حثت النصوص الشرعية على الحلم والعفو وضبط الانفعالات والنهي عن التسرع في الخصومة أو المبالغة في إظهار العداوة لأحد
الإسلام يربي المسلم على الاعتدال في مشاعره فلا إفراط في الحب ولا غلوّ في البُغض
من الخطأ أن يظن الإنسان أن جاهه أو ماله أو منصبه يغنيه عن الناس فالحياة قائمة على التعاون ولا يستغني أحد عن أحد
حثت النصوص الشرعية على الحِلم، والعفو، وضبط الانفعالات، والنهي عن التسرع في الخصومة، أو المبالغة في إظهار العداوة؛ إذ قد تنقلب الأحوال، وتتغير الظروف، ويصبح من تعاديه اليوم عونًا لك غدًا، أو تحتاج إليه في دفع ضرر، أو جلب منفعة، أو إصلاح شأن من شؤون حياتك، ومن أبدع ما كُتب في هذا الباب ما سجله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه النفيس صَيْد الخاطر؛ حيث لخَّص تجارب عمره في كلمات يسيرة، لكنها تحمل من الحكمة ما يعين المسلم على حسن التعامل مع الناس، وبناء علاقاته على الحكمة والاعتدال.
يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: «أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يُظاهر بالعداوة أحدًا ما استطاع؛ فإنه ربما احتاج إليه، مهما كانت منزلته»، وهذه ليست مجرد حكمة نظرية، وإنما هي ثمرة تجربة طويلة مع الناس وتقلبات الحياة؛ فالإنسان قد يظن أنه مستغنٍ عن غيره، وأنه لن يحتاج إلى هذا الشخص يومًا من الأيام، لكن الأيام تكشف له خلاف ذلك.
مثال بديع
ويضرب ابن الجوزي مثالًا بديعًا، فيقول إن الإنسان قد لا يلتفت إلى عودٍ صغير ملقى على الأرض، ويظنه لا قيمة له، ثم يأتي وقت لا يجد غيره يستعين به، وكذلك كثير من الناس قد يراهم الإنسان صغارًا أو قليلي الشأن، ثم تدور الأيام فيصبح محتاجًا إليهم؛ ولذلك قال -رحمه الله-: «كم من محتقرٍ احتيج إليه، وإن لم تقع الحاجة إليه في جلب منفعة، وقعت الحاجة إليه في دفع مضرة»، فهذه سنة الحياة؛ فالناس يتكاملون، وتتبادل بينهم المصالح، ولا يستغني أحد عن أحد.
الناس شركاء في مصالح الحياة
ومن الخطأ أن يظن الإنسان أن مكانته الاجتماعية، أو منصبه، أو ماله، أو علمه، تغنيه عن الناس؛ فالحياة قائمة على التعاون، وكل إنسان يؤدي دورًا يحتاج إليه غيره، ولهذا كان العقلاء يتجنبون صناعة العداوات، ويحرصون على حفظ جسور التواصل مع الجميع، لأنهم يدركون أن العلاقات إذا هدمت، كان ترميمها شاقا، وأن الكلمة الجارحة قد تبقى في النفوس سنوات طويلة، وإن نُسيت في الظاهر، ومن هنا كان من الحكمة أن يملك الإنسان غضبه، وأن يزن كلماته، وألا يجعل موقفًا عابرًا سببًا لعداوة دائمة، أو خصومة لا تنتهي.
المبالغة في العداوة من قلة الحكمة
لا يكاد يمر يوم إلا ويواجه الإنسان مواقف تستفز مشاعره؛ فقد يراجع دائرة حكومية، فيجد موظفًا ضيق الصدر، أو يقصد مستشفى فيقابل طبيبًا متعبًا أو منشغلًا، أو يتعامل مع عامل أو سائق أو موظف لا يحسن الأسلوب، وهنا يقع كثير من الناس في خطأ كبير؛ إذ يحولون الموقف العابر إلى عداوة دائمة، فيقابلون الإساءة بإساءة أشد، ويطلقون عبارات التهديد والتشهير، وربما تجاوزوا ذلك إلى السب والانتقام. وهذا خلاف الحكمة؛ فإنك قد تعود إلى ذلك المكان مرة أخرى، وتحتاج إلى الشخص نفسه، فتكون أنت أول المتضررين من تلك العداوة التي صنعتها بلسانك وغضبك، وليس المقصود السكوت عن الخطأ، أو ترك المطالبة بالحقوق، وإنما المقصود أن يكون ذلك كله في إطار الأدب، والحكمة، وضبط النفس، دون تشهير، أو إهانة، أو إظهار للعداوة التي لا مصلحة فيها.
المنهج النبوي في الاعتدال في المشاعر
ولما كانت القلوب تتقلب، والأحوال تتغير، أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ميزان عظيم يحفظ للإنسان علاقاته، ويقيه من الاندفاع في الحب والبغض، فقال: «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما»، وهذا من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ يدعو إلى الاعتدال في المشاعر، فلا يحمل الحب على الإفراط الذي يعمي عن العيوب، ولا يدفع البغض إلى الغلو الذي يقطع كل سبيل للرجوع والإصلاح، فقد يقع من أخيك، أو جارك، أو زميلك، أو قريبك موقف يؤذيك، فيثور غضبك، لكن الحكمة تقتضي ألا تجعل ذلك سببًا لهدم علاقة بُنيت على سنوات من المعروف، أو لقطع طريق قد يجمع الله به القلوب بعد الفرقة.
دع للصلح موضعًا
ومن أجمل ما روي عن السلف في هذا الباب ما نُقل عن أبي الدرداء أنه قال لمن أساء إليه: «لا تُغرق في سبِّنا، ودع للصلح موضعًا»، وهذه كلمة تكتب بماء الذهب؛ لأن كثيرًا من الخصومات تبدأ بكلمة، ثم تتسع حتى يصعب رأب صدعها، ولو أن المتخاصمين ترك كل واحد منهما بابًا مفتوحًا للمراجعة والاعتذار، لكان الرجوع أيسر، والصلح أقرب، أما إذا استُعملت ألفاظ الإهانة، وكُشفت العيوب، وشُهِّر بالناس، وأُغلقت جميع أبواب الود، فإن العودة تصبح شاقة، وإن تم الصلح في الظاهر، ولهذا كان العقلاء إذا اختلفوا، حفظوا ألسنتهم، وأبقوا مساحة للمودة، حتى لا تتحول الخصومة المؤقتة إلى عداوة مستحكمة.
من صور المبالغة في العداوة
ولعل من أكثر البيئات التي تظهر فيها هذه المشكلة: الجوار، وبيئة العمل، والعلاقات الأسرية، فكم من جارٍ خاصم جاره بسبب موقف يسير، أو خلاف بين الأطفال، أو سوء فهم عابر، ثم تحولت العلاقة إلى قطيعة طويلة، حتى أصبح كل واحد منهما يفرح بمصيبة الآخر، أو يشمت به عند البلاء، ولو أنهما عالجا الخلاف بالحكمة، وحفظ كل واحد منهما حق الجوار، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد. وكذلك الحال بين زملاء العمل؛ فقد يقع اختلاف في الرأي، أو تنافس في الوظيفة، فيتحول إلى عداوة شخصية، وربما استمر سنوات، مع أن الجميع يعملون في مكان واحد، ويجمعهم هدف واحد، والحكيم هو الذي يفرِّق بين الاختلاف في المواقف، وبين فساد القلوب.
حتى داخل البيوت
ولا تقف آثار العداوة عند حدود العلاقات العامة، بل قد تمتد إلى داخل البيت الواحد، ولهذا أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل الذي يبالغ في إيذاء زوجته، ثم يريد بعد ذلك أن يعيش معها حياة طبيعية، فقال: «يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم»، فإذا بالغ الزوج في الإهانة، أو التجريح، أو الإذلال، فكيف ينتظر بعد ذلك قلبًا منشرحًا، أو مودة صادقة، أو حياة مستقرة؟ إن الكلمات الجارحة لا تموت سريعًا، وآثارها تبقى في النفوس، وإن عفا صاحبها بلسانه، ولهذا جاءت الشريعة ببناء الأسرة على الرحمة والإحسان، لا على الغضب والانتقام.
حتى مع من هم دونك
ومن دقائق كلام ابن الجوزي -رحمه الله- أنه لم يقصر هذه الوصية على أصحاب المناصب أو ذوي الجاه، بل عمَّ بها جميع الناس، مهما صغرت منازلهم، فقد تحتاج يومًا إلى عامل، أو سائق، أو حارس، أو موظف استقبال، أو خادم، أو صاحب مهنة بسيطة، ولذلك ليس من الحكمة أن يحمل الإنسان غضبه على إهانة هؤلاء أو احتقارهم؛ فإن النفوس جبلت على التأثر بالإحسان والإساءة، وقد يكون من أسأت إليه سببًا في نفعك أو دفع الضر عنك في وقت لا تتوقعه، وقد قيل قديمًا: «الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ، بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم»، فاحترام الناس، والإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، ليس مجرد خلق كريم، بل هو أيضًا من حسن السياسة في معاملة الخلق، ومن فقه العيش في هذه الدنيا.