﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾
بدر شاشا
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 109].
يا لها من آيةٍ عظيمةٍ، تحمل بين حروفها منهجًا ربانيًّا في التعامل مع الإساءة والبغضاء.
فالله سبحانه يخاطب المؤمنين في زمنٍ اشتدت فيه عداوة أهل الكتاب للمسلمين، فيأمرهم ألا يردوا الكراهية بالكراهية، ولا الحسد بالحقد، بل بالعفو والصفح، انتظارًا لأمر الله وعدله.
﴿ فَاعْفُوا ﴾؛ أي: تجاوزوا عن الذنب، ولا تعاقبوا من أساء.
﴿ وَاصْفَحُوا ﴾؛ أي: أعرضوا عن الأذى بقلوبٍ نقيةٍ، واطووا صفحة الإساءة بلا ضغينة.
﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾؛ أي: إلى أن يقضي الله بحكمه فيهم، فهو وحده الذي يعلم متى تكون القوة ومتى يكون النصر.
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾: ختمت الآية بتطمين القلوب أن الله هو القادر على نصر عباده، فلا حاجة للانتقام، فالأمر كله بيده سبحانه.
هذه الآية تُعلِّمنا أن العفو لا يعني الضعف، بل هو منتهى القوة، وأن الصفح لا يُنقص من كرامة المرء، بل يرفعه في الدنيا والآخرة. فمن عفا وهو قادر، أكرمه الله بعزٍّ لا يزول، وسلامٍ لا يُقدَّر بثمن.
وقد جسَّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أروع تجسيد؛ فعندما تمكَّن من أعدائه الذين آذوه وأخرجوه من مكة، قال لهم في تواضُعٍ وصفاء قلب: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"؛ فجمع بين القوة والعفو، وبين النصر والرحمة.
إن في قوله تعالى: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ دعوةً إلى بناء إنسانٍ يسمو فوق الأحقاد، ومجتمعٍ متماسكٍ يسوده التسامح والمودة.
فما أجمل أن يكون شعار المسلم في حياته: أعفو لأن الله أمرني، وأصفح لأن الله يحب الصافحين!