![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31](1) د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي تتحقق محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع الصادق لا الابتداع، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]. تمهيد: تُعدُّ هذه الآية الكريمة بمنزلة "وثيقة المحبة"؛ إذ تُبيِّن بجلاءٍ لا لبس فيه أن محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا تَثبُت بادعاءٍ مجرَّد، بل تتحقق بالاتباع الصادق لا الابتداع، ولهذا سماها بعض أهل العلم بـ"آية المحنة"؛ لأنها تَمتحن صدقَ دعوى المحبة؛ كما قال الحسن البصري رحمه الله: "زعم قومٌ أنهم يُحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية"[1]. وهي كذلك ميزان دقيق توزَن به أقوالُ العباد وأفعالهم؛ كما قال السعدي رحمه الله عند تفسير الآية الموضح أدناه: "بهذه الآية يُوزَن جميعُ الخلق"[2]. وعمومًا فإن الآية تحمل ملامحَ تربوية عظيمة، ومجالاتها تمتد لتشمل جوانب الإيمان والسلوك والاتباع، ولعِظم أهميتها ومكانتها سأَجتهد قدرَ علمي المحدود باستنباط بعض الملامح التربوية التي حَوتْها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعُنق. وأسأل الله التوفيق والسداد، ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع: قال ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل مَن ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذبٌ في دعواه في نفس الأمر، حتى يتَّبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله"[3]. وقال السعدي رحمه الله: "وهذه الآية فيها وجوبُ محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ [آل عمران: 31]؛ أي: ادَّعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبةٌ، فلا يكفي فيها مجرَّدُ الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتَّبع الرسول دل على صدق دعواه محبةَ الله تعالى، وأحبَّه الله وغفَر له ذنبه، ورحِمه، وسدَّده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتَّبع الرسول فليس محبًّا لله تعالى؛ لأن محبته لله توجب له اتباعَ رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها، وأنه كاذب إن ادَّعاها، مع أنها على تقدير وجودها غيرُ نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يُوزَن جميعُ الخلق، فعلى حسب حظِّهم من اتباع الرسول، يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص"[4]. الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع: [ قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]. أولًا: تُبرز هذه الآية الكريمة محبةَ الله تعالى لعباده المؤمنين، وهي من الصفات التي أثبتها أهلُ السنة والجماعة لله عز وجل، من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ومن غير تشبيهٍ ولا تعطيل؛ كما هو الحال في سائر صفات الله تعالى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]. وننتقل لبيان هذا الموضوع بما ذُكر عند ابن تيمية رحمه الله؛ إذ قال: "فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له؛ كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، وقوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، وقوله: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 24]، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"[5]. وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام"[6]. ثانيًا: إن محبة الله تعالى متنوعة وشاملة للأعمال والعاملين والأشخاص والأمكنة، وسأُورد توضيحًا حول ذلك اختصرته لابن عثيمين رحمه الله؛ إذ قال: "إن محبة الله سبحانه وتعالى متنوعة، فهو جل وعلا يُحب الأعمال والعاملين والأشخاص والأمكنة، وهو أيضًا يُحِب ويُحَب؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، فكلما كان العبد أكثر اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان أحب إلى الله، ومن أمثلة محبته لأشخاص معينين ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في علي بن أبي طالب يوم خيبر: "يُحب الله ورسوله ويُحبه الله ورسوله"، وكذا في الرجل الذي كان يختم بـ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقال صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يُحبه"، وقد تتعلق محبة الله بصفات في أناس غير معينين؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4]، كما تتعلق محبته بأماكن؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "أحب البقاع إلى الله مساجدها"، وقوله عن مكة: "أحب بلاد الله إلى الله"، فالله تعالى ودودٌ؛ أي: مُحبٌّ ومحبوب؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾ [البروج: 14] "[7]. ثالثًا: إن محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه، يجب أن تكون في قلب المؤمن فوق كل محبة، مهما كانت قرابة النسب أو المصالح الدنيوية، فليست محبة الوالدين، ولا الأولاد، ولا الأزواج، ولا الأموال والمساكن والتجارات، مقدَّمة على محبة الله ورسوله، بل لا يُعدُّ العبد صادقًا في إيمانه إلا إذا كانت محبة الله ورسوله هي الغالبة والمقدَّمة في قلبه على كل ما سواهما، وقد نبَّه إلى هذا المعنى ابن رجب الحنبلي رحمه الله، فقال: "إن الله تعالى توعَّد من قدَّم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: 24] [8]. وأكد هذا المعنى أيضًا السعدي رحمه الله؛ حيث قال: "وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كلِّ شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على مَن كان شيء من هذه المذكورات أحبَّ إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله"[9]. والخلاصة: أن هذه الآية تُنقِّي مشاعر المحبة في قلب المسلم من كل شائبة تعارض مقتضى التوحيد الخالص، لتكون محبته لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هي المحور الذي تدور حوله سائرُ المحابِّ، وتُوزَن به جميع العلاقات. رابعًا: من تمام الإيمان وكماله أن يُقدِّم المسلم محبته للنبي محمد صلى الله عليه وسلم على محبته لولده ووالده وسائر الناس، فقد قرَّرت السنة النبوية هذا الأصلَ العظيم، وجعلته شرطًا في اكتمال الإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"[10]. ولم تقتصر السنة على بيان وجوب هذه المحبة، بل أوضحت أثرَها في القلب؛ إذ تجعل صاحبها يَذوق حلاوة الإيمان، ويعيش لذَّته الروحية، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النار"[11]. خامسًا: في موقف تربوي عظيم، علَّم النبي صلى الله عليه وسلم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه درسًا بليغًا في معنى كمال الإيمان، وهو في الوقت ذاته توجيه شامل للأمة كلها، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان لا يكتمل حتى تكون محبته أعظمَ من محبة الإنسان لنفسه، ويتضح ذلك جليًّا في الحوار التربوي الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عمر رضي الله عنه؛ حيث قال عمر رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الْآنَ يَا عُمَرُ"[12]. وعلَّق ابن رجب رحمه الله على هذا الموقف التربوي، فقال: "يجب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على النفوس والأولاد والأقارب، والأهلين والأموال والمساكين، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة"[13]. سادسًا: من أبرز معالم المحبة الصادقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم: الطاعة التامة لهما، فهي الأساس الذي تُبنى عليه المحبة، ومحورها الجوهري الذي لا تنفك عنه بحالٍ، وقد جاء التوجيه القرآني مؤكدًا هذا المعنى في مواضعَ عدة؛ حيث اقترنت طاعة الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على التلازم الوثيق بينهما، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النساء: 59]، وقوله سبحانه: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقوله جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النساء: 59]. ومن هنا فإن الاعتقاد بوجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يُعدُّ أصلًا من أصول الإيمان، وركنًا من أركانه، والسيرُ على هذا النهج هو الصراط المستقيم الواجب التمسك به؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾ [الأنعام: 153]. وقد بيَّن ابن باز رحمه الله معنى الصراط المستقيم، فقال: "والمعنى: الزَموا الطريق الواضح الذي سار عليه نبيُّكم عليه الصلاة والسلام، وسار عليه أصحابُه، وبيَّنه كتابُ الله، وبيَّنته السُّنة، فالزَموه وسيروا عليه، وهو توحيد الله وطاعته، واتِّباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه، ودَعوا ما خالف ذلك، هذا هو الصِّراط المستقيم"[14]. سابعًا: من أعظم ثمرات طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: الفوز بالجنة، وهي الغاية الكبرى التي يطمح إليها كلُّ مؤمن صادق، كما أن مِن أعزِّ ما يُرجى في الآخرة مرافقةَ مَن أنعَم الله عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وهي الرفقة المباركة التي تغبطها القلوب وتطمئنُّ لها الأرواح، وقد جاء تأكيدُ هذا الجزاء العظيم في مواضع متعددة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [النساء: 13]، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. ثامنًا: كما أن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم سبب في نيل المحبة الله تعالى، ودخول الجنة ورفقة الأخيار، فإن عصيانهما - والعياذ بالله - سبب في الخسران المبين والعذاب المهين، وهو ما يبيِّنه القرآن الكريم تحذيرًا وتنبيهًا لعباده؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [النساء: 14]، وقوله: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ [الجن: 23]. أوضح الجزائري رحمه الله في تفسيره معنى ذلك: "أي: يُخبر تعالى موعدًا أن مَن يعص الله بالشرك به وبرسوله بتكذيبه، وعدم اتباعه فيما جاء به، فإن له جزاءَ شركه وعصيانه نار جهنم خالدين فيها أبدًا"[15]. تاسعًا: إن المحبة الحقيقية لله تعالى لا تنبع من فراغ، بل تنشأ عن معرفة صحيحة به سبحانه، وكلما ازدادت هذه المعرفة، ازدادت المحبة، وقوِي معها الإيمان، وازداد تعظيم العبد لربه، وخضوعه له وطاعته، وهذا هو جوهر العبودية ومقصد الخلق، ومن أعظم أبواب المعرفة بالله: العناية بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، حِفْظًا وفَهمًا وعملًا بمقتضاها، وقد بيَّن ابن القيم رحمه الله هذه الحقيقة بقوله: "وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلَمَ، كان بالله أعرف، وله أطلب، وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر، كان بالله أجهل، وإليه أكره، ومنه أبعد"[16]. وفي السياق ذاته قال ابن رجب رحمه الله: "ومحبة الرسول، فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه، وعِظم ما جاء به، وينشأ ذلك من معرفة مرسله وعظمته"[17]. وفي نفس المعنى أيضًا قال السعدي رحمه الله: "ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدًّا، بل غير موجودة وإن وُجدت دعواها"[18]. ويمكن القول: إنه كلما ازدادت العناية بمعرفة بالله تعالى، زاد الإيمان وارتقى، وكلما زاد الإيمان وارتقى، زاد تعظيم لله ومحبته عز وجل، وكلما زاد تعظيمه ومحبته، زادت طاعته وعبوديته، وهذا هو الشرف العظيم والمقصد الأسمى من خلق الإنسان أن يوحِّده حقَّ توحيده، ويُعظمه ويطيعه، ويُخلص له العبادةَ وحدَه سبحانه؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]. عاشرًا: إن ثبات الإيمان في القلب ورسوخه، هو الأساس الذي تُنبني عليه طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكلما ازداد الإيمان، ازدادت المحبة، وقوي الاتباع، والعكس صحيح، فضعف الإيمان يولِّد فتورَ المحبة ونقص الطاعة، ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سار على نهجهم، من أكمل الناس إيمانًا، وأشدهم حبًّا لله ورسوله، وأعظمهم طاعة واتباعًا، فكمال الإيمان يُثمر كمال المحبة، وكمال المحبة يُفضي إلى كمال الاتباع، وقد عبَّر القرآن عن حال المؤمنين الصادقين بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، قال البغوي رحمه الله: "أي: أثبت وأدوم على حبه؛ لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، فالمؤمن لا يُعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرَّخاء"[19]. الحادي عشر: جاء في القرآن الكريم وصفٌ جامع دقيق لصفات المؤمنين والمؤمنات، يبرز من خلاله مدى ارتباط الإيمان بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وهذه الصفات العظيمة تدل على أن الإيمان ليس مجرد دعوى، بل هو سلوك عملي ينعكس في محبة الله ورسوله، والطاعة لهما، والدعوة للخير، والتكاتف بين أفراد المجتمع المؤمن، ومن أبرز ثمرات هذا الإيمان نيلُ رحمة الله عز وجل، كما خُتمت الآية بقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، وعلَّق ابن كثير رحمه الله على ذلك بقوله: "أي: سيرحم الله مَن اتَّصف بهذه الصفات، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: عزيز، من أطاعه أعزَّه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء"[20]. الثاني عشر: تُعد محبة الله تعالى من أعظم المطالب الإيمانية، وهي غاية يسعى إليها الصالحون، وشرف لا يُنال إلا بالسير في طريق الطاعة والاتباع، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن رجب رحمه الله بقوله: "إن درجة المحبة لله تعالى إنما تنال بطاعته، وبفعل ما يُحبه، فإذا امتثل العبد أوامرَ مولاه، وفعَل ما يُحبه، أحبَّه الله تعالى ورقَّاه إلى درجة محبته؛ كما في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ.. الحديث»[21]،[22]. وفي نفس المعنى يؤكد ابن عثيمين رحمه الله أن نيل محبة الله تعالى ليس بالأمر العسير على من يسَّره الله له؛ إذ قال: "ومحبة الله عز وجل تُنال بشرط يسير لمن يسَّره الله عليه، نسأل الله أن ييسِّره لنا، وهو: اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهرًا وباطنًا، في العقيدة والقول والفعل، فإذا حقَّقت ذلك، فإن محبة الله سوف تنالك". يتبع.... [1] انظر: تفسير ابن كثير (2 /27). [2] تفسير السعدي (ص: 128). [3] تفسير ابن كثير (2/ 26). [4] تفسير السعدي (ص: 128). [5] صحيح مسلم، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم: 43. [6] الفتاوى، (2/ 354). [7] تفسير ابن عثيمين جزء عم، سورة البروج، (ص: 138). [8] تفسير ابن رجب (2/216). [9] تفسير السعدي (ص: 332). [10] صحيح البخاري، باب: حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، حديث رقم: 15، صحيح مسلم، باب: وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، حديث رقم: 16. [11] صحيح البخاري، باب: حلاوة الإيمان، حديث رقم: 16، صحيح مسلم، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم: 43. [12] صحيح البخاري، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 6632. [13] فتح الباري لابن رجب، فصل: أمور الإيمان، (1/49). [14] شرح تفسير ابن كثير، سورة الأنعام، موقع الإمام ابن باز رحمه الله. [15] أيسر التفاسير للجزائري (5/ 453). [16] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، (1/ 6-7). [17] فتح الباري شرح صحيح البخاري، فصل في أمور الإيمان، (1/53). [18] تفسير السعدي (ص: 235). [19] تفسير البغوي (1/ 178). [20] تفسير ابن كثير (4/ 154). [21] صحيح البخاري، باب: التواضع، رقم: 2385. [22] تفسير ابن رجب الحنبلي، سورة ص: 69، (2/ 216). اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ... ﴾ [آل عمران: 31] (2) د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي الثالث عشر: من دلائل محبة الله تعالى لعباده أن يُلقي لهم القَبول في الأرض، ويجعل لهم المحبة في قلوب عباده الصالحين، وهو أثرٌ من آثار محبة الله لعبده الصادق في اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ"[1]. الرابع عشر: أوضح أهل العلم دلائل وعلامات محبة الله تعالى للعبد، فمن ذلك: • قال ابن عطية رحمه الله: "ومحبة الله للعبد أَمارتها للمتأمل أن يُرى العبد مهديًّا مُسدَّدًا، ذا قَبول في الأرض، فلطفُ الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته"[2]. • ذكر القرطبي رحمه الله: "أن محبة الله للعبد تظهر أيضًا في مغفرته وإحسانه إليه، واستدل بقول الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]؛ أي: لا يغفر لهم"[3]، فالمغفرة أثرٌ من آثار المحبة، كما أن الحرمان منها دليلٌ على البُعد من الله. • قال السعدي رحمه الله كما جاء في تفسيره للآية محور المقال: "فمن اتَّبع الرسول دل على صدق دعواه محبةَ الله تعالى، وأحبَّه الله وغفَر له ذنبه، ورحِمه وسدَّده في جميع حركاته وسكناته"[4]، وفي موضعٍ آخرَ قال رحمه الله: "وإذا أحب الله عبدًا قبِل منه اليسير من العمل، وغفَر له الكثير من الزَّلل"[5]. • قال عبد السلام الشويعر: "ليعلم المسلم أنه كلما صُرِفت عنه أسبابُ المعصية، وحبِّبت إليه أسبابُ الطاعة؛ فإن هذا من محبة الله له جل وعلا". الخامس عشر: إن مقياس المحبة الصادقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هو الاستجابة الكاملة لأوامرهما، والانقياد التام لما يُحبه الله ورسوله، وترك ما يُبغضانه، وكما قيل: لو كان حُبُّكَ صادقًا لأَطَعْتَهُ ![]() إِنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مُطِيعُ ![]() ![]() ![]() ولابن رجب رحمه الله كلامًا يُكتب بمداد من ذهبٍ حول المحبة الصادقة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال: "فمَن أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يُحب بقلبه ما يُحبه الله ورسوله، ويَكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى الله رسوله، ويُسخط ما يُسخطه الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك، بأن ارتكَب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترَك بعض ما يُحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوبَ من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة"[6]. ولذلك جاءت دعوة الله للمؤمنين صريحةً في كتابه، تُحفِّزهم إلى هذا الاتباع الصادق، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، وأوضح السعدي رحمه الله معنى هذه الآية بقوله: "يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمَرَا به، والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نَهَيَا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه، وقوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾، وصف ملازمٌ لكلِّ ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحِكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله على الدوام"[7]. السادس عشر: إن المحبة الصادقة لله تعالى لا تُثبَت بالكلام فقط، بل تظهر في الامتثال الفوري والانقياد الكامل لأوامره، كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، ويتضح ذلك جليًّا في موقف عظيم يُمثل أرقى صور الطاعة والاستجابة لله ورسوله، حينما نزل تحريم الخمر تدريجيًّا، تهيئةً للنفوس واستصلاحًا لها، حتى جاء البيان الحاسم في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُلح في الدعاء، قائلًا: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"، فلما نزلت هذه الآية، دُعي عمر رضي الله عنه فقُرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾، قال رضي الله عنه: "انتهينا، انتهينا"[8]. السابع عشر: من لوازم صدق المحبة والاتباع أن تكون الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شاملة للظاهر والباطن، علانية وسرًّا، فلا يكفي أن يُظهر الإنسان الطاعة في حضرة الناس أو في العلن، ثم يخالف ذلك في الباطن، أو حين يَغيب عن أعينهم، فإن هذا من صفات المنافقين الذين حذَّر القرآن الكريم منهم أشد التحذير؛ قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]، وأوضح ابن كثير رحمه الله معنى ذلك: "﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾: يُخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾؛ أي: خرجوا وتوارَوا عنك، ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾؛ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه، فقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾؛ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمُر به حفظتَه الكاتبين"[9]. وهذا الملمح يؤكد أن المحبة الحقيقية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا تكتمل إلا بطاعة صادقة مستقرة في القلب، يظهر أثرُها في القول والعمل في كل حالٍ، فلا رياء فيها ولا نفاق، فالمؤمن لا يُخالف باطنه ظاهره، بل يتجلَّى صدق اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم في السر كما في العلن. الثامن عشر: من علامات الحرمان وغياب توفيق الله تعالى أن ينحرف المسلم عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي الطاعة التي تتجلى فيها أسبابُ الخير والصلاح في الدنيا والآخرة، ومن أعظم صور هذا الحرمان: اتباع غير منهج الله تعالى، سواء في العقائد الفاسدة المنتشرة اليوم، أو في الاحتكام إلى القوانين والأنظمة الوضعية التي تخالف العقل السوي، والفطرة السليمة التي فطَر الله الناس عليها، لا سيما حين تمسُّ هذه الانحرافات جوانبَ العقيدة أو التشريع أو الأخلاق، وقد حذَّر القرآن الكريم من هذا المسلك، فقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 116]، قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، محذرًا عن طاعة أكثر الناس: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم، وعلومهم، فأديانهم فاسدة، وأعمالهم تبعٌ لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق، بل غايتهم أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، ويتخرصون في القول على الله ما لا يعلمون، ومن كان بهذه المثابة، فحَرِي أن يُحذِّر الله منه عبادَه، ويصف لهم أحوالهم؛ لأن هذا وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أُمته أُسوة له في سائر الأحكام التي ليست من خصائصه"[10]. التاسع عشر: لا شك أن بلوغ محبة الله تعالى لا يكون إلا بطاعته، والتمسك بكتابه العزيز، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، غير أن العبد في ذلك كله يظل فقيرًا إلى ربه عز وجل، محتاجًا إلى عونه وتوفيقه وسداده، فبيده وحدَه الحول والقوة، ومن أهم الوسائل التي تُعين العبد على الثبات في طاعة الله تعالى: الإكثار من الدعاء، خصوصًا في أوقات الإجابة، والتضرع إليه بالتوفيق والهداية، فإن الدعاء من أعظم أبواب العبادة، بل هو جوهرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَةُ"[11]. وقد بيَّن القرآن الكريم حال أنبياء الله الذين أدركوا عظمة توفيق الله لهم، فها هو نبي الله شعيب عليه السلام يقول: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، وعلَّق الرازي رحمه الله على هذه الآية بقوله: "بيَّن بهذا أن توكُّله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته، واعلم أن قوله عليه السلام ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ إشارة إلى محض التوحيد، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى"[12]. العشرون: الأدعية المعِينة على التوفيق لطاعة الله تعالى أكثر من أن تُحصى، وقد ذكرها وشرحها أهل العلم الثقات في مؤلفات خاصة يُرجَع إليها لمن أراد المزيد، وسأكتفي هنا فقط بالإشارة إلى ما له ارتباط وثيق ببلوغ محبة الله تعالى، وهو دعاء شريف جمع بين المحبة والعمل، ودلَّ على أصل الاتباع وثمرته؛ قال صلى الله عليه وسلم: "كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ؛ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ"[13]. وعلَّق ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث بقوله: "هذا الدعاء يجمعُ كلَّ خير، فإن الأفعال الاختيارية من العباد إِنَّمَا تنشأ عن محبة وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد، نشأت عنها حركات الجوارح، فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحبَّ ما يحبه الله من الأعمال والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها، وترك المنكرات كلها، وأحب مَن يحبه الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء عليهم السلام تدعو به؛ كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن داود عليه السلام كان يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ"[14]. الواحد والعشرون: إن العبد المحب لله تعالى والمُجتهد في تكميل عبادته، من خلال التزامه الدائم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قد يقع منه خطأ أو زلَّة عابرة، بسبب تسلُّط الشيطان عليه، أو استجابة لنفسه الأمَّارة بالسوء، أو لكليهما معًا، وقد قرَّرت الشريعة الإسلامية أن الوقوع في الذنب أمرٌ بشري لا ينفكُّ عنه الإنسان، مهما بلغ من الصلاح، ما دام في دائرة المجاهدة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوابُونَ"[15]. كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]، وأضح ابن باز رحمه الله معنى الآية بقوله: "﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾؛ يعني: شيئًا من نزغاته ووساوسه التي تُميلهم إلى الباطل، ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ ما عليهم من حقِّ الله، وتذكَّروا ما يجب عليهم من تعظيم الله وطاعته، فأفاقوا ورجعوا إلى الحقِّ، واستقاموا عليه"، ومع ذلك يمكن القول: إن الوقوع في الزلل لا يُبطل أصل المحبة، ما دام العبد يُسارع إلى التوبة، ويجاهد نفسه للرجوع والاستقامة. الثاني والعشرون: قد يقع العبد الصادق في محبته لله تعالى في معصية أو زلة بسبب بشريته وضَعفه، فيُعاقبه الله تعالى على ذنبه، لكن هذه العقوبة ليست عقوبة انتقام، بل هي تربية رحيمة، يُقصَدُ بها تنبيهُه وتحذيره؛ لئلا يعود إلى الذنب مرة أخرى، فتكون علامة على محبة الله له، أما من استمرأ المعصية، وجعلها دَيدنَه، وتمادَى في الفساد دون خوف أو توبة، فإن له من العقوبة ما يناسب حاله من الغفلة والتمرد، فهو في حاجة إلى علاج أشدَّ وأسلوب آخرَ من التربية والزجر، وقد أشار إلى هذا المعنى الدقيق ابن القيم رحمه الله، فقال: "يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهَفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما مَن سقط من عينه وهان عليه، فإنه يخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدَث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عينُ الإهانة، وأنه يُريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا عاقبة معها"[16]. وأستطيع القول: إن المحب الصادق لله تعالى قد يَزِل، لكن محبته تُثمِر يقظةً وتوبة، فيكون أدبُه من ربه بابًا إلى مزيد من القرب، لا إلى الطرد، أما من خلا قلبه من المحبة والاتباع، فاستمر في غيِّه، فإن لله فيه حكمة أخرى قد لا يدركها إلا مَن وعى سنن الله في عباده. الثالث والعشرون: الواجب على العبد المحب لله تعالى أن يَحذَر كلَّ الحذر من الانحراف عن طاعة الله، أو التساهل والتفريط في الاستجابة لأوامره واجتناب نواهيه، فإن في ذلك حفظًا لنفسه ودينه، وسببًا لبقائه في دائرة العناية الإلهية والرعاية الربانية، وقد دلَّ على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ"[17]. ومعنى ذلك كما قال ابن عثيمين رحمه الله: "أن من حَفِظَ حدود الله وشرائع الله، حَفِظَه الله في دينهِ وبدنهِ ومالهِ وأهلهِ وعرضهِ أيضًا"[18]، وهذا يوضِّح أن صدق الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي التزامًا دائمًا بأوامر الله، وحذرًا من التفريط؛ لأن حفظ العبد لحدود الله سبب في حفظ الله له، جزاءً ووقايةً وتوفيقًا. الرابع والعشرون: من سنن الله تعالى الثابتة في خلقه أن يبتلي عباده؛ ليَختبر صدقهم ويزكِّي نفوسهم، وقد قال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]، والابتلاء لا يتعارض مع التقوى، بل قد يكون أشد على أهل الإيمان، كما وقع للأنبياء عليهم السلام وهم صفوة الخلق وأتقاهم، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ"[19]، ولذلك فإن الابتلاء مهما اشتد لا يُقابَل بالتسخُّط عند أهل الإيمان الصادقين، بل يُستقبل برضا وتسليم، بل وقد يأنسون به، لما يرون فيه من أثر العناية الإلهية والتزكية الروحية، وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى هذه المعاني العظيمة، فقال: "إن المحبة كلما تمكَّنت في القلب ورسخت فيه، كان أذى المحب في رضا محبوبه مستحلًى غير مسخوط، والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم: لَئنْ سَاءنِي أَنْ نِلْتَنِي بَمسَاءةٍ ![]() لَقَدْ سَرَّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبَالِكَ ![]() ![]() ![]() فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه". ثم قال رحمه الله: "ابتلاء المؤمن كالدواء له، يَستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصَت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاءُ والامتحانُ منه تلك الأدواء، ويستعدُّ به لتمام الأجر وعلوِّ المنزلة"[20]. والخلاصة: فالمحب الصادق لله تعالى، المتَّبع لنبيه صلى الله عليه وسلم، يعلم أن طريق المحبة محفوف بالابتلاء، ولكنه يحمل في طيَّاته رِفعة ومحبة واصطفاء، ويقود في نهايته إلى كمال الأجر ورضوان الله. [1] صحيح البخاري، باب: ذكر الملائكة، رقم: 3209، صحيح مسلم، باب: إذا أحب الله عبدًا حبَّبه لعباده، رقم: 2637. [2] المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز، آل عمران: 33، (1/ 422). [3] تفسير القرطبي (4/ 60). [4] تفسير السعدي (ص: 128). [5] تفسير السعدي (ص: 235). [6] جامع العلوم والحكم، الحديث الواحد والأربعون، ص 827. [7] تفسير السعدي (ص: 318). [8] الألباني، صحيح سنن الترمذي، باب: ذكر الشراب الذي أُهريق بتحريم الخمر، رقم: 5113. [9] تفسير ابن كثير (2/ 321). [10] تفسير السعدي (ص: 270). [11] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، الترغيب في كثرة الدعاء، وما جاء في فضله، رقم: 1627. [12] تفسير الرازي (18/ 389). [13] الترمذي، حديث رقم: 3490. [14] رسائل ابن رجب الحنبلي، الفصل الثالث: في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث، (4/53). [15] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، الترغيب في التوبة والمبادرة بها وإتْباع السيئة الحسنة، رقم: 3139. [16] زاد المعاد في هدي خير العباد، (3/ 727). [17] الألباني، صحيح الترمذي، رقم: 2516. [18] شرح كتاب الجامع، موقع أهل الحديث والأثر. [19] سنن ابن ماجه، باب الصبر على البلاء، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، رقم: 4023. [20] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، (2/ 188). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| من معاني الحج التربوية - التسليم الكامل لأمر الله -تعالى | ابو الوليد المسلم | قسم المناسبات الدينية | 1 | 05-21-2026 10:19 AM |
| تفسير قوله الله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد...} | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 04-08-2026 12:23 PM |
| تفسير قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء... } | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 01-01-2026 12:31 PM |
| هل الإنفاق في قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) عام ؟ | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 09-30-2025 06:01 PM |
| فاتبعوني يُحببكم الله | وائل مراد | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 8 | 04-30-2019 05:00 PM |
|
|