![]() |
![]() |
|
|
#1 |
|
|
أعلام فقدوا بناتهم أ. د. عبدالحكيم الأنيس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.وبعد: فهذه صفحاتٌ ذكرتُ فيها مَن فقد بنتًا من الأعلام، وبدأتُ بسيد الأعلام وسندهم النبي الأكرم والرسول الأعظم، الذي يُؤتسى بأقواله وأفعاله وسائر أحواله صلى الله عليه وسلم، ثم مَن وقع لي ذكرُه من السلف، والخلفاء، والأمراء، والعلماء، والأدباء، والشعراء، وذكرتُ بعضَ الأقارب، وهما الخالان الفاضلان محمد نديم وأحمد، وفي خبريهما فائدة ظاهرة، وقد بلغ العدد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعين. هذا، وقد رتبتُ المذكورين على حسب الوفيات، ونقلتُ ما جاء عنهم في ذلك مِن كلام ومواقف وشعر ونثر، وفي بعض النقل طولٌ، ولكن يشفع لذلك ابتغاء استكمال الفائدة. ورجوتُ من ذلك تسلية الحزين، وتذكرة المصاب. وللعلامة محمد بن يوسف الصالحي (ت: 942): "الفضل المبين في الصبر عند فَـقْـدِ البنات والبنين"، وللعلامة شمس الدين ابن طولون (ت: 953): "كشف الكربات عن موت البنات". وأسأل الله تعالى أن يمتعنا بما وهبنا، وأنْ يمنَّ علينا وعليهم بخيري الدنيا والآخرة. *** • سيد الأعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: تُوفي في حياته عليه الصلاة والسلام زينب -وهي كبرى بناته-، ورقية، وأم كلثوم، رضي الله عنهن. ومِنْ حنان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما روته أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حين تُوفيتْ ابنته [زينب]، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر مِن ذلك إنْ رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه. تعني إزاره»[1]. قال العلماء: لتتباركَ بإزاره عليه الصلاة والسلام. وجُعل إزاره عليه الصلاة والسلام ممّا يلي جسدها الطاهر رضي الله عنها. *** قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ماتتْ لعبيدالله بن معمر بنتٌ فقعد في المأتم في مسجده [في البصرة] في سكة سبانوش[2]. وهو أميرٌ، من القادة الشجعان الأشداء، ومن أجواد قريش. ولاه عثمان بن عفان قيادة جيش الفتح في أطراف إصطخر، ونشبتْ معارك استشهد في إحداها[3]. وجرى في مجلس العزاء هذا خبرٌ عجيبٌ أحبُّ أنْ أطرف القارئ به، وهو مِن تمام قول أبي عبيدة: "فجاء عبيدالله بن أبي بكرة معزيًا وإذا الأشرافُ قد أخذوا مواضعهم، فنظر إليه رجلٌ قد كان سبق إلى مجلسه مع الأشراف قد عرفه فقام قائمًا وجعل يقول له: ههنا، حتى أخذ بيده فأقعده في مجلسه، ثم ذهب فقعد في أخريات الناس، فأمر عبيدالله غلامًا كان معه أن يتعاهده إلى قيامه فلما قام دعا الرجلَ فقال: أتعرفني؟ قال: نعم. قال: مَن أنا؟ قال: أنت عبيدالله بن أبي بكرة صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما حملك على تركك مجلسك لي؟ قال: إجلالًا لولد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أوجبَ الله على أمثالي خصوصا من التبجيل. فقال له عبيدالله: هل لك على أنْ تصحبنا إلى ضيعةٍ نريد أنْ نصير إليها؟ قال: نعم. قال: فصحبه الرجلُ إلى تلك الضيعة في نهر مكحول ضيعة فيها ثلاث مئة جريب نخل، وعلى وجه الضيعة قصر بني بآجر وجص وخشب ساج، فلما دخل الضيعة أخذ عبيدالله بيد الرجل وجعل يدور به في تلك النخيل فقال للرجل: كيف ترى هذه الضيعة؟ قال: تالله ما رأيتُ نخيلًا أحسن منها ولا أكثر ثمرة ولا أسرى ضيعة منها. قال: قد جعلناها لك بما فيها من الخدم والآلة، نبعث إليك بصكها. قال: فاستطار الرجلُ فرحًا وبكاء وقال: أنعشتني وأنعشتَ عيالي. فقال عبيدالله: وكم لك من العيال؟ قال: ثلاثة عشر نفسًا. قال: فإني قد جعلتُ اسم عيالك في اسم عيالي أنفقُ عليهم ما عشتُ. فقال له عبيدالله: مَن تكون له مثل هذه الضيعة يحتاج أن يكون منزله في سرة البصرة، إذا صرنا إلى منزلنا فاغدُ علينا نأمر لك بشراء دار تشبه هذه الضيعة ورأس مال وخدم تصلح لدارك تعيشُ بها إن شاء الله. قال: فغدا الرجلُ عليه، فأمر له بشراء دار بخمسة آلاف دينار، وأعطاه عشرة آلاف دينار، ودفع اليه صك الضيعة، وأمر له بدابة، وبغل، وسائس، وكسوة، وصرفه"[4]. *** قال القرطبي: «رُوي أن عبدالله بن عباس نُعي له أخوه قثم، - وقيل: بنتٌ له- وهو في سفر فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ومئونة كفاها الله، وأجر ساقه الله. ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: (واستعينوا بالصبر والصلاة)»[5]. وقال محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"[6]: «حدثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن خالد بن صفوان، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: نُعي إلى ابن عباس ابنٌ له وهو في سفر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: فعلنا ما أمر الله به، وتلا هذه الآية ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة: 45]"». *** قال ابن قدامة: «يُرْوَى عن الشَّعْبي أنَّ ابْنَةً له لما لُفَّتْ في أكفانِها بَدا منها شيءٌ، فقال الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا»[7]. *** قال البخاري: "قال أيوب أبو حسن: غسّلَ أبو قِلابة بنتَه شابة، كنتُ معه في الدار"[8]. *** رَوى عبدالله بن أحمد بن حنبل بسنده إلى ثابت البناني قال: كان بين الحسن وابن سيرين -رحمهما الله- مقارضة، فماتت ابنة للحسن وهو متوار من الحجّاج. قال: فذهبتُ إليه فدخلتُ عليه وهو في بيت أبي جحيفة، وأنا أرجو أن يأمرني أنْ أصلي عليها، فقلت: يا أبا سعيد توفيت فلانة. فرجّع وانتحبَ، ثم مسح وجهه، ثم قال: اذهب إلى محمد بن سيرين فمُرْه فليصل عليها. قال: فعلمتُ أنه كان آثرَ عنده مِنْ غيره"[9]. *** فقد بنته "البانوقة". قال الطبري: "كانت البانوقة سمراء حسنة القد حلوة، فلما ماتت وذلك ببغداد أظهر عليها المهدي جزعًا لم يُسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر ألا يُحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس مَن ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يَسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال: يا أمير المؤمنين: الله خير لها منك، وثواب الله خير لك منها، وأنا أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك. وذكر صباح بن عبدالرحمن قال حدثني أبي قال: توفيت البانوقة بنت المهدي فدخل عليه شبيبُ بن شيبة فقال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرًا، وأعقبك صبرًا، لا أجهد الله بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثوابُ الله خيرٌ لك منها، ورحمةُ الله خير لها منك، وأحقُّ ما صُبر عليه ما لا سبيل إلى ردِّه"[10]. وقال المبرد: وقال الأصمعي: لما ماتت البانوقة ابنة المهدي، اشتدَّ جزعُه عليها فحجب الناسَ، فتلطف شبيبُ بن شيبة فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، والله للهُ خيرٌ لها منك، ولثوابُ الله خيرٌ لك منها. وإنَّ أحقَّ ما صبُر عليه ما لم يُقدر على دفعه. فكان هذا أول ما تسلّى به، وأذنَ للناس"[11]. ودُفنت في المقبرة التي عُرفت بعدُ بمقبرة أبي حنيفة. روى الخطيبُ البغدادي عن محمد بن خلف قال: "قال بعضُ الناس: إن موضع مقابر الخيزران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد، وأول مَن دفن فيها البانوقة بنت المهدي، ثم الخيزران، ودُفن فيها محمد بن إسحاق صاحب المغازي، والحسن بن زيد، والنعمان بن ثابت"[12]. *** قال بعضُ أصحابه: دخلتُ عليه وبين يديه ابنته طفلة، وعليها ثياب مصبوغة، فقال لي: ما أحببتُ شيئًا حبّي لها، وإني لأحبُّ لو قدَّمتُها لربي، فانصرفتُ عنه ثم رجعتُ إليه، فوجدتُّ الناس مجتمعين على بابه فسألتُ، فقيل لي: ماتت ابنتُه. فدخلتُ إليه فعزيتُه فلما وليتُ لحقني وقال: بالله لا تذكرْ ما كان مني، -يعني أمنيته-، يعني ما دمتُ حيًّا[13]. *** قال ابنُ قتيبة: "عزّى رجلٌ عبداللّه بن طاهر عن ابنته فقال: أيها الأمير، ممَ تجزعُ؟ الموت أكرم نزّال على الحُرَم. وقال جرير: وأهونُ مفقودٍ إذا الموتُ ناله ![]() على المرء مِنْ أصحابه مَنْ تقنّعا ![]() ![]() ![]() وقال آخر: ولم أرَ نعمة شملتْ كريمًا ![]() كنعمة عورةٍ سُترتْ بقبر"[14] ![]() ![]() ![]() *** قال يرثي ابنته وكتبَ على قبة قبرها: بأبي ساكنةً في جدثٍ ![]() سكنتْ منه إلى غير سكنْ ![]() نفسُ فازدادي عليه حزنًا ![]() كلما زاد البلى زاد الحزَنْ ![]() وفي الجانب الآخر: أساكنةَ القبر السلو محرمٌ ![]() علينا إلى أنْ نستوي في المساكنِ ![]() لئن ضمن القبرُ الكريمُ كريمتي ![]() لأكرم مضمون وأكرم ضامنِ ![]() وفي الجانب الآخر: أواحدتي عصاني الصبرُ لكنْ ![]() دموع العين سامعةٌ مطيعهْ ![]() وكنتِ وديعتي ثم استردتْ ![]() وليس بمنكرٍ ردُّ الوديعهْ ![]() وفي الجانب الآخر: يا والدي رعاكما الله ![]() لا تهجرا قبري وزوراهُ ![]() خليتما وجهي بجدته ![]() للقبر يخلقُه ويمحاهُ ![]() وفي الجانب الآخر: آنس اللهُ وحشتك ![]() رحم الله وحدتكْ ![]() أنتِ في صحبة البلى ![]() أحسن اللهُ صحبتكْ ![]() وفي الجانب الآخر، مقدم: أبكيكِ ربة قبةٍ ![]() تبلى وقبتها تجددْ ![]() ![]() ![]() لك منزلان فذا يبيضُ للبكاء وذا يسودْ»[15]. وقال شوقي ضيف: «يلتقي في الديوان تفجُّعه على الحسين بتفجعه على ابنته "ليلى" وحيدته كما يقول، ويندبها في كثير من القصائد والمقطوعات، وقد امتلأتْ نفسه شقاء وعناء ممضًّا وامتلأ قلبه حسرات ولوعات محرقة، وما يزال يطلب إلى السحب أن تكسو الأرض من حول قبرها وشيًا بعد وشي وحريرًا بعد حرير وأزهارًا وأنوارًا فائحة العبير، ويناجيها في رمضان ذاكرًا عبادتها فيه وعكوفها على القرآن الكريم، وكيف تحوّل العيد بعدها لغيابها عنه مأتمًا، ويبكيها في قصيدة ضادية، ويبكي معها أختها التي ماتت منه في الرقة، وفي ذلك يقول: لنا في الرّقّتين مضيضُ حزن ![]() وفي حلب المضيض على المضيضِ ![]() ![]() ![]() وظل جرحُه في ليلى لا يرقأ، وكانت عروسًا، فانقلبت الفرحة حزنًا بل كارثة، وانقلب الرحيق حريقًا يصطلي الصنوبري بناره، ويتعذب عذابًا شديدًا، ولا مغيث له ولا ملجأ سوى الدموع والأنات والزفرات، وأن ينوح عليها بمثل قوله: يا ربة القبر المضئ الذي ![]() يضئ ضوءَ الكوكب السّاري ![]() أشتاق رؤياك فآتي فلا ![]() أرى سوى تربٍ وأحجارِ ![]() قومي إلى دارك قد أنكرتْ ![]() صبرَكِ عنها أيّ إنكارِ ![]() استوحشتْ دارُك مِن أهلها ![]() واستوحش الأهلُ من الدارِ"[16] ![]() *** انظر ديوانه (ص: 294). *** اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| من أعمال رمضان | ابو الوليد المسلم | قسم المناسبات الدينية | 1 | 01-19-2026 04:55 PM |
| من سير أعلام النيلاء | أبو طلحة | قسم التراجم والأعلام | 13 | 10-18-2024 05:06 PM |
| أعلام من السلف | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 31 | 04-16-2024 04:55 AM |
| أعمال تدخل الجنة | نبراس الخير | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 02-16-2023 08:23 PM |
| أعمال اليهود | أبو ريم ورحمة | ملتقى التاريخ الإسلامي | 1 | 04-13-2019 04:38 AM |
|
|