حين تُكفَلُ العقول … ينهضُ التاريخ
عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
ليس العجب أن يرحل عالم قبل الأربعين، العجب أن يترك وراءه ما تعجز عنه أعمار مديدة.
تسع وثلاثون سنةً ونصف ... لم يكمل الأربعين، لكنها امتلأت علمًا، وامتلأ بها الزمان أثرًا.
ذاك هو الشيخ عبدالحي اللكنوي رحمه الله عالم الهند، ونادرة عصره الذي خلف مائةً وخمسة عشر كتابًا، ما بين مصنفات كبار، ورسائل صغار، غير أن تلك الرسائل الصغيرة كانت تغني عن مجلدات محررة تحرير العارف، محكمة إحكام من عاش للعلم لا لغيره، حتى إن علماء عصره لم يجدوا لقبًا أصدق في وصفه، من أن يسموه: أبو الحسنات، لقب لم يمنح مجازًا، ولا أطلق تزلفًا، بل شهادة علمية صادقة على كثرة عطائه، وغزارة إنتاجه، وبركة علمه في زمن قصير، فما كتب حرفًا إلا وكان حسنة، وما ألف رسالة إلا وكانت بابَ نفعٍ مفتوحًا، حتى صار علمه حسنات جارية تسبق عمره، وتبقى بعد رحيله، ويبقى السؤال الكبير: من أين جاء هذا الفيض؟ وكيف ضاق العمر، واتسع الأثر؟ الجواب: لا يحتاج فلسفة، بل يحتاج صدق نظر في التاريخ.
حين سمع أمير لكنو بتفرغ الشيخ للعلم، وبنبوغه وإقباله، أرسل إليه، فلما حضر قال له كلمةً غيرت مجرى العمر: أضع لك راتبًا شهريًّا قدره أربعمائة روبية، لتتفرغ للعلم تفريغًا كاملًا، وأربعمائة روبية في ذلك الزمان لم تكن رقمًا عابرًا، بل ثروة حقيقية، تحرر صاحبها من همِّ المعيشة، وتكفل له كرامته، وتفرغ قلبه وعقله لما خُلق له، فتفرغ الشيخ، وأنجز ما عجزت عنه أعمار مضاعفة، هنا يتكلم التاريخ بلا خطابة، وتظهر السنن بوضوح:
كفالة طالب العلم ليست إحسانًا فرديًّا، بل صناعة حضارة، ليست صدقةً عابرة، بل استثمار في العقول، وحراسة للدين، وبناء للوعي، كم من موهبة علمية، ذبلت لأنها انشغلت بلقمة العيش! وكم من عالم لم يولد لأن الأمة لم تجد من يكفله! إن إحياء الوقف العلمي، ودعم طلاب الشريعة، وتكافل الأغنياء مع العلماء، ليس ترفًا ولا نافلة، بل ضرورة شرعية وحضارية تفرضها سنن النهضة، فيا أهل اليسار، إن في أموالكم حياةً لعلوم تموت، ويا أهل العلم، إن في صبركم بذور أمة تستفيق، وحين تكفل العقول، تولد الكتب، وتحيا المعاني، ويعود للأمة صوتها الذي خفت طويلًا، رحم الله أبا الحسنات عبدالحي اللكنوي، الذي أيقظ فينا دروس العظماء، وأعاد إلى القلوب يقينها بأن العلم إذا وُجد له ظهر يحمله، حمل الأمة بأسرها.