أول العام الهجري
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
الحمد لله الذي جعَل في اختلاف الليل والنهار عبرًا، ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 5].
أَحْمَده سبحانه وأَشكُره على نَواله وإفضاله، وأشهد أن لا إله إلا الله الإله الحق المبين، ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 3].
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله على العالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، واشكُروه على سوابغ آلائه، وجزيل عطائه، واعلموا أن مُرور الليالي والأيام، وتَصرُّم الدهور والأعوام، مُؤذن بانقضاء الآجال، وتغيُّر الأحوال، فهذا يوم قد ذهب وانقضى، وهذا شهر قد تصرَّم وانتهى، وهذا عام قد طُويت صحائفه ومضى، وهكذا تتغيَّر الأحوال، وتنقضي الآجال، والكل منا في غفلة وتسويفٍ، وآمال متشعبة، وغفلة مستولية، وانهماك في الشهوات، وتلهُّف على ما فات، وأفكار تدور على جمع الحُطام، ونفوس تتلوث بأوضار الذنوب والآثام، إلى متى ونحن في سكرة الدنيا؟! وحتى متى ونحن في حظيرة اللهو والهوى؟! متى تَستيقظ ضمائرنا، وتتنوَّر بصائرنا، ونجعل هَمَّنا ما أمامنا من القدوم على الله، والسؤال عن الصغير والكبير، والجليل والحقير؟!
لقد زجَرنا القرآن بمواعظه وآياته، وصروف الدهر بنوازله وتقلُّباته، ولكننا في ثياب الغفلة رافلون، وعما يُراد بنا غافلون، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 1 - 3].
عباد الله، لقد ودَّعتم عامًا مضَت أيامه ولياليه، وطُويت صحائفه وما تحويه، وهل يُمكن ردُّ شيء مما فيه؟! أو إصلاحه أو تلافيه؟! كلا؛ فليس إلى هذا من سبيل، إلا بالتوبة الصادقة المقرونة بالندم على ما سلف وكان، والرجوع إلى طاعة الملك الديَّان، وقد استقبلتم عامًا جديدًا، فجدِّدوا عزمكم على التقوى؛ فإنها هي النجاة من المخاوف، وفيها السعادة الأبدية، وعلى التمسك بكتاب ربِّكم وسنة نبيِّكم؛ فإن فيهما ما يَكفُل لكم السعادة والسيادة.
واعلموا عباد الله أن شهركم هذا شهرٌ مبارك، كان صلى الله عليه وسلم يحث فيه على الصيام، ولا سيما اليوم العاشر منه؛ كما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((ما علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يومًا يَطلُب فضله على الأيام، إلا هذا اليوم - يعني: يوم عاشوراء - ولا شهرًا إلا هذا الشهر؛ يعني: رمضان))، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتَب عليكم صيامُه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر)).
وروى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((صوم يوم عاشوراء يُكفِّر سنة ماضية))، وقد ندَبنا صلى الله عليه وسلم إلى صيام يوم قبله، أو يوم بعده؛ لأجل مخالفة اليهود.
ولم يَثبُت في هذا الشهر شيءٌ من فضائل الأعمال إلا الصيام، وأما ما يُروى فيه من ذكر الصلوات أو القراءات أو الأوراد، أو الأدعية الخاصة به، فلم يَثبُت منها شيءٌ عنه صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما ورد من استحباب التوسعة على الأولاد والأهل فيه، فقد ذكر الإمام أحمد أنه لم يَثبُت.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يَرِد فيه شيءٌ عنه صلى الله عليه وسلم من طريق صحيح، وبذلك صرَّح الإمام ابن القيم.
فعلى المسلم أن يتقيَّد بما جاء عن الرسول الكريم، إذ هو المشرِّع صلى الله عليه وسلم، والمخبِر عن الله، والعبادات مَبناها على الأمر، وكثير من الجهَّال يتخذون هذا الشهر موسمًا للأعياد والأفراح، وبعض الفِرق تجعله موسمًا للمآتم والأتراح، وكل هذا وذاك مخالفٌ لهديه صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه وسلف هذه الأمة، فاتَّقوا الله عباد الله واحرِصوا على اتِّباع هدْي نبيكم وسلفكم الصالح، فلقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [المائدة: 92].
نفَعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين.
أقول قولي هذا، وأَستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.