![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
الخلال النبوية (7) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل صبر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قبل الهجرة الحمد لله اللطيف الخبير، يُصيب أولياءه بالشدائد؛ ليبلو صبرَهم، ويستخرج ضراعتهم، ويرفع ذكرهم، ويُعلي في الجنة منازلَهم؛ نحمده على المنع والعطاء، والضراء والسراء، فهو - سبحانه - أعلمُ بما هو خير لنا، وأنصح لنا من أنفسنا، فالخيرُ بيديه، والشر ليس إليه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، يجزي على طاعته جزاءً غير منقوص، ويُعطي عطاء غير مجذوذ، وهو الجواد الكريم، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسلَه الله - تعالى - بالهُدى ودين الحق، فبلَّغ رسالاتِ ربه، ونصح لأمته، وصبر على أذى قومه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه، واستقيموا على دينكم، واصبروا على أذى المؤذين فيه من الكُفَّار والمنافقين؛ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. أيها الناس: كلُّ دعوة من الدعوات - سواء كانت دعوة حق أم كانت دعوة باطل - لها رجالها الذين يدعون إليها، ويُقنعون الناسَ بها، ويصبرون على الأذى فيها، ويُضحُّون بأموالهم وأنفسهم لأجلها، ولا يشتكون ما يصيبهم بسببها. والدعوة لعبادة الله - تعالى - وحدَه هي أعظم الدعوات وأجلُّها، وأكثرها استحقاقًا لبذل كل نفيس في سبيلها؛ لأنَّ ثَمنها رضا الله - تعالى - وجنته، وأيُّ فوز أعظم من رضا الله - تعالى - عن عبيده، ومكافأتهم بالقرب منه في جنات الخلد، والتنعم بالنظر إلى وجهه الكريم؟! جعلنا الله - تعالى - جميعًا ووالدينا والمسلمين من أهل هذا الفوز العظيم. وأعظم الصبر وأكمله وأفضله صبر الأنبياء - عليهم السلام - لأنَّه احتمال للمكاره في ذات الله - تعالى - دون ضَجَر ولا شكوى، وقد منحهم الله - تعالى - من الصبر أضعاف ما مُنح غيرهم؛ لأنَّهم يحملون أثقلَ ما يَحمله بشر، فيبلغونه للناس، ويصبرون على أذاهم؛ بسبب تبليغه، وقد قال الله - تعالى - لنبيه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ [المزمل: 5]. وقد حمل نبينا - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمانة هذا القول الثقيل من ربِّه - جل جلاله - فبلغه للناس، ودعاهم إليه، وصبر على أذاهم فيه: أذى القول، وأذى الفعل، ومن أذى القول أنَّهم كذَّبوه، واتَّهموه بالجنون والسحر؛ ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُورًا ﴾ [الفرقان: 8]، ﴿ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ [الصافات: 36]، ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾ [الدخان: 14]، ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ [ص: 4]، وزعموا أنَّ ما يأتيهم به من كلام الله - تعالى - هو من الوساوس والأحلام، وأنَّه نظم شعر وسجع كهانة؛ ﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: 5]، فصبر - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليهم رغم ما رَمَوه به من هذه الأوصاف البشعة زورًا وبُهتانًا؛ ليصرفوا الناس عن دعوته، ويؤلبوهم عليه. وإذا قَدِمَ غريبٌ يريد البيتَ تواصوا بينهم على تشويه سُمعة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - والطعن في عقله، وتحذير الناس منه؛ حتى ينصرفوا عن دَعوته، ومن أعظم ما يواجهه داعيةُ الحق أن يفتريَ خصومه عليه الكذب، ويلصقوا به ما ليس فيه، فينصرفَ الناس عنه بسبب ذلك، وصَبَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ذلك كله، ولم يتنازل عن دعوته، ولم يضعف في تبليغها، ولم يغيِّر منهجه إرضاء للناس، كما هو حال بعض المنتسبين للعلم والدَّعوة في هذا الزمن؛ إذ حرَّفوا دين الله - تعالى - وأضلوا الناس؛ إرضاء للبشر، ومسايرةً لأهوائهم، ولهثًا وراء الأضواء والشهرة، ولو بالباطل. وفي أول الدعوة جاء الحارِثُ بن الْحَارِثِ الْغَامِدِيُّ مع أبيه إلى مكة، ورأى الناس مُجتمعين على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "قلت لأَبِي: ما هذه الْجَمَاعَةُ؟ قال: هَؤُلاءِ الْقَوْمُ قَدِ اجْتَمَعُوا على صابئ لهم، قال: فَنَزَلْنَا، فإذا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو الناس إلى تَوْحِيدِ الله - عزَّ وجلَّ - وَالإِيمَانِ بِهِ وَهُمْ يَرُدُّونَ عليه وَيُؤْذُونَهُ، حتى انْتَصَفَ النَّهَارُ وَانْصَدَعَ عنه الناس..."؛ رواه الطبراني، وصححه أبو زرعة الدمشقي. ولكنَّ أذى المشركين لم يقتصر على القول وحدَه، بل امتدَّ إلى الفعل، فكانوا يُعذبون أصحابه - رضي الله عنهم - أمامه، ويتآمرون عليه، ويتنافسون في إلحاقِ الضَّرر به، فصبر - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليهم صبرًا جميلاً، حدَّثَ ابن مسعود - رضي الله عنه –: "أَنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وأبو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ له جُلُوسٌ إِذْ قال بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلا جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إذا سجد؟ فانبعث أَشْقَى الْقَوْمِ فجاء به فَنَظَرَ حتى سجد النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَضَعَهُ على ظَهْرِهِ بين كَتِفَيْهِ وأنا أَنظُرُ لاَ أغيِّر شيئًا، لو كان لي مَنَعَةٌ، قال: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، ويُميل بعضهم على بَعْضٍ وَرَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حتى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عن ظَهْرِهِ"؛ رواه الشيخان. وفي موقف آخر من الأذى والصبر عليه قال عُرْوَة بن الزُّبَيْرِ - رضي الله عنهما -: "سَأَلْتُ عَبْدَ الله بن عَمْرٍو - رضي الله عنهما - عن أَشَدِّ ما صنع المشْرِكُونَ برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: رأيت عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ جاء إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يُصَلِّي فَوَضَعَ رداءَه في عُنُقه، فَخَنَقَهُ به خَنْقًا شديدًا، فجاء أبو بَكْرٍ حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من رَبِّكُمْ"؛ رواه البخاري. وذات مرة اجتمعوا عليه يَضربونه - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى كادوا أن يقتلوه؛ كما روى أنس - رضي الله عنه - قال: "لقد ضربوا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مرة حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر - رضي الله عنه - فجعل يُنادي: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! فقالوا: مَن هذا؟ قِيلَ: ابن أبي قحافة المجنون"؛ رواه أبو يعلى. ولما عزم صناديدُ قريش على قتله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عرض نفسه على قبائل العرب، وعلى أهل الطائف؛ ليمنعوه من القتل، لا لشيء إلا ليبلِّغ عن الله - تعالى - ما تحمل من دينه، فيَهدي به الناس؛ روى موسى بن عقبة عن الزهري - رحمه الله تعالى - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تلك السِّنِينَ يعرض نفسه على قبائل العرب في كلِّ موسم، ويكلمُ كلَّ شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلاَّ أن يروه ويَمنعوه، ويقول: ((لا أكره أحدًا منكم على شيء، مَن رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يُراد بي من القتل؛ حتى أبلغ رسالات ربي، وحتى يقضيَ الله - عزَّ وجل - لي ولمن صحبني بما شاء الله))، فلم يقبله أحدٌ منهم، ولم يأتِ أحد من تلك القبائل إلاَّ قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أنَّ رجلاً يُصلحنا وقد أفسدَ قومه ولفظوه؟! فكان ذلك مما ذخر الله - عزَّ وجل - للأنصارِ وأكرمَهم به، فلما تُوفي أبو طالب ارتدَّ البلاءُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد ما كان، فعَمَدَ لثقيف بالطائف رجاء أن يأووه، فوجد ثلاثةَ نفر منهم سادة ثقيف يومئذ، فعرض عليهم نفسَه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أنا أمرُق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطُّ، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك؟! وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدًا، والله لئن كنت رسولَ الله، لأنت أعظم شرفًا وحقًّا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله، لأنت أشر من أن أكلمك، وتهزَّؤوا به، وأفشوا في قومِهم الذي راجعوه به، وقعدوا له صفين على طريقه، فلمَّا مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين صفيهم، جعلوا لا يرفع رجليه ولا يَضَعُهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه، فخلص منهم، وهما يسيلان الدِّماء، فعَمَد إلى حائطٍ من حوائطهم، واستظلَّ في ظل حَبَلَةٍ منه وهو مكروب موجع، تسيل رجلاه دمًا"؛ رواه أهل السير. وقد لخص النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما ناله من الأذى في سبيل دعوته بكلمات جامعة، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها: ((لقد أُوذِيتُ في الله - عزَّ وجلَّ - ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ في الله ومَا يُخَافُ أَحَدٌ))؛ رواه أحمد وصححه ابن حبان. فلم يتنازل - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن شيء من دعوته، وصبر على أذى المشركين فيها؛ امتثالاً لأمر ربه - تبارك وتعالى - حين أمره بالصبْر، وحرصًا على إنقاذ أُمَّته بالإيمان من عذاب الله - تعالى - فجزاه الله - تعالى - عنَّا وعن المسلمين خيرَ ما يَجزي نبيًّا عن أمته، وصلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. وأقول قولي هذا وأستغفر... الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مُباركًا فيه كما يُحب ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. أيها المسلمون، صَبَرَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أذى المشركين طاعةً لله - تعالى - إذ أمره بذلك في كثيرٍ من آي القرآن؛ ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً ﴾ [المعارج: 5]، ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر: 7]، ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24]، والملاحظ في آيات الصبر أنَّ كثيرًا منها قد ضُمِّن وعدًا بحسن العاقبة؛ ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [هود: 49]، ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ [الرُّوم: 60]، وفي كثير منها أمرٌ بلزوم ذكر الله - تعالى - وعبادته؛ لأنَّ الذكر والعبادة زاد قوة، ووقود صبر؛ ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ [ق: 39]. إنَّه لا يمكن أن يقوم على دعوة الإسلام أحدٌ إلا والصبر زاده وعتاده، والصبر جُنَّته وسلاحه، والصبر ملجؤه وملاذه، فهذه الدعوة الربانية جهاد، جهادٌ مع النفس وشهواتها، وانحرافاتها، وضعفها، وشرودها، وعجلتها، وقنوطها، وجهاد مع أعداء الدعوة، ووسائلهم، وتدبيرهم، وكيدهم، وأذاهم، وجهاد مع النفوس عامَّة، وهي تتفصَّى من تكاليف هذه الدعوة وتتفلت، وتتخفى في أزياء كثيرة، وهي تخالف عنها، ولا تستقيم عليها، والداعية لا زادَ له إلا الصبرُ أمام هذا كله، والذِّكرُ وهو قرين الصبر في أكثر المواضع في القرآن. إنه حريٌّ بأهل الإسلام أن يتأسَّوا بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في التخلُّق بالصبر، فلا يحرفهم عن دين الحق وعدُ الكافرين ووعيدُهم، ولا ترغيب المنافقين وترهيبهم، فكلُّ ذلك يزول كما زالت قريشٌ وشِرْكها، وكما زال ابن سلول ونفاقه، وثبتت دعوة الإسلام شامخةَ البنيان، قوية الأركان، وإن رغمت أنوف أهل الكفر والنفاق. إنَّ الذين يضعفون أمامَ الحملات المنظمة التي يشنها الكُفَّار والمنافقون على الإسلام وشعائره ومناهجه ودعاته - يضرُّون أنفسهم ولن يضروا دين الله - تعالى - شيئًا، وإن الذين يُحرِّفون دين الله - تعالى - ليرضوا به الناس، ولينالوا به عَرَضًا من الدنيا سيرتد تحريفهم عليهم، وسيتحمَّلون أوزارَ من اتَّبعوهم في ضلالِهم، وسيبقى دينُ الله - تعالى - عزيزًا كما كان؛ لأنَّ الله - تعالى - هو من تولَّى حفظه، ولم يَكِلْ ذلك لأحد من خلقه؛ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. وإنَّ من عظيم مجالات الصبرِ في الإسلام: الصبرَ عما أحدثه المبتدعة في دين الله - تعالى - وإن زخرفوا باطلَهم، ودعوا الناس إليه، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ومَحبة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هي في اتِّباعه وطاعته، والتزام سُنَّته، وليست في إحداث الموالد البدعية، والاحتفالات الموسمية بميلاده - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو إسرائه أو هجرته أو غير ذلك، كما أنَّ من الصبر في الدعوة بيانَ الحق في هذه البِدَع والضَّلالات، وعدم مُداهنة أحد فيها كائنًا من كان، مع الصبر على الأذى في ذلك، فإنَّ أهل البدعة في الدين لا بد أن يُلصقوا بالمتمسكين بالسنة تُهمَ التشدد والانغلاق والتطرف، وغير ذلك من الألفاظ التي يسكُّها الكفار، ويُسوِّقُها المبتدعة والمنافقون، ولا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى إلا الحق وأهله؛ ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31 - 32]. وصلوا وسلموا... |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
الخلال النبوية (8) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة الحمدُ لله ربِّ العالمين؛ وَفَّقَ مَن شاء مِن عباده للحقِّ المُبين، وأنالهم الإمامةَ بالصبر واليقين؛ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. نحمَده على نِعَمه العظيمة، ونشكُره على آلائه الجسيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له؛ ابتلى عبادَه بالإيمان والكفر، والدنيا والآخِرة، والجنة والنار، وفَتَنَ بعضَهم ببعضٍ؛ ليُظْهِرَ أهلَ الصِّدقِ والصبر؛ ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 20]. وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ أُعْطِي فَشَكَرَ، وأُوذِي فَصَبَرَ، حتى قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لقَدْ أُوذِيتُ في الله، وما يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقَدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخَافُ أَحَدٌ))، صلَّى الله وسلَّم، وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه؛ عُذِّبوا في ذات الله - تعالى - وأُوذُوا في دِينِه، فثبتوا حتى لقوا ربَّهم - عزَّ وجلَّ - وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أما بعد: فاتَّقوا الله - تعالى - وأطيعوه، واصْبروا على دِينكم، وصابروا الأعداءَ الذين يسعَوْن لفتنتِكم؛ فإنَّ الجنةَ جزاءُ ذلك، وهي سلعة الله - تعالى - الغالية؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]. قال الحسنُ البصري - رحمه الله تعالى -: "أُمِروا أن يصبروا على دِينِهم الذي ارْتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يَدَعُوه لسرَّاء ولا لضرَّاء، ولا لشدَّة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداءَ الذين يكتمون دِينهم". أيُّها الناس: مَن طَالَعَ سِيرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - واستعرضَ مراحلَ حياته، وَجَدَ أنَّه حُمِّل أعظمَ دعوة وأثقلَها، فأدَّاها وبلَّغها، وتحمَّل شدَّة الحياة وشظفها، وصَبَرَ على كَدرِها ومُرِّها، حتى لَقِيَ الله - تعالى - وذلك أنَّ الله - تعالى - أَمَرَه بالصبر الجميل الذي لا سَخَطَ فيه ولا شِكَاية؛ ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً ﴾ [المعارج: 5]. لقد أُوذِي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الله - تعالى - أشدَّ الأذى منذ أنْ أظهرَ دعوته حتى أَذِنَ الله - تعالى - له بالهجرة إلى دار الأنصار - رَضِي الله عنهم - وبالهجرة لم يَسْلَمْ من الأذى؛ إذ اجتمع عليه عَدُوَّانِ لَدُودانِ في المدينة؛ المنافقون واليهود، ومِن ورائهم المشركون في مكةَ، فصارَ يعالج بعد هجرته - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعداءً ثلاثة. إنَّ مَن قَرَأَ القرآنَ والسُّنَّة، وطَالعَ السيرةَ النبويَّة، سيظهر له كمْ صَبَرَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد هِجْرته على أعداء الإسلام الثلاثة، وعَامَلَ كلَّ عدوٍّ منهم بما تقتضيه مصلحةُ الإسلام، فكُفَّار مكَّةَ ما تركوه بعد هِجْرته، بل غزوه في المدينة؛ في بدرٍ وأُحُد والخنْدق، وفي أُحُد قَتلوا سبعين من أصحابه - رضي الله عنهم - وشجُّوا وجهَه الشريف، وكسروا رَبَاعِيَته، وهشَّموا البيضةَ على رأْسه، فصَبَرَ على ذلك، ولم يَزِدْ على أنْ دعا لهم. وأمَّا اليهود فمع تكذيبهم له، وصدِّهم عن دِينِه، وتحريضِ المشركين عليه، فإنَّهم نقضوا عهودَهم معه في أشدِّ الساعات ضِيقًا وحَرَجًا؛ رجاءَ القضاء عليه، وإبادة أتباعه، فصَبَرَ عليهم صَبْرًا لا يصبره أحدٌ غيره - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يكْفهم ذلك حتى حاولوا قتلَه غير مرَّة، وسحروه وسمُّوه، فقطع سُمُّهم نِياطَ قلبِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَهم قَتَلَتُه - عليه الصلاة والسلام - وعليهم لَعَنَاتُ الله - تعالى - المتتابِعة إلى يوم القيامة. لكنَّ المنافقين هم أكثرُ الطوائف الثلاث أذًى للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصَبَرَ عليهم ما لم يصبرْ على غيرهم، وعاملهم بظاهرِ حالهم، ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله تعالى. وإنَّما كانَ المنافقون أشدَّ الطوائف الثلاث أذًى للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأنهم يساكنونه، ويندسُّون في أصحابه - رضي الله عنهم - فيُخذِّلون ويُرجِفون ويَبثُّون الشائعات، ويُخبِرون اليهودَ والمشركين بعَوْرات المؤمنين، ومَن قَرَأَ آياتِ القرآن في المنافقين تَبَيَّنَ له شيءٌ مِن حَجْمِ الأذى الذي أصابَ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - منهم، وكيف صَبَرَ عليهم. لقد أظهروا الإيمانَ والطاعة للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكنَّهم أبطنوا الكفرَ ومحاربته، وهذا أشدُّ ما يكون من العداء؛ لخفاء أمرِهم على الناس، والعدوُّ الباطن يفعلُ أضعافَ ما يفعلُ العدوُّ الظاهر؛ لصعوبة التحرُّز منه، وهكذا كانَ حالُ المنافقين مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -؛ ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ [النساء: 81]. وكان إظهارُهم للإيمان على وجه السُّخرية والاستهزاء والكيْد للمؤمنين، ليس غير ذلك؛ ولذا فَهُم يصفون المؤمنين بالسَّفَه؛ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]. وكانتْ لهم مجالس يسخرون فيها من دِينه الذي بلَّغه عن ربِّه - سبحانه - حِقْدًا في قلوبِهم، وصدًّا عن الدعْوة، ولا يحضرون الغزوَ مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلا للإرْجاف والتخذيل والسُّخرية، وإحداثِ الفِتنةِ؛ كما فعلوا في غزوة "تَبُوك" ففضحهم الله - تعالى - وبَيَّنَ كفرَهم؛ ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65 - 66]. وكم مِن فتنة حاولوا إشعالها بيْن المؤمنين؛ ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 47 - 48]. وبَلَغَ أذاهم للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنهم يُضارُّونه في أماكنِ العبادة، وما ابتنوا مسجد الضِّرار إلا لذلك؛ ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [التوبة: 107]. وكانوا يَصرِفون الناسَ عنِ الغزو مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ﴾ [التوبة: 81]، ويَصدُّونهم عن الإنفاق في سبيل الله - تعالى - تارة بالسُّخرية واللمْز؛ ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 79]. وتارةً أخرى باستغلال ضوائقِ المؤمنين والتواصي على الإمساكِ؛ ليتفرَّقَ الناسُ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويتركوه؛ ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾ [المنافقون: 7]. ويختلِقون المعاذير لتَخَلُّفِهم عن الغزو، وعن الإنفاقِ في سبيل الله تعالى؛ ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 94]، ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 11]. ويا ليْتَ أنَّهم حَفِظوا ذلك للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحمدوه به، حين لم يعاقبْهم، وعامَلَهم بظاهر حالِهم، ووَكَلَهم إلى أيْمانِهم، وصدَّقهم في أقوالهم، بل جعلوه موضعَ سُخريتهم وتندُّرِهم به - صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ [التوبة: 61]؛ أي: يسمع منَّا، ويُصدِّقنا بما نقولُ، ولا يفرِّقُ بين صادقٍ وكاذب، فصَبَرَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على كلِّ هذا الأذى منهم. وكانوا يَشْمَتون به - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبأصحابه - رضي الله عنهم - إذا أصابتْهم مصيبةٌ؛ كما قالوا بعدَ أُحُد: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168]، وقالوا في الخندق: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12]، وأخْبَرَ الله - تعالى - أنَّهم يفرحون بمصاب المؤمنين؛ ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: 50]، ومع ذلك كلِّه، فإنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - صَبَرَ عليهم؛ رجاءَ توبتهم، ولئلاَّ تقع فتنةٌ في المؤمنين بسببِهم. ومنهم مَن طعنوا في أمانة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعدلِه بسبب عَرَضٍ من الدنيا يطلبونه؛ ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ [التوبة: 58]، وكانَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقسمُ الغنائم بيْن الناس، فقال أَحدُهم: "اعْدِلْ"، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ؟ قد خِبْتَ وخَسِرْتَ، إن لم أكُنْ أَعْدِلُ))، وقال آخَرُ: "اتَّقِ الله يا محمَّد، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فَمَنْ يُطِع الله إنْ عَصَيْتُهُ؟! أَيَأْمَنُنِي على أَهْلِ الأرض ولا تَأْمَنُونِي؟))؛ رواهما الشيخان. وتجاوزوا ذلك إلى الطَّعْنِ في عِرْضِه الشريف - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَرَمَوْا زوجَه بالزِّنا، وأشاعوا ذلك في الناس، واشتدَّ الكربُ بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أنْ فضحَهم الله - تعالى - في سورة النور، وبرَّأَ زوجَه مِنَ الخَنَا، وتحمَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا الأذى الشديد منهم، وصَبَرَ عليهم. ومِن عظيم أذاهم للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّهم وصفوه بالذِّلَّة، فصَبَرَ عليهم؛ {﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8]، وحالفوا الكفَّار على المؤمنين؛ طَلَبًا للعِزَّة؛ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 139]. وإنَّما كفَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن المنافقين، وصَبَرَ على أذاهم؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء: 63]، وفي آية أخرى: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾ [الأحزاب: 48]. نعوذ بالله - تعالى - من النِّفاق والمنافقين، ونسأله - سبحانه - الثَّباتَ على الإيمان واليقين، إنَّه سميعٌ مُجيب، وأقول قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله حَمْدًا طيِّبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويَرْضَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهْتَدَى بهُدَاهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتَّقوا الله - تعالى - وأطيعوه؛ ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 131- 132]. أيُّها الناس: للصبرِ مَقامٌ عظيم في الدِّين، وجزاءٌ كبير عند ربِّ العالمين؛ ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، وبه تجمَّلَ الرُّسلُ - عليهم السلام؛ ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]، وسببُ ذلك - والله أعلم - أنَّه لا ثباتَ على الدِّين إلا بالصبر؛ لأنَّ أذى الكفَّار والمنافقين شديدٌ لا يطيقه إلا الصابرون، ولأنَّ شهوات الدنيا وإغراءاتها تدعو النفوسَ إليها، ويَقتضي ذلك تنازلاً عن شيءٍ من الدِّين لأجْلِها، والنفس أمَّارة بالسوء، فلا يقهر نفسه عن الدنيا وزِينتها؛ ابتغاءَ رضوان الله - تعالى - إلاَّ الصابرون. وكمْ مِن نفوسٍ ضعيفة لم تُطِقْ أذى الكفَّار والمنافقين، ولم تصمدْ أمامَ تشكيكِهم في الدِّين، فتحوَّلتْ عن مناهجها إلى ما يُرْضيهم، وانتقلتْ من خِدْمة دِينِ الله - تعالى - إلى خِدمتهم، وتحقيق أهدافِهم؛ اتقاءً لضررِهم وأذاهم، أو طلبًا لِلُعَاعَةٍ من الدنيا يبذلونها لهم. ولمَّا وقعتْ حادثةُ الإسراء والمعراج، وحدَّثَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بها، لم يصدِّقْه إلا الصادقون في إيمانهم، الصِّدِّيقون في انتمائهم، الصابرون على دِينهم، المصابِرون في منابذةِ أعدائِهم. وأمَّا الضُّعفاءُ المذَبْذَبُون، فخارتْ عزائمُهم، ونَفَدَ صبرُهم، فارتدُّوا على أعقابهم؛ كما روتْ عائشةُ - رضي الله عنها - قالت: "لمَّا أُسْرِي بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى المسجد الأقصى، أصبحَ يتحدَّثُ الناس بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممَّن آمنوا به وصدَّقوه"؛ رواه الحاكم. وقال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: "أُسْرِي بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى بيْت المقْدِس، ثم جاء من ليلتِه فحدَّثهم بمسيرِه وبعلامة بيت المقْدِس وبعِيرِهم، قال أُنَاس: "نحن لا نصدِّق محمدًا، فارتدُّوا كفَّارًا، فضربَ الله أعناقَهم مع أبي جَهْل"؛ رواه أحمد. إنَّ الثباتَ على الدِّين لا يحقِّقه إلا أهلُ الصبر واليقين، ولهم الإمامةُ في الدِّين، كما تحقَّقَ ذلك للأنبياء والصِّدِّيقين، ومِن التخلُّق بأخلاق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - التأسِّي به في الصبرِ على أذى الكفَّار والمنافقين، والصبر عن الدنيا وملذَّاتها، والتمسُّك بسنَّتِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - والإعْرَاض عمَّا أحْدَثه المبتدِعةُ من أنواع البِدَع والضلالات، ومنها ما يفعلونه هذه الأيَّام؛ من الاحتفال بما يزعمونه ليلة الإسراء والمعراج، وما يفعلونه فيها مِن أنواع العبادات التي لا تَزيدهم مِن الله - تعالى - إلا بُعْدًا، مع أنَّ وقْتَ مِعْرَاجه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يُعْلَمُ على وجه التحديد ولا التقريب، لا في سَنَتِه ولا في شَهْرِه ولا في ليْلته، ولكنَّ أهلَ الأهواء أضلُّوا العامَّةَ بهذه المحْدَثات؛ لما أُشربوا في قلوبهم مِن الهوى والجهل، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد أمَرَنا بالتمسُّك بسُنَّتِه، وحذَّرنا مِن الابتداع في الدِّين، وأخْبَرَنا أنَّ كل بدعةٍ ضلالة، وأنَّ كلَّ ضلالة في النار، وقدْ أَمَرَنا اللهُ - تعالى - بطاعة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لننال الفوزَ والفلاحَ: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]. وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
الخلال النبوية (9) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل صبر النبي- صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة الحمد لله رب العالمين؛ وفق من شاء من عباده للحق المبين، وأنالهم الإمامة بالصبر واليقين ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24] نحمده على نعمه العظيمة، ونشكره على آلائه الجسيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالإيمان والكفر، والدنيا والآخرة، والجنة والنار، وفتن بعضهم ببعض؛ ليظهر أهل الصدق والصبر ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 20] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أعطي فشكر، وأوذي فصبر، حتى قال عليه الصلاة والسلام: "لقد أُوذِيتُ في الله وما يوذى أَحَدٌ وَلَقَدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخَافُ أَحَدٌ" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ عذبوا في ذات الله تعالى، وأوذوا في دينه، فثبتوا حتى لقوا ربهم عز وجل، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واصبروا على دينكم، وصابروا الأعداء الذين يسعون لفتنتكم؛ فإن الجنة جزاء ذلك، وهي سلعة الله تعالى الغالية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200] قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم". أيها الناس: من طالع سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعرض مراحل حياته؛ وجد أنه حُمِّل أعظم دعوة وأثقلها، فأداها وبلغها، وتحمل شدة الحياة وشظفها، وصبر على كدرها ومُرِّها، حتى لقي الله تعالى؛ وذلك أن الله تعالى أمره بالصبر الجميل الذي لا سخط فيه ولا شكاية ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ [المعارج: 5]. لقد أوذي - صلى الله عليه وسلم - في الله تعالى أشد الأذى منذ أن أظهر دعوته، حتى أذن الله تعالى له بالهجرة إلى دار الأنصار رضي الله عنهم، وبالهجرة لم يسلم من الأذى؛ إذ اجتمع عليه عدوان لدودان في المدينة: المنافقون واليهود، ومن ورائهم المشركون في مكة، فصار يعالج بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - أعداء ثلاثة. إن من قرأ القرآن والسنة، وطالع السيرة النبوية سيظهر له كم صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته على أعداء الإسلام الثلاثة، وعامل كل عدو منهم بما تقتضيه مصلحة الإسلام، فكفار مكة ما تركوه بعد هجرته بل غزوه في المدينة، في بدر وأحد والخندق، وفي أحد قتلوا سبعين من أصحابه رضي الله عنهم، وشجوا وجهه الشريف، وكسروا رباعيته، وهشموا البيضة على رأسه، فصبر على ذلك، ولم يزد على أن دعا لهم. وأما اليهود فمع تكذيبهم له، وصدهم عن دينه، وتحريض المشركين عليه؛ فإنهم نقضوا عهودهم معه في أشد الساعات ضيقاً وحرجا؛ رجاء القضاء عليه، وإبادة أتباعه، فصبر عليهم صبراً لا يصبره أحد غيره - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكفهم ذلك حتى حاولوا قتله غير مرة، وسحروه وسموه، فقطع سمهم نياط قلبه - صلى الله عليه وسلم -، فهم قتلته عليه الصلاة والسلام، وعليهم لعائن الله تعالى المتتابعة إلى يوم القيامة. لكن المنافقين هم أكثر الطوائف الثلاث أذى للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وصبر عليهم ما لم يصبر على غيرهم، وعاملهم بظاهر حالهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. وإنما كان المنافقون أشد الطوائف الثلاث أذى للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم يساكنونه، ويندسون في أصحابه رضي الله عنهم، فيخذلون ويرجفون ويبثون الشائعات، ويخبرون اليهود والمشركين بعورات المؤمنين، ومن قرأ آيات القرآن في المنافقين تبين له شيء من حجم الأذى الذي أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم، وكيف صبر عليهم. لقد أظهروا الإيمان والطاعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنهم أبطنوا الكفر ومحاربته، وهذا أشد ما يكون من العداء؛ لخفاء أمرهم على الناس، والعدو الباطن يفعل أضعاف ما يفعل العدو الظاهر؛ لصعوبة التحرز منه.. وهكذا كان حال المنافقين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ [النساء: 81]. وكان إظهارهم للإيمان على وجه السخرية والاستهزاء والكيد للمؤمنين ليس غير ذلك؛ ولذا فهم يصفون المؤمنين بالسفه ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13] وفي آية أخرى ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]. وكانت لهم مجالس يسخرون فيها بدينه الذي بلغه عن ربه سبحانه؛ حقداً في قلوبهم، وصداً عن الدعوة، ولا يحضرون الغزو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا للإرجاف والتخذيل والسخرية، وإحداث الفتنة، كما فعلوا في غزوة تبوك ففضحهم الله تعالى وبين كفرهم ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66]. وكم من فتنة حاولوا إشعالها بين المؤمنين ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 47-48]. وبلغ أذاهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يضارونه في أماكن العبادة، وما ابتنوا مسجد الضرار إلا لذلك ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [التوبة: 107]. وكانوا يصرفون الناس عن الغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ ﴾ [التوبة: 81] ويصدونهم عن الإنفاق في سبيل الله تعالى تارة بالسخرية واللمز ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 79] وتارة أخرى باستغلال ضوائق المؤمنين والتواصي على الإمساك؛ ليتفرق الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتركوه ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾ [المنافقون: 7]. ويختلقون المعاذير لتخلفهم عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل الله تعالى ﴿ [يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ] ﴾[التوبة: 94] ﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 11]. ويا ليت أنهم حفظوا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وحمدوه به، حين لم يعاقبهم، وعاملهم بظاهر حالهم، ووكلهم إلى أيمانهم، وصدقهم في أقوالهم، بل جعلوه موضع سخريتهم وتندرهم به - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ [التوبة: 61] أي: يسمع منا، ويصدقنا بما نقول، ولا يفرق بين صادق وكاذب، فصبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على كل هذا الأذى منهم. وكانوا يشمتون به - صلى الله عليه وسلم - وبأصحابه رضي الله عنهم إذا أصابتهم مصيبة كما قالوا بعد أحد ﴿ [لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168] وقالوا في الخندق ﴿ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12] وأخبر الله تعالى أنهم يفرحون بمصاب المؤمنين ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: 50] ومع ذلك كله فإنه - صلى الله عليه وسلم - صبر عليهم؛ رجاء توبتهم؛ ولئلا تقع فتنة في المؤمنين بسببهم. ومنهم من طعنوا في أمانة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدله بسبب عرض من الدنيا يطلبونه ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ [التوبة: 58] وكان - صلى الله عليه وسلم - يقسم غنائم بين الناس فقال أحدهم: "اعْدِلْ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ؟ قد خِبْتَ وَخَسِرْتَ إن لم أَكُنْ أَعْدِلُ" وقال آخر: "اتَّقِ الله يا محمد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَمَنْ يُطِع الله إن عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي على أَهْلِ الأرض ولا تَأْمَنُونِي؟" رواهما الشيخان. وتجاوزوا ذلك إلى الطعن في عرضه الشريف - صلى الله عليه وسلم -، فرموا زوجه بالزنا، وأشاعوا ذلك في الناس، واشتد الكرب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن فضحهم الله تعالى في سورة النور، وبرأ زوجه من الخنا، وتحمل - صلى الله عليه وسلم - هذا الأذى الشديد منهم، وصبر عليهم. ومن عظيم أذاهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم وصفوه بالذلة فصبر عليهم ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8] وحالفوا الكفار على المؤمنين طلبا للعزة ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا ﴾ [النساء: 139]. وإنما كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين، وصبر على أذاهم امتثالاً لأمر الله تعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء: 63] وفي آية أخرى ﴿ وَلَا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفَى بِالله وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: 48]. نعوذ بالله تعالى من النفاق والمنافقين، ونسأله سبحانه الثبات على الإيمان واليقين، إنه سميع مجيب. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 131-132]. أيها الناس: للصبر مقام عظيم في الدين، وجزاء كبير عند رب العالمين ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزُّمر: 10] وبه تجمل الرسل عليهم السلام ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35] وسبب ذلك -والله أعلم- أنه لا ثبات على الدين إلا بالصبر؛ لأن أذى الكفار والمنافقين شديد لا يطيقه إلا الصابرون؛ ولأن شهوات الدنيا وإغراءاتها تدعو النفوس إليها، ويقتضي ذلك تنازلاً عن شيء من الدين لأجلها، والنفس أمارة بالسوء، فلا يقهر نفسه عن الدنيا وزينتها ابتغاء رضوان الله تعالى إلا الصابرون. وكم من نفوس ضعيفة لم تطق أذى الكفار والمنافقين، ولم تصمد أمام تشكيكهم في الدين، فتحولت عن مناهجها إلى ما يرضيهم، وانتقلت من خدمة دين الله تعالى إلى خدمتهم، وتحقيق أهدافهم؛ اتقاء لضررهم وأذاهم، أو طلباً للعاعة من الدنيا يبذلونها لهم. ولما وقعت حادثة الإسراء والمعراج، وحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، لم يصدقه إلا الصادقون في إيمانهم، الصديقون في انتمائهم، الصابرون على دينهم، المصابرون في منابذة أعدائهم. وأما الضعفاء المذبذبون، فخارت عزائمهم، ونفد صبرهم، فارتدوا على أعقابهم؛ كما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن آمنوا به وصدقوه"رواه الحاكم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، قال أناس: نحن لا نصدق محمداً، فارتدوا كفاراً فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل" رواه أحمد. إن الثبات على الدين لا يحققه إلا أهل الصبر واليقين، ولهم الإمامة في الدين، كما تحقق ذلك للأنبياء والصديقين، ومن التخلق بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - التأسي به في الصبر على أذى الكفار والمنافقين، والصبر عن الدنيا وملذاتها، والتمسك بسنته - صلى الله عليه وسلم -، والإعراض عما أحدثه المبتدعة من أنواع البدع والضلالات، ومنها ما يفعلونه هذه الأيام، من الاحتفال بما يزعمونه ليلة الإسراء والمعراج، وما يفعلونه فيها من أنواع العبادات التي لا تزيدهم من الله تعالى إلا بعداً، مع أن وقت معراجه - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم على وجه التحديد ولا التقريب، لا في سنته ولا في شهره ولا في ليلته، ولكن أهل الأهواء أضلوا العامة بهذه المحدثات؛ لما أشربوا في قلوبهم من الهوى والجهل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا بالتمسك بسنته، وحذرنا من الابتداع في الدين، وأخبرنا أن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، وقد أمرنا الله تعالى بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لننال الفوز والفلاح ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31] ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]. وصلوا وسلموا على نبيكم... |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الجمال النابض | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 1 | 07-14-2026 08:30 PM |
| لا تجعلوا الحلال مستحيلاً | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 0 | 04-25-2026 02:11 PM |
| فتنة الجمال!! | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأسرة المسلمة | 1 | 04-11-2026 06:39 AM |
| تحريم الدماء! | آمال | قسم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة | 6 | 12-23-2012 12:05 AM |
| صور ملكات الجمال! | آمال | ملتقى الأسرة المسلمة | 6 | 07-16-2012 10:56 PM |
|
|