَّة عن سلف الأمَّة من الصَّحابة ومن بعدهم في الجمعِ بين صِفتي العُلوِّ والمعيَّة كثيرة.

قال الإمام أبو نصْرٍ السجزي في كتاب "الإبانة" الذي ألَّفه في السُّنة: "وأئمَّتُنَا؛ كالثَّوريِّ، ومالكٍ، وابن عُيَيْنَة، وحَمَّاد بن سَلَمة، وحمَّاد بن زيدٍ، وابن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد، وإسحاق: مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللَّه فوق العَرشِ بِذاتِه، وأنَّ عِلْمَهُ بكُلِّ مكانٍ..."[8].

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "سلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها: أئمَّةُ العِلم والدِّين من شيوخ العِلم والعبادةِ فإنَّهُم أثبَتُوا وآمنُوا بجميع ما جاء به الكتابُ والسُّنَّةُ كُلُّهُ من غير تحريفٍ للْكَلِمِ أثبَتوا أنَّ اللَّه تعالى فوْقَ سَمَوَاتِهِ، وأنَّه على عَرْشِهِ بَائِنٌ من خَلْقِهِ وهُم مِنْهُ بَائِنُونَ، وهو أيضًا مع العباد عُمُومًا بِعِلْمِهِ ومع أنبِيائه وأولِيائِه بالنَّصْرِ والتَّأييد والكِفاية وهو أيضًا قرِيبٌ مُجِيبٌ"[9].

وقد حُكيَ القول السَّابق للإمام مالك (رحمه الله) ونُقِلَ أيضًا عن بعض أصحابه المتَّقدمين، وعن بعض أئمَّة المالكية الكِبار من بعدهم، ومن بين هؤلاء الأعلام:
1- الفقيه أصبغ بن الفرج بن سعيد، وهو من أجلِّ أصحاب مالكٍ وأفقَهِهم، ومن كبار المالكية بمصر، حيث قال: "وهو مستوٍ على عرشه، وبكلِّ مكان علمُه وإحاطَته"[10].

2- الإمام ابن أبي زَيدٍ القيرواني شيخ المالكية في زمانه، وكان يلقَّب بمالكٍ الصغير، قال (رحمه الله) في خُطْبَة رسالته المشهورة والمعتمدة في الفقه المالكي: "وأنَّه فوقَ عرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مكانٍ بعِلمِه"[11].

وقال أيضًا في كتابه: "الجامع في السُّنن والآداب": "وأنَّه فوقَ سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كلِّ مكانٍ بعلمه"- ثم ذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال-: "وكلّ ما قدَّمنا ذكره فهو قول أهل السُّنة، وأئمَّة النَّاس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قول مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله، ومنه معلوم من مذهبه"[12].

3- الإمام أبو عمر الطَّلمَنكيّ الأندلسي المالكي، قال (رحمه الله): "أجمع أهل السُّنة على أنَّ الله تعالى استوى على العرشِ على حقيقته، لا على المجاز- ثم ساق بسنده عن مالك قوله-: "اللهُ في السَّماء وعِلْمُه في كلِّ مكان"- ثم قال-: وأجمع المسلمونَ من أهل السُّنة على أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: 4]، ونحو ذلك من القرآن: أنَّ ذلك عِلْمُه، وأنَّ الله فوق السَّماوات بذاتِه مُسْتَوٍ على عرشه كيفَ شاء"[13].

4- الإمام الحافظ المتقن أبو عمرو بن عبدالبرِّ القرطبي المالكي، فقد قال بعد روايته ذلك عن مالك، ورواية أثره الآخر الشَّهير: "الاستواء معلوم"، قال عن نُفَاةِ العلوِّ، للعليِّ سبحانه: "وأمَّا احْتِجَاجُهم بقوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[المجادلة: 7]، فلا حُجَّةَ لهم في ظاهرِ هذه الآية؛ لأنَّ علماءَ الصَّحابة والتَّابعين الَّذين حملْت عنهم التَّأْويلَ في القُرآن قالوا في تأْويلِ هذه الآية: هو على العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مكَانٍ، وما خالفَهُم في ذلك أَحَدٌ يُحْتَجُّ بقوله"[14].

وقال أيضًا: "جماعةُ أهلِ السُّنَّة، وهم أهلُ الحديثِ ورُواتُه المتفَقِّهون فيه، وسائِرُ نقَلَتِه كُلُّهم يقول ما قال الله تعالى في كتابِه:﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، وأنَّ الله (عزَّ وجَلَّ) في السَّماءِ، وعِلْمُه في كُلِّ مكانٍ، وهو ظاهِرُ القُرآنِ في قولِه (عزَّ وجَلَّ): ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك: 16]، وبقوله (عزَّ وجَلَّ): ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، وقوله: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ[المعارج: 4]، ومِثلُ هذا كثيرٌ في القُرآن"[15].

5- الإمام الحافظ علي بن القطَّان الفاسيّ، وهو من كبار أعلام المذهب المالكي في المغرب والأندلس؛ قال في إثبات العلوِّ والفوقيَّة في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع": "وأجمعوا أنَّه تعالى فوقَ سمواته"[16].

6- الإمام القدوة ابن أبي زَمَنِين، محمد بن عبدالله المالكي القرطبي، قال في كتابه "أصول السُّنة": ومِن قولِ أهل السُّنة: أنَّ الله (عزَّ وجَلَّ) خَلَق العَرْش واخْتَصَّهُ بالعُلُوِّ والارْتِفَاع فوقَ جميع ما خَلَقَ، ثمَّ اسْتَوَى عليه كَيْفَ شاء، كما أخبر عن نَفْسهِ في قولهِ: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]"[17].

7- العلَّامة أبو بكر محمَّدُ بن موهب المالكي في شرحهِ لرسالةِ الإمام محمَّد بن أبي زيد القيرواني، قال (رحمه الله): "فلذلك قال الشَّيخ أبو محمَّد: (إنَّهُ فَوْقَ عَرْشِه) ثمَّ بيَّن أنَّ عُلُوَّهُ فوق عرشهِ إنَّما هو بذاته؛ لأنَّه تعالى بائنٌ عن جميع خلقه بلا كيفٍ، وهو في كُلِّ مكانٍ بعِلْمِهِ لا بذَاتِه..."[18].

ومجمل الكلام: أنَّ المتقدِّمين من عُلَماء المالكيَّة الكرام كانوا على قول الإمام مالك بن أنس (رحمه الله) في هذا الأصل العظيم، والمعتقد الصَّحيح السَّليم، في تقرير وإثبات صفة العُلُوِّ لله تعالى على خَلْقِه، وصفة مَعيَّة العِلْم، وهذا بخلاف أكثر المتأخِّرين منهم، الذين قالوا بالتَّأويل الصَّارف لنصوص الصِّفات عن ظاهرها، ومنعوا إثبات ذلك، وخالفوا قول إمامِهم، الذي كان على العقيدة الصَّحيحة، عقيدة السَّلف الصَّالح من الصَّحابة، والتَّابِعين لهم بإحسان، المستمدَّة من صحيحِ السُّنَّة والقرآن، فالله المستعان...

[1] أثر صحيح الإسناد: أخرجه أبو داود في "مسائل الإمام أحمد" (ص/ 263)، وعبدالله بن أحمد في "السُّنة" (1/ 107، رقم: 11)، ومن طريقه ابن منده في "التوحيد" (3/ 307)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة" (3/ 313)، والآجري في "الشريعة" (289)، وابن بطة العكبري في "الإبانة" (رقم: 110)، وابن عبدالبر في "التمهيد" (7/ 138)، وغيرهم بألفاظ مُتقاربة المعنى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "ردء تعارض العقل والنقل" (6/ 262): "وروى هذا الكلام عن مالك مكيٌّ خطيب قُرطبة، فيما جمعه من تفسير مالك نفسه، وكلُّ هذه الأسانيد صحيحة".
وقال الإمام الذَّهبي في كتابه: "العرش" (رقم: 155): "هذا حديث ثابت عن مالك رحمه الله، أخرجه عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" عن أبيه، عن سريج بن النعمان، عن عبدالله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه"؛ وأورده أيضًا في كتابه "العلو" (رقم: 343)، وفي "الأربعين في صفات ربِّ العالمين" (رقم: 39) و(رقم: 45)، وفي "سير أعلام النبلاء" (8/ 101).
وقال عنه العلامة الألباني في "مختصر العلو" (رقم: 130): "سنده صحيح، واحتجَّ به الإمام أحمد في رواية للآجري".
قلت: وهذا الأثر صحَّحه أيضًا، وحسَّنه جمع من أهل العلم من أهل السُّنة والجماعة، وتلقَّوه بالقبول، ولم ينكره أحد منهم، وهو معتمدٌ عندهم، ومتداولٌ في تصانيفهم وتقريراتهم في العقيدة.
وأمَّا من ضعَّف هذا الأثر من المعاصرين؛ وزعم أن راويه عبدالله بن نافع الصائغ ضعيف الحديث؛ فهذا زعم باطل، ورأي عاطل: فعبدالله بن نافع خلاصة كلام أهل العلم فيه أنه ثقة وعدل في نفسه، لكنه ربما يهم إذا حَدَّث من حفظه، وقد صحب الإمام مالكًا ولازمه سنوات طويلة لزومًا شديدًا، حتى اطَّلع على تفاصيل عقيدته وآرائه الفقهية، ولم يأتِ بما يخالف المشهور من عقيدة الإمام مالك وأئمَّة السَّلف الأعلام في علوِّ الله تعالى على خلقه.

[2] (تنبيهٌ مُهِم): قولهم: (بائنٌ منهم)؛ أي: مُنفصلٌ عن خلقه، غير متصَّلٍ ولا مُختلِط بهم، فليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؛ كما هو اعتقاد أئمة السَّلف أهل السُّنة والحديث، فلا حُلولَ ولا مُمَازجة ولا اتِّحاد.
قلت: وهذه اللَّفظة "بائن" لم تَرِد لا في الكتاب ولا في السُّنة، ولم تكُن معروفة على عهد الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم؛ ولكن لمَّا ابتدع الجهم بن صَفوان وأتباعه من الجهميَّة القول بأنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاته، وأنكروا مُبايَنَة الله تعالى وعلَّوه على خلقه، اقتضت ضرورة البيان أن يتلفَّظ أئمَّة السَّلف الأعلام بلفظة (بائن) للإيضاحِ والتَّفسير، ودون أن يُنكره أحد منهم؛ بل ووقع على ذلك القول الإجماع والاتِّفاق بين السَّلف قاطبة وفي جميع الأمصار والأقطار (حجازًا وعراقًا ومصر وشامًا ويمنًا)، كما نقل ذلك عنهم: الإمام أبو نُعيم الأصفهاني، والإمامان أبو زُرعة الرَّازي، وابن أبي حاتم وغيرهم كثير، كما بسَطَ ذلك الإمام الذَّهبي في كتابه: "العلو" (ص/ 188- فما بعد)، والإمام ابن القيِّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلِّة والجهميَّة" (ص/ 144-145).
وانظر أيضًا للتَّفصيل والاستزادة: مقدِّمة العلامة الألباني لكتاب: "مختصر العلُّو للذَّهبي" (ص/ 16-19)، وكتاب: "معجم المناهي اللفظية" (ص/ 615- فما بعد) للشيخ الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد، فقد استفاضَ في عرض هذا الموضوع ووفَّى الكلام حقَّه؛ وراجع: كذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام في: "مجموع الفتاوى" (5/ 279-282).

[3] (2/ 5) بتحقيق الدكتور محمد بن خليفة التميمي، طبع الجامعة الإسلامية، سنة: 1423، الطبعة الثانية.

[4] قيل لأبي عبدالله- الإمام أحمد- اللهُ فوق السَّماء السَّابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرته وعلمه بكلّ مكان؟ قال: "نعم هو على عرشهِ ولا يخلو شيءٌ من علمه"؛ رواه الخلال في "السُّنة"، كما ذكره الإمام ابن القيِّم في "اجتماع الجيوش" (ص/ 200)، والذَّهبي في "العلو" (رقم: 438)، وصحَّحه الألباني في "مختصر العلو" (ص/ 189، رقم: 226).

[5] قال الإمام عبدالله بن المبارك (رحمه الله): "نعرفُ ربَّنا سبحانه بأنَّه فوق سماواته على عرشه بائِنٌ من خَلْقِه"؛ أخرجه عبدالله بن أحمد في "السُّنة" (رقم: 22)، والدَّارمي في "الردِّ على الجهمية" (67)، بسندٍ صحَّحه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (5/ 184و390)، وابن القيِّم في "اجتماع الجيوش" (ص/ 71)، وقال في موضع آخر (ص/ 133): وقد صحَّ عنه صحة قريبة من التَّواتر؛ وصحَّحه أيضًا العلامة الألباني في "مختصر العلو" (رقم: 150).

[6] انظر كتابه: "مجموع الفتاوى" (33/ 180).

[7] انظر أيضًا: "مجموع الفتاوى" (5/ 226).

[8] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" (6/ 250)، وهو في "مجموع الفتاوى" (5/ 190)، والذَّهبي في "العلو" (ص/ 172)، وفي كتاب "العرش" (رقم: 270)، وابن القيِّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص/ 246)، وفي "مختصر الصواعق" (2/ 214).

[9] ضمن كتابه أيضًا: "مجموع الفتاوى" (5/ 231).

[10] نقله عنه الإمام ابن القيم في كتابه: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 142).

[11] "مقدِّمة الرِّسالة لابن أبي زيد القيرواني" (ص/ 56)، بتحقيق الشيخ بكر أبو زيد، الناشر: دار العاصمة.

[12] انظر: كتابه "الجامع في السُّنن والآداب والمغازي والتاريخ" (ص/ 108-111)، طبعة مؤسسة الرسالة، بتحقيق محمد أبو الأجفان وزميله، ط/ الثانية، سنة 1403 هـ.

[13] في كتابه: "الوصول إلى معرفة الأصول" كما نقله عنه الإمام ابن القيم في: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 142)، والذهبي في "العلو" (رقم: 526)، طبعة الأوقاف، بتحقيق الدكتور عبدالله بن صالح البرَّاك.

[14] في كتابه: "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (5/ 150) حقَّقه وعلَّق عليه: بشار عواد معروف، وآخرون، الناشر: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن.

[15] في: "الاستذكار" (7/ 337)، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت.

[16] "الإقناع في مسائل الإجماع" (رقم: 9)، تحقيق حسن الصعيدي. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.

[17] "أصول السُّنَّة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة"؛ (ص/ 88)، تحقيق وتخريج: عبدالله البخاري، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، 1415 هـ.

[18] أورده عنه الذَّهبي في "العلو" (ص/ 192)، وابن القيَّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص/ 156).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* صاحب المقام المحمود
* محمد صلى الله عليه وسلم رائد العمل الخيري والإنساني
* من أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم
* كتب عجائب المخلوقات والبلدان في المكتبة التراثية
* أبو موسى وعمه أبو عامر الأشعريان وقصة عجيبة دروس وعِبرٌ
* التغلغل التجاري البرتغالي في غرب إفريقيا خلال القرنين التاسع والعاشر

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
مالك, من, مواقف, منهجية, العقيدة, الإمام, بعض, إضاءات
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك ومفتي المدينة ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 0 05-20-2026 11:00 PM
مناسك الحج على مذهب الإمام مالك رحمه الله ابو الوليد المسلم قسم المناسبات الدينية 1 05-18-2026 05:25 PM
من فوائد الشيخ العلامة عبدالكريم الخضير في شرح موطأ الإمام مالك ابو الوليد المسلم ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 0 04-21-2026 11:22 PM
كلانا على خير: دروس من سيرة الإمام مالك والعمري الزاهد ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 1 04-09-2026 05:42 PM
شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 11-18-2017 04:13 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009